تأملات في رسائل الأدباء وعودة الى كلمات نازك الملائكة
الرسائل أوراق متفرقة فيها ودائع عمر لا يموت
طلال سالم الحديثي
لعلها مصادفة جميلة أن أحصل من مكاتب الرصيف المنتشرة لصق سياح حديقة هرمة يحاذيها شارع الحلبوني في دمشق الموازي لشارع المتنبي عندنا في بغداد على نسخة قديمة هي الطبعة الثالثة من كتاب أوراق الورد للمرحوم مصطفى صادق الرافعي بتصدير محمد سعيد العريان الصادرة عن المكتبة التجارية الكبرى في القاهرة عام 1943, وأن أحصل في اليوم ذاته على إصدار جديد عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2012 تحت عنوان تأملات في رسائل الأدباء تضم صفحاته الـ 272 صفحة تأملات في رسائل الأدباء وهم حسب ترتيب المؤلف عبد اللطيف الأرناؤوط. عبد العزيز عبد المحسن التويجري، طه حسين، عباس محمود العقاد، أحمد أمين، مصطفى صادق الرافعي، توفيق الحكيم، زكي مبارك، محمد فريد أبو حديد، يحيى حقي، عمر فاخوري، شوقي جلول، البدوي الملثم، غسان كنفاني، نازك الملائكة، جبران خليل جبران.
استهل عبد اللطيف الأرناؤوط كتابه بمقدمة سماها في البدء كلمة وجعل عنوان الكتاب تأملات في رسائل الأدباء ثم أعقبه ببحث للباحث سامي الكيالي عنوانه الرسائل الخاصة ثم أعقبه بفصل عن تطور كتابة الرسائل عبر التاريخ، وألقى في فصل يليه أضواء على أدب الرسائل عند المرأة، وتحدث فيه عن رسائل مي زيادة، سميرة عزام، وداء سكاكيني، سلمى الخضراء الجيوسي، ألفة الأدلبي، مها غريب.
رسائل الأدباء
وللقارئ الذي يهمه الاطلاع على ما في هذا الكتاب من تأملات في رسائل الأدباء أحاول ما وسعني الجهد تلخيص أهم المحاور التي قد تلقي ضوءاً على مضمونه دون أن تغني عن قراءته.
فمن تصدير المؤلف كمدخل لتأملاته يقتبس المؤلف فقرة لعباس العقاد في تعريف الرسائل فيقول عنها
الرسائل أوراق متفرقة فيها ودائع العمر يموت عنها الإنسان ولا تسخو نفسه أن تموت قبله، ولا تنقل إلى حيث تفتح وتقرأ في مدخل كل أرض مطروقة، كما لا تودع عند أحد، فلا موئل لها أكرم من التمزيق أو نار الحريق .
ويقول المؤلف وإذا كان بعض الأدباء في ساعات اليأس أقدم على حرق أعماله، فإنهم يتفاوتون أيضاً في تعاملهم مع الرسالة، فمنهم من لا يريد أن يكشف عن عالمه الداخلي النفسي، ويحب أن يضع حاجزاً ضعيفاً بينه و بين الناس، لا في رسائله فحسب، بل في أدبه أيضاً. ومنهم من يفضل أن يكون قلبه صفحة مكشوفة للناس سواء في أدبه أو في رسائله.
والرسائل الخاصة هي رسائل يكتبها صديق إلى آخر، لمشاعر متفاوتة تربط بينهما، إما أب إلى ابنه أو زوج إلى زوجته أو عاشق إلى معشوقه أو أديب إلى كاتب غير أن لكل إنسان صفياً يودعه أسراره، ويختصه بالبوح.
كان الكاتب عباس محمود العقاد يتبسط مع صديقه عبد الرحمن صدقي في رسائله أكثر من سواه، وكذلك مصطفى صادق الرافعي مع صديقه محمود أبو رية، إذ ترتفع الكلفة بينهما، وقد لا يتحرج الأديب من ذكر أسراره الخاصة وسردها لصديقه، وهذه الرسائل هي أهم ما يكشف لنا عن عالم الأديب النفسي الداخلي.
وإن كثيراً من الرسائل الخاصة التي لا تدخل في المشاعر والأحاسيس بل تعنى بأمور الحياة العامة هي على بساطتها لا تقل أهمية عن الرسائل الذاتية الوجدانية، إذ نقف من خلالها على كثير من المعلومات التي تتصل بنتاج الأديب واتجاهه الفكري، والمشكلات الاجتماعية، واهتماماته الثقافية، فهي من أهم الوثائق التي نجدها في السير والتراجم.
كانت الرسائل منذ القدم محط عناية الباحثين، حتى أن بعضها يكمل أدب الأديب ويوضحه ويغنيه.
ولا بد من الإشارة إلى أهمية الرسائل التي وجهها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والقادة في عصره، يدعوهم فيها إلى الإسلام، كرسالته إلى المقوقس وهرقل وسواهما، مع أن تلك الرسائل لا تدخل في باب الرسائل الخاصة إلا أنها وثائق تاريخية هامة.
وقد عرفت الرسائل الشخصية الخاصة منذ اختراع الكتابة.. وكانت من أبرز وسائل الاتصال.
