حكايتي مع بيت سوسة – سارة الصراف

حكايتي مع بيت سوسة – سارة الصراف

لم يحدث أن عدت بقراري هكذا أو أخلفت وعداً قطعته مثلما حدث خلال السنتين الماضيتين، عندما فقدت الأمل وقررت أن اتخلى عن حلم العودة الى الوطن وأبيع دار جدي الدكتور أحمد سوسة.!

وكنت بذلك أكاد أقترف خطأً كبيراً

رعيت الدار كأنني اسكنها منذ أن استشهدت والدتي الدكتورة عالية أحمد سوسة في 2003 وغادرتُ الدار والوطن وحتى اليوم

وكنت بذلك أغذي الأمل في داخلي بالعيش مجددا في بيتنا الذي قضيت فيه جل عمري.

كبرت وأنا أجالس الكبار من علماء وأدباء ومفكري العراق الذين كانوا يرتادون قَبول جدي في يوم الجمعة ومن بعد رحيله قبول والدتي بالرواد ذاتهم منهم من رحل ومنهم من كان يحرص على الحضور رغم كبر سنه.

لكنني قبل سنتين تعبت.! تعبت من الحلم الذي لم يتحقق بعد كل ذلك العمر التي قضيته وكأنني أحمل البيت على كتفي فأغرق في تفاصيل الحارس وصدقه من كذبه والخوف من الأرضة والقلق من غرباء قد يدخلون الدار ولا يخرجوا منها، وشؤون الإدامة والصيانة ومن طلبات الشراء!حيث لا يعرف الآخرون معنى أن يباع بيت سوسة لأنه بالنسبة للمشتري بيت قديم عمره ثمانون عاماً أرضه مناسبة لبناء ستة أو سبعة أكواخ صغيرة تباع بذهب الفلوس لا يعرفون أن بيت سوسة كان قبلة لبناة العراق الذين أصبحت منجزاتهم العلمية والأدبية قناديل تنير العتمة التي نعيشها اليوم وهو ثروتهم التي تنتظر استثماراً معنوياً حقيقياً

لا أخفيكم أنني قررت مرتين أو ثلاث أن أبيع الدار وأنزل تلك الأحمال عن كتفي وأمشي مع الموجة التي كان الوقوف ضدها فوق طاقتي. لكن الذي حدث غريب!لأنني كنت أغير رأيي في كل مرة بالمرحلة الأخيرة من الاتفاق واختلق حجة تنفي كل شيء، لماذا؟ لا أدري!

حتى واجهتُ نفسي أخيراً بالحقيقة التي كانت طوال تلك السنين تنتظر أن التفت اليها كشيخ حكيم صامت يراقب من بعيد ويعرف حق المعرفة النتائج والنهايات!زرت الدار الشهر الماضي ومشيت بين الغرف والجدران الحبيبة والسقوف العالية وسألتُ نفسي ذلك السؤال المؤجل: هل حقاً ستتخلين عن الدار؟

جوابي هو لا

سند شعبي

وتلك ال “لا” بحاجة الى سند شعبي وحكومي ومؤسساتي كي تتنفس وتعيش، سند مغلف بعرفان لذلك العالِم الذي قدم سنوات حياته لوطنه، ذلك الشاب الذي حلم بعراق واحد قوي تجري من بين نهريه نهيرات وجداول لتروي الأرض والبشر، فأسس قاموس الري بالعراق وقضى أيامه بين جدران مكتبته العامرة داخل الدار ليرحل ويترك للأجيال خزيناً لاينضب من علم ومعرفة ومراجع ونتاج يناهز الخمسين مؤلفاً.

دار سوسة تستحق العناء والمحاولة لتتحول الى دار للثقافة بمجلس أسبوعي يثري عقول هذا الجيل الذي هو بأمس الحاجة الى كلمة يهتدي بها. دار سوسة تنتظرنا لنفتح أبوابها ونجعل التاريخ يتنفس من جديد.

حفيدة سوسة

ولد أحمد نسيم سوسة في مدينة الحلة بالعراق عام 1318 هـ/1900م، من أسرة يهودية، أتم دراسته الاعدادية (الثانوية العامة) في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1924م، ثم حصل على شهادة البكلوريوس في الهندسة المدنية عام 1928م من كلية كولورادو في الولايات المتحدة. وواصل بعد ذلك دراسته العليا فنال شهادة الدكتوراه بشرف من جامعة جون هوبكنز الأمريكية عام 1930? وقد انتخب عضوا في مؤسسة (فاي بيتا كابا) العلمية الأمريكية المعروفة، كما منحته جامعة واشنطن عام 1929م جائزة (ويديل) التي تمنح سنويا لكاتب أحسن مقال من شأنه أن يسهم في دعم السلم بين دول العالم. ويعد الدكتور أحمد سوسة واحدًا من أقدم المهندسين العراقيين الذين تخرجوا من الجامعات الغربية. وقد كان أحمد سوسة يهودي الديانة لكنه أعتنق الإسلام بعد ذلك.

بعد عودته للعراق، عين مهندساً في دائرة الري العراقية عام 1930م،

 ثم تقلب في عدة وظائف فنية في هذه الدائرة مدة 18 سنة،

حتى عين عام 1946 معاوناً لرئيس الهيئة التي ألفت لدراسة مشاريع الري الكبرى العراقية.

وفي عام 1947م عين مديراً عاماً للمساحة

ثم مديراً عاماً في ديوان وزارة الزراعة عام 1954م،

ثم أعيد مديراً عاماً للمساحة وبقي في هذا المنصب حتى عام 1957م.

عند تأسيس مجلس الأعمار عام 1951م عين مساعدا شخصيا في الأمور الفنية لنائب رئيس مجلس الأعمار إضافة لوظيفته الأصلية.

 وكان من أوائل أعضاء المجمع العلمي العراقي منذ تأسيسه عام 1946 وبقي عضوا عاملا فيه حتى وفاته.

خلال عامي 1939م و1940م ترأس البعثتين اللتين أوفدتهما الحكومة العراقية إلى المملكة العربية السعودية لدراسة مشاريع الري في الخرج والاشراف على تنفيذها. وكان الدكتور أحمد سوسة أحد مؤسسي جمعية المهندسين العراقية عام 1938م.

اهتم أحمد سوسة بمباحث حضارية قديمة في العراق حيث بحث في تاريخ العراق الحضاري وكتب عن نظم القنوات المائية والسدود في الحضارات القديمة كجزء من هذا الاهتمام، تربو مؤلفاته على الخمسين كتاباً وتقريراً فنياً وأطلساً، أضافة إلى أكثر من 116 مقالاً وبحثاً نشرت في الصحف والمجلات العلمية المختلفة. وتتوزع مؤلفاته على حقول الري والهندسة والزراعة والجغرافية والتاريخ والحضارة.

من أولاده علي وعالية أحمد سوسة، ولقد توفيا، ولعلي ولد واحد أسمه حيدر وأبنته عالية كانت تعمل مترجمة في هيئة الأمم المتحدة ولها بنت واحدة أسمها سارة، ولقد قتلت أبنته عالية في بغداد بعد تفجير مقر هيئة الأمم المتحدة في 19 آب 2003م.

{ عن مجموعة الواتساب