نافذة على التاريخ السياسي للعراق المعاصر من الإحتلال البريطاني إلى الإحتلال الامريكي 3
ناجي طالب يصف الزعيم بالساذج ولاعقيدة سياسية لديه
محسن جبار العارضي
مراجعة: محمود تركي اللهيبي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
لاشك ان الظروف الاستثنائية التي احاطت بالبلاد خلال وبعد العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة الامريكية في 20/اذار/2003 والتداعيات التي تلت ذلك بدءاً من سقوط الطاغية في التاسع من نيسان 2003 والتي ما زالت مستمرة الى الان. سوف تبقى مستمرة الى ان يتحقق الجلاء لجميع القوات الاجنبية وتنتزع السيادة ليعود العراق كما كان بعد ثورة الرابع عشر من تموز/1958 حراً مستقلاً.
نعم انها ظروف استثنائية لانها من تداعيات الاحتلال وادت الى تدمير كل ما يرمز الى الدولة ناهيك عن البنى التحتية التي لها علاقة مباشرة بحياة المواطنين اليومية. ولقد استطاع الاحتلال ان يستغل تلك الظروف لمصلحته الخاصة من خلال العمل المتواصل على تعميق النعرات القومية والطائفية والمذهبية التي ترتكز عليها سياسة (فرق تسد) لبعثرة الجهد الوطني وتدمير كل ما من شانه ان يقوي الوحدة الوطنية التي تعد شرطاً اساسياً لتحقيق المشروع الوطني، الذي يضع شعار “العراق اولاً” في مقدمة الاهداف التي يناضل من اجل تحقيقها الشعب العراقي.
المجال النفطي
– اصدار القانون رقم (80) لسنة 1961م.
وجاء في الاسباب الموجبة لذلك (انقاذ الشعب من براثن الاستعمار وانتزاع حقوقه كاملة غير منقوصة والتخلص من كل امر يمس استقلال العراق السياسي والاقتصادي ورفع الغبن الذي لحق بالوطن نتيجة لتساهل حكام العهد المباد في حقوق الوطن وفي ثروات البلاد وعقد الاتفاقيات الجائرة ومنح امتياز النفط للاجنبي).
علماً ان القانون المذكور انتزع (99.5 بالمئة) من الاراضي العراقية الخاضعة للامتيازات الاجنبية. واستناداً الى القانون رقم (80) لسنة 1961م اعدت الحكومة عام 1961م لائحة قانون تأسيس شركة النفط الوطنية وكان من المزايا التي منحت لها حصراً (حق استثمار جميع المناطق التي تحتوي على الثروة النفطية والهيدروكربونية الطبيعية في العراق عدا ما هو مشمول بحكم قانون تعيين مناطق الاستثمار لثروات النفط رقم (80) لسنة 1961م). ويذكر الفريق احمد صالح العبدي الحاكم العسكري في عهد الثورة ان قانون تاسيس شركة النفط الوطنية يعتبر اخر وثيقة رسمية يقوم بتوقيعها قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع غداة يوم 8/شباط/1963م.
وتكمن اهمية القانون رقم (80) في الجوانب التالية:
– يعد مكسباً وطنياً وجه لاول مرة في تاريخ العراق ضربة الى الاحتكارات النفطية العالمية.
– منح العراق حق ممارسة سيادته الوطنية على جميع اراضيه.
– يعد مقدمة جزئية نحو التأميم الكامل للثروة النفطية وتصفية اثار التبعية الاقتصادية.
(المجال النقدي)
انسحاب العراق من المنطقة الاسترلينية:
وجاء في موجبات الانسحاب ما يلي: (لما كان النظام النقدي جزءاً هاماً من النظام الاقتصادي فلا بد من تحرير هذا الجزء الهام من التبعية الاجنبية وهذا ما اعلنه قائد الثورة في مؤتمر المهندسين الذي عقد بتاريخ 4/6/1959م بانسحاب العراق من المنطقة الاسترلينية.
وقد حقق الانسحاب الفوائد التالية:
- تخليص النقد العراقي من تقلبات النقد البريطانية.
- ابعاد العراق عن مشاكل التضخم البريطاني.
- تخليص العراق من سيطرة بريطانيا على تطور الاقتصاد القومي (من خلال عرقلة وصول رؤوس الاموال الاجنبية او التحكم بسلع الانتاج).
ج. التحولات الاجتماعية:
وتشمل التحولات التي حصلت في (الريف، المدينة، الجانب التعليمي، الجانب التجاري).
على مستوى الريف:
- تغيير العلاقات الاجتماعية في الريف بعد صدور قانون الاصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958م لتفتيت الملكية الزراعية والقضاء على العلاقات شبه الاقطاعية وخلق ظروف جديدة لتطوير الفلاح.
حيث تم بموجب القانون تحديد الملكية الزراعية (1000 دونم من اراضي السقي، 2000 دونم من اراضي الديم) لكل فرد كان يملك اقطاعيات واسعة.
وكان من نتائج قانون الاصلاح الزراعي تطوير البرجوازية الريفية وانفتاح المجال امام الرأسمالية للنمو في الزراعة.
- اصدار قانون الجمعيات الفلاحية رقم (78) لسنة 1959م لتنظيم الفلاحين مهنياً وقد الغي هذا القانون وتم اصدار القانون رقم (139) لسنة 1959م بدلاً عنه.
- على مستوى المدينة:
اتجهت الثورة الى تطوير القطاع الصناعي لانها رات هذا القطاع يمثل اداة فعالة في التطور الاقتصادي والاجتماعي وقد حصل ذلك من خلال تشجيع الحكومة لرؤوس الاموال الخاصة. مما ساعد على تقوية البرجوازية الوطنية وتهيأة الظروف اللازمة لها.
على مستوى التعليم:
لقد ازداد عدد المدارس الابتدائية من (2084) مدرسة عام 1957-1958م الى (3496) مدرسة عام 1962-1963م ولكن وبالرغم من ازدياد عدد المدارس الا ان نسبة الامية بقيت عالية، كما ان نسبة البنات كانت ضئيلة بالنسبة لمجموع الطلاب خصوصاً في الريف الذي تميز بتخلف البنات عن الالتحاق بالتعليم الابتدائي وهذه الظاهرة تعكس واقع المرأة الاجتماعي المتخلف.
على مستوى التجارة:
اتجهت الثورة للحد من نفوذ الطبقة التجارية من خلال:
1.التخلص من التبعية الاقتصادية وعقد اتفاقيات ثنائية مع الدول العربية والاشتراكية.
2.اخضاع كل الاستيراد لنظام الاجازات بعد العام 1959.
ثانياً: الاحداث التي وقعت وقتئذ وحددت مسار العلاقة بين القوى الوطنية بعضها ببعض من جهة وبينها وبين قيادة الثورة من جهة اخرى.
1- في 19/تموز/1958م وعند زيارة عبد السلام عارف الى دمشق واجتماعه بالرئيس جمال عبد الناصر، اذ عرض عليه موضوع الوحدة الفورية العاجلة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة، فضلاً عن ان خطابه في دمشق كان قد اثار حفيظة عبد الكريم قاسم لعدم ورود اسم عبد الكريم ودوره في الثورة.
2- ازدياد حدة الصراع بين قائدي الثورة بعد ان علم عبد الكريم قاسم بان عبد السلام عارف اتصل بعبد المجيد فريد (الملحق العسكري في بغداد) وابلغه بسفره الى دمشق على راس وفد لاعلان الوحدة حتى لو اضطر الى تنحية عبد الكريم عن الحكم اذا ما عارض ذلك.
3- محاولة عبد السلام عارف الانقلابية عن طريق لوائه (لواء المشاةالعشرين) لابعاد عبد الكريم قاسم والتي حدد يوم 14/9/1958م لتنفيذها ولكن كان مصيرها الفشل لان عبد الكريم استطاع وقبل تنفيذ الحركة بثلاثة ايام ان ينتزع المبادأة من عبد السلام ويعزله في 11/9/1958م بطريقة بارعة من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة (بدعوى وجود رتب عسكرية اعلى من رتبته في الجيش) )
4- في 30/9/1958م تم اعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وكالة وتعيينه سفيراً للعراق في بون.
5- في 5/11/1958م تم اعتقال عبد السلام عارف واحالته الى محكمة عسكرية حيث حكمت عليه بالاعدام شنقاً حتى الموت بتاريخ 5/2/1959م ولكن القرار لم ينفذ وبقي عبد السلام في السجن الى ان حدث الانفصال بين مصر وسوريا بتاريخ 28/9/1961م حيث اطلق سراحه من السجن بعد اعفاءه من عقوبة الاعدام لكنه بقي تحت الاقامة الجبرية في منزله.