وفي الأدب العالمي احتلت الرسالة مكانة متميزة فقد امتدت يد النشر إلى الكثير من الرسائل الخاصة التي كان الأدباء والعظماء يتخذون منها وسيلة للتواصل، وفي ذلك يقول البروفسور ستارلنغ إن دراسة رسائل العظماء تبعث في النفس متعة كبيرة وقليل منا من يكتب قصصاً أو روايات أو قصائد، ولكنا جميعاً نكتب الرسائل .
وتمتاز الرسائل الوجدانية الخاصة بأنها تعبر عن شخصية كاتبها، فهو لا يتكلف ستر دخيلته كما يفعل في كتابته الموجهة إلى الناس، فهي تعد خير وسيلة للكشف عن أعماق النفس.
وعرف الأديب العربي ألواناً من الرسائل المتخيلة، يوجهها الأب إلى ولده والأم إلى ابنتها، في معرض النصح والإرشاد، ويمكن تصنيفها في باب الوصايا التربوية والخلقية، ومنها رسائل الشيخ إبراهيم اليازجي، ورسالة إلى ولدي لأحمد أمين، ومن والد إلى ولده للكاتب أحمد عوض، وكتاب ولدي، لمحمد حسين هيكل، ورسالة الشيخ علي يوسف إلى روح ولده عمر، ورسائل يحيى الجمل.
ويدخل في هذا الباب ما يمكن أن نسميه بالرسالة المفتوحة، كرسالة عبد العزيز البشري إلى جروزياني في التنديد بجريمة إعدام الشهيد عمر المختار، كما اتخذت الرسالة إطاراً للسرد في القصص الفنية، فاستغلها الكاتب محمد حسين هيكل في روايته زينب ومحمد السباعي في قصته السمر وعباس محمد العقاد في روايته سارة وإبراهيم عبد القادر المازني في كتابه إبراهيم الثاني واعتمد مصطفى صادق الرفاعي على خياله فأبدع أوراق والورد ورسائل الأحزان، وسواهم كثيرون، جرياً على تقليد أدبي اعتمده الكتاب الغربيون والروس في العصر الحديث.
على أن أهم ما عرفه الأدب العربي المعاصر، احتفاء الأدباء بجمع رسائل الأعلام من شعراء ومفكرين، وهي رسائل خاصة تفاوتت غرضاً وأسلوباً ومنها رسائل الرافعي التي جمعها محمود أبو رية، ورسائل جبران إلى مي التي جمعتها الأديبة سلمى الحفار الكزبري، أو رسائل أمين الريحاني إلى أهله وأصدقائه، ورسائل طه حسين الأدبية، ورسائل العقاد التي جمعها الأديب محمد محمود حمدان.
رسائل الشاعرة نازك الملائكة 1923 2007
تحت هذا العنوان كتب المؤلف عبد اللطيف أرناؤوط عن الملامح النقدية والإنسانية فيها قائلاً
غيب الموت في القاهرة الشاعرة والناقدة البارزة نازك الملائكة عن عمر يناهز الأربعة والثمانين عاماً تحفل بالعطاء الأدبي المبدع، وفي قلبها غصتان غصة انهيار وطنها العراق، الذي كتب لها القدر أن تشهد مأساته في آخر حياتها، وغصة ما آل إليه الشعر الحر الحديث الذي أرست قواعده وأسسه في كتابها قضايا في الشعر المعاصر فأنكرت ما وصل إليه من تدهور من المتطفلين عليه.
تتحدث نازك عن طفولتها وتعليمها وموهبتها الشعرية التي برزت مبكراً في مذكراتها، فتؤكد أنها ولدت في عام 1923 ببغداد، وهي كبرى أخواتها وإخوتها، درست في المدارس الرسمية، وتخرجت من الثانوية في عام 1939م، وقد ظهر اهتمامها المبكر باللغة العربية والإنكليزية والموسيقى، وكان والدها مدرساً للغة العربية، ووالدتها شاعرة تنظم الشعر بالأسلوب التقليدي، وقد شجعها على الكتابة ووفرا لها الأحوال المناسبة منذ السابعة، فنظمت أولى قصائدها بالعامية، وفي العاشرة نظمت أولى قصائدها باللغة الفصيحة، وكانت منذ طفولتها أميل إلى الرصانة والجد ورهافة الحس تجنح إلى التمرد والمعارضة.
اختار لها والدها اسم نازك تيمناً بالمناضلة السورية نازك العابد وتوسماً بأنها ستنال شهرة مماثلة في مستقبلها، أما لقب الملائكة، فقد أطلقه جيران أسرتها على أهل بيتها بعدما لاحظوا سلوكهم الهادئ كالملائكة.
درست نازك في دار المعلمين العليا ببغداد، وبعد تخرجها عينت مدرسة في كلية التربية لمادة النقد الأدبي، وغادرت العراق إلى بيروت إثر ثورة عبد الكريم قاسم وتعرفت بزميلها الدكتور عبد الهادي محبوبة وتزوجا في عام 1961، وعادا إلى العراق لتأسيس جامعة في البصرة، وانتدبت لإلقاء محاضرات في الشعر في معهