عرض مثالي يستحق التقدير
أحلام كارتون بين المحتوى والإبداع
محسن العزاوي
بغداد
تأليف: د. كريم شغيدل
إخراج: كاظم النصار
يخطأ من يتصور أن الإحباط أو العوز المادي قادر على إقاف مسيرة الفنان المبدع وكلمة المبدع لا تميز بين الثراء والعوز بين وجبة الطعام التي يسبقها الكافيار الروسي والشراب الأحمر قبلها وجبة اللحوم أو الأسماك وبين الفنان المختص على حياته اليومية والذي يسعى لشراء كتاب أو مصدر بدلاً من وجبة أثراء نيويورك أو باريس أوروبا. فنان العراق المشروط بالإبداع في مسيرته قادر على تجاوز محن العوز لأن ثروته الحقيقية تظل هي هي بدلة الشتاء واحدة وبدلة الصيف واحدة وعلى مدى سنوات دون شكوى وتذمر لأن كنزه وطعامه وملابسه وسكنه الأكيد هو البحث دوماً عن القيمة الأصلية والمؤثرة في بيئة المجتمع فلم يكن تايروف الروسي أو كروتسكي البولوني أو داريو فو الإيطالي ، أثراء زمانهم ولا ظل إبراهيم جلال أو قاسم محمد أو يوسف العاني أو سامي عبد الحميد أو بهنام ميخائيل مخرجي ذلك العصر الذهبي للمسرح العراقي ثم يتبعه جيل تنامي وتوردت حدوده لا من القراء وإنما من القهر والعوز ولو أحصينا مبدعينا الشباب ممن خاضوا التجارب الجديدة والمؤثرة لوجدهم هم القلة في المجتمع ممن يتميزون بقلة الشكوى من الحياة لأنهم أحبوها فاجتهدوا واحترموا أصول وقواعد المهنة فاحترمهم مجتمعاتهم.
أسوق هذه المقدمة وأنا استذكر كاظم النصار التي اعتمد منهج الأصول في الاختيار الصحيح والأسلوب المتميز لا لشيء إلا أن هذا الرجل ومن سبقه ومن جاءوا من بعده ظلوا على الدوام سقاة للجذور على الدوام بغية أن تولد من خلال جهدهم وصدقهم دراما العصر لا لشيء إلا لأنهم روح العصر والباقون بعدنا أسياداً للمسرح العراقي وثروة المجتمع القادم لا لشئ الا انهم مثابرون ومبدعون وفقراء..
أسوق هذه المقدمة وأنا استذكر مفردات العرض المسرحي “أحلام كارتون التي قدمت على صالة المسرح الوطني من تأليف د.كريم شغيدل وإخراج كاظم النصار” وأطالع كلمة د. نوفل ابو رغيف مدير عام دائرة السينما والمسرح قوله أمر في هذا العرض المسرحي الزاخر بالقراءات والتأمل والتأويل.. حين نصغي إلى لغة مركبة تمزج بيومياتنا المعلنة وأسئلتنا المؤجلة..
هذا قول ورأي يكاد يعوض ما يمكن طرحه من وجهة نظر أو نقد ، لا لشئ الا لأنه عبر بالدقة النقدية والتحليل المختصر المفيد. بل يكاد أن يمنح ضمانة اكيدة للتعبير اللائق والصريح لما يجب أن يسير عليه مسرحنا مستقبلا.
احلام كارتون .. مسرحية جامعة لحصيلة مواهب وقدرات متنوعة فالمؤلف يعي أهمية “ان يحلق الوطن بنا في فضاء التغيير والتحرر من عبوديات القهر والأستبداد” وهو رأي لا يقضي على عيب او خطيئة فيما ذهب اليه الدكتور كريم شغيدل بل العكس فأراه في أغلب مفردات العرض جاءت مديحة وصادقة ولكن دون ثرثرة أو لغو مسرحي. فتجنب الثرثرة وصاغ حواره كمن قطع أشواطاً بعيدة في الصياغة والتأليف فأدرك أهمية طرح المعاناة المباشرة القاتلة للدراما الحديثة وأوصى مخرجه وممثليه بأن ما يطرحوه على خشبة الدراما المعاصرة بأنه كلامهم وما خلفه من الصدق والأمانة وشرف الكلمة هي رحلة أشبه “برحلة الصحون الطائرة” يبقى تفسيرها وتحليلها على مسؤولية السامع المتعرج وقد وصلت الفكرة دون مجاملة أو تقيد .. المسرحية هي بلغة الزمن لكلام مفردة وسلوكاً وأثارة فنحيي على كريم أن يتواصل مع منهج أضاعه المؤلفون العراقييون والعرب وحتى الأجانب على السواء فلجئوا إلى البساطة والسهولة حد السذاجة .. كريم شغيدل مؤلف دراما من هذا العصر كما لم كاظم بهذه البساطة الساذجة أن يقدم على نص فيه من العتمة وصعوبة الرؤيا ، إنما استخدم كما في أسلوبه الإخراجي السابق الحفاظ على ما هو الأهم المثابر والمترجل بالمنهج الذي يتفرد به بالحرص على أداء الممثل والإنارة والموسيقى معاً .. فجاء بممثلين لهم قدرة متميزة في التقاط الملاحظة الإخراجية والتفاعل معها لينشر في نفوس المشاهدين الانشراح والحركة الدائبة في النفس بغية التواصل مع العرض كيفما كان زمن عرضه دون ملل أو تراخي وهكذا حتى كاظم الإيقاع المطلوب ليظل المشاهد قائماً حاضراً بالرؤى والمشاهدة والسمع وما أجاده الفنانين المحترفين إلا دليل القدرة الفائقة على فهم وتحليل منحنيات ودروبه المشعة.
تقديراً لكم يا فاضل عباس وسنان العزاوي وعلاوي حسين وشكراً لك يا كاظم لاكتشاف جديد ومقتدر في الأداء ومكتشف النجمة في صفات الصوت والقدرة الجسدية هي الشابة الاء نجم.
أن استخدام عناصر المسرح الفنية لا تأتي أو توظف اعتباطاً إنما هي مشروطة التأثير والجمالية على أسباب ذوقية ومهنية وحرفية لذا فأن أسعد توظيفها يكمن في الشرطية التالية:
1) أين وكيف: وهذا يأتي من الحاجة الماسة للتأثير على حواس الشاهد فكما لطرز المعمار “شرطية الأسس” التي تشاد عليها الأبنية وفق معايير المخرج المهندس المهني والذكي للاستخدام لابد أن نسطع ذوقية المخرج المهني في وضع خريطة المثابر سواء لوقع الحدث وزمانيته باللون والإضاءة التي تحسسها الممثل والمشاهد معاً ثم يأتي سؤال مهم قبل ذلك ويظل يداعب مخرج العرض بالدرجة الأولى لماذا؟ وكاظم النصار بمعية محمد رحيم كانا الجهاز المتمكن والدقيق والحاذق تصميماً وتنفيذاً وصلا مرحلة محسوسة لها قيمتها وأثرها البالغ على العرض وفي نظري أن استخدامات الضوء كان أكثر من سبب لتوضيح المكانية والزمانية سيما وأنهما كانا أكثر من زمان وأكثر من مكان واليوم يشكل الضوء واستخداماتها المثلى والذوقية أساس العروض التي تقدم على مسارح العالم المحترفة فبدونها تخلو الذائقة ويتشتت الفهم.
تحية لكل العاملين من شباب الشخصيات الذواقة ، لا أود أن أسترسل بالمديح للممثلين فهم يستحقون أكثر من ذلك لأنهم كانوا بنية العرض ونجاحه لاجتهاداتهم الذكية والتواصل بنفس الدراما الكوميدية المثقفــة لا لشيء ألا لأنهم متعلمون ومحترمون لمهنة الفن المسرحي.





