6- انفراط عقد جبهة الاتحاد الوطني (والتي كانت تمثل القطب الثاني في قيادة النضال الوطني قبل الثورة مع تنظيم الضباط الاحرار) حيث كان اخر اجتماع لها في 27/1/1959م بمناسبة ذكرى وثبة كانون للعام 1948م المجيدة.
7- في 8 شباط/1959م قدم الوزراء القوميون استقالاتهم احتجاجاً على عدم تشكيل مجلس قيادة الثورة (الفقرة التي اقرتها اللجنة العليا لتنظيم الضباط الاحرار قبل الثورة ولم تنفذ بعد تنفيذ الثورة).
8- قيام التمرد العسكري بقيادة عبد الوهاب الشواف في 8/3/1959م فيما يعرف بانتفاضة الموصل. التي فشلت في حينها و اعدم على اثرها مجموعة من الضباط منهم (ناظم الطبقجلي، رفعت الحاج سري) في ساحة ام الطبول ببغدادفي 20/9/1959م.
9- بعد احداث الموصل وكركوك واعلان احالة عبد الوهاب الشواف الى التقاعد في 8/3/1959م اتخذت قيادة البعث قراراً يدعو للتخطيط من اجل التخلص من عبد الكريم قاسم والشيوعيين حيث اعلن حزب البعث في بيان له على ان الاستعمار والشيوعية هما العدو الرئيس الذي يجب ان نشدد عليه في الوقت الحاضر.
10- في 20/5/1959م اعلن الحزب الوطني الديمقراطي تجميد نشاطه انقاذاً للموقف السياسي الذي كان يهدد البلاد بخطر كبير في ذلك الحين.
11- في 7/10/1959م جرت محاولة اغتيال اللواء الركن عبد الكريم قاسم على يد عناصر حزب البعث عند مرور سيارته في شارع الرشيد ببغداد.
12- في آذار من عام 1961 قاد حزب البعث اضراب البنزين الشهير.
13- في منتصف كانون الثاني/1961م بلغ الصراع بين حزب البعث وحركة القوميين العرب ذروته حين اعلن حزب البعث ان حركة القوميين العرب تكون جزءاً من اليمين العربي.
14- في العام 1961م رفع حزب البعث شعار اسقاط الحكم.
15- في 25/6/1961م يطالب العراق بضم الكويت حيث عقد عبد الكريم قاسم مؤتمراً صحفياً اعلن فيه تعيين امير الكويت قائمقاماً تابعاً لمتصرفية البصرة.
16- في 23/9/1961م اتهم عبد الكريم قاسم في مؤتمر صحفي (بريطانيا، امريكا) بانهما وراء اندلاع التمرد في شمال العراق.
ومن تداعيات الاحداث التي وقعت بالبلاد انذاك اصطفاف القوى السياسية على جانبين:
– الاول: دعا الى تشكيل جبهة وطنية تكونت من الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الديمقراطي الموحد لكردستان العراق، عناصر الحزب الوطني الديمقراطي التي رفضت تجميد نشاط الحزب).
– الثاني: دعا الى تشكيل جبهة قومية تكونت من (حزب البعث، القوميين التقدميين المستقلين، حزب الاستقلال).
ثالثاً: آراء المؤيدين والخصوم بقائد الثورة:
- السفير البريطاني في العراق غداة الثورة يقول عن قائد الثورة:
“ضباط ركن مولع برفاهية الجنود ذو شعبية كبيرة متدين جداً مخلص ومثالي، الا انه متطرف وعراقي متميز”
- ” شخص وطني مخلص للعراق ولشعبه وغير عميل لاية جهة اجنبية، وفي لاصدقائه، كتوم وحذر جداً لا يشرب الخمر ولا توجد عنده جوانب خلقية سيئة كما يدعي البعض، وكان زاهداً في المال فلم يستغل منصبه لاقتناء الاموال والعقارات وانما جاء بملابسه العسكرية ومات بها وكان في جيبه ساعة اعدامه (ربع دنار) ولم توجد له عقارات او اموال في البنوك سواء داخل العراق او خارجه”.
- الزعيم الركن (العميد الركن) ناجي طالب- احد الضباط الاحرار- يقول عن قائد الثورة: “ان عبد الكريم قاسم رجل ساذج لم تكن له عقيدة سياسية معينة، لكنه كان وطنياً غيوراً حاول مخلصاً ان يخدم شعبه وان يحقق بعض الاصلاحات التي كان يعتقد انها تخدم الشعب والوطن”.
- الشيخ محمد رضا الشبيبي يقول عن قائد الثورة: “انه طيب النية، حسن الطوية، لكنه هز النظام الذي اقيم في العراق حجراً فحجراً خلال ثلث قرن، فلم يستطع اعادة بنائه ولا تمكن من تأمين الاستقرار وتثبيت دعائم الجمهورية الناشئة، ولعل تجرده واخلاصه ونزعته الانسانية كانت في مقدمة العوامل التي هيأت الاطاحة به بعد سنوات قليلة وتسليم سفينة الدولة نهباً للعواصف الهوج التي اخذت تتقاذفها وتزعزع اركانها، كان مؤمناً بالمساواة الاجتماعية، فعين اول وزيرة في العراق وعني بنشر التعليم والاكثار من المدارس”
- علي صالح السعدي (امين سر القيادة القطرية لحزب البعث ) نائب رئيس الوزراء بعد حركة 8/شباط/1963م الانقلابية يقول عن قائد الثورة: “ان عبد الكريم قاسم زعيم وطني تقدمي جريء، الا ان وسائل تحقيقه لاهدافه كانت ملتوية”.
- زعيم الجو عارف عبد الرزاق (احد قادة القاعدة الجوية في الحبانية) ابان حركة 1963م الانقلابية “ان عبد الكريم قاسم رجل جسور وانه لم يكن شيوعياً ولكنه احتضنهم واحتضنوه”.
- الشاعر نعمان ماهر الكنعاني (سكرتيرة الصحفي) يقول عنه: “ان عبد الكريم قاسم مخلص للعراق ووطني وغير مرتبط باي جهة اجنبية او حزبية انه يتعاون مع الشيطان في سبيل الحكم، انه متشكك ومتردد ونزعته غير قومية”.
- مصطفى علي (صديقه ووزير العدل في عهده) يقول عنه: “ان عقيدة عبد الكريم قاسم وطنية صرفة، عراقية صرفه، كان يعبد الشعب العراقي بعد الله، وان سياسته التي انتهجتها في ضرب الاحزاب بعضها بالبعض (فرق تسد) تبرهن على انه غير منتمي لاي حزب من الاحزاب السياسية، انه جاء بثورة عظيمة، ولكن جاء بفنائها معها، جاء بعبد السلام عارف”
- المقدم جاسم العزاوي (سكرتيرة الخاص) يقول عنه:” الزعيم عبد الكريم قاسم مخلص لبلاده منتهى الاخلاص، ومؤمن بقوة الشعب العراقي والعرب، جريء في الحق ولا يقبل الباطل مهما كان مصدره زاهد في المادة وليس له مطمع شخصي في الحياة ولم يكن له انتماء سياسي معين وانما كان يحكم وفق مبادئه الخاصة”
10.مجيد خدوري يقول عن قائد الثورة: “انه موضع تقدير وثناء بالنسبة لما كان يتحلى به من شجاعة وانضباط وصبر الى جانب ما كان يتميز به من طموح وتفرد في الرأي”.
- كمال عمر نظمي (عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ابان فترة حكم عبد الكريم قاسم) يقول عنه: “انني كنت صديق عبد الكريم قاسم منذ عام 1953م وكانت صداقتي معه شخصيه، وكانت معرفتي به انه لا ميول سياسية لديه، وانه مستقل وغير منتمي لاي حزب من الاحزاب”.
12.د. ابراهيم كبة (وزير الاقتصاد في اول وزارة بعد ثورة 14/تموز/1958م) يقول عنه: ” كان نموذجاً للعناد وعدم المنهجية وانعدام العقيدة وكراهية روح النقد والمناقشة والادعاء بمعرفة كل شيء، كما كان يفتقر الى الثقافة السياسية لفهم طبيعة الثورات وشروط نجاحها ومستلزمات استمراريتها”
- طالب شبيب (وزير خارجية حكومة البعث بعد انقلاب 8/شباط/1963م) يقول عن قائد الثورة (عبد الكريم قاسم) ما يلي: “كان وطنياً راعياً لمصالح الفقراء، ولم تكن مشاريعه تهدف الى الدعاية وانما آمن بها ونفذها باندفاع وحماس، لكنه كان دكتاتورا فردياً”.
- محمد حديد (زعيم الحزب الوطني التقدمي) يقول عنه: (انه كان اقرب اقرانه العسكريين الى روح التسامح وفكرة الديمقراطية فقد ظلت مناصب الدولة في عهده موزعة على الجميع وليس على تيار سياسي واحد).
وخلاصة القول: لم تكد تمضي عدة اشهر على تنفيذ الثورة حتى ظهرت بوادر الخلاف بين قائد الثورة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم ونائبة العقيد الركن عبد السلام عارف هذا من جهة وبين قائدي الثورة ومجموعة الضباط الاحرار من جهة اخرى، خصوصاً ان فقرة مجلس قيادة الثورة التي اقرتها اللجنة العليا للضباط الاحرار لم تنفذ بعد تنفيذ الثورة. ان الخلافات التي نشات بين العسكريين تأتت من عدم الانسجام الفكري بينهم سيما وان اهداف ومبادئ حركة الضباط الاحرار كانت عامة يمكن تفسيرها تفسيرات مختلفة. اما اهداف ومبادئ الاحزاب الوطنية فكانت سبباً في تأجيج اللاتجانس بعد الخلط الذي وقع بين الاهداف المرحلية والاهداف الاستراتيجية بحيث لم يعد هناك وضوح رؤية لما هو ممكن التحقيق وما هو طموح مستقبلي يقتضي التمهيد له عبر مراحل طويلة كموضوع “الوحدة الفورية” مع الجمهورية العربية المتحدة او “الاتحاد الفدرالي”. ومما زاد في خلق جو من الريبة والتوجس والقلق بين اطراف الحركة الوطنية اندفاع بعض الاحزاب نحو احتواء جماهير واسعة وبكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة وتلكؤ وعدم قدرة البعض الاخر على ذلك، فكان الخوف الشديد من سيطرة حزب على احزاب اخرى. ومما ساعد على ذلك التأثيرات الخارجية العربية منها والدولية. ان تفتت جبهة الاتحاد الوطني الذي ترافق مع ابعاد البعض من الضباط الاحرار خارج السلطة وتناحر الاحزاب السياسية وتصدع الاخوة العربية الكردية. كل هذه الامور كانت سبباً في تعثر مسيرة الثورة نحو تغيير المجتمع في المجالات الاقتصادية والاجتماعية تغييراً جذرياً.
المبحث الثالث
ويبدأ من 8/شباط/1963م وحتى 17/تموز/1968م. ويشمل ثلاثة ادوار:
الدور الاول: يتناول عهد الحكومة التي تشكلت بعد حركة 8/شباط/1963م الانقلابية والذي يستمر الى يوم 18/11 من نفس العام حيث انتهى حكم البعث وبدأ حكم جديد ولكن مع بقاء عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية.
بدأ العهد الجديد مسيرته باغتيال ثورة 14/تموز/1958م، وبموجب القرار رقم (17) في 9/شباط/1963م الذي اصدره ما يسمى بالمجلس الوطني لقيادة الثورة تم تنصيب المشير الركن عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية بعد انتخابه من بين اعضاء المجلس المذكور. ثم اعلن القرار رقم (18) المتضمن تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة الزعيم (احمد حسن البكر) على ان يكون نائبه (علي صالح السعدي) الذي كان يشغل آنذاك منصب امين سر القيادة القطرية لحزب البعث ، وطالب شبيب وزيراً للخارجية، حازم جواد وزيراً للداخلية وقد اشترك في حكومة حركة 8/شباط/1963م بالاضافة الى ممثلي حزب البعث الاطراف التالية: (بابا علي و فؤاد عارف عن الحركة الكردية، شكري صالح زكي و ناجي طالب عن القوميين،عبد الستار علي الحسين وهو من القوميين ومن اعضاء حزب الاستقلال الـسابق، ومن المستقلين صالح كبة الذي تولى حقيبة المالية).
























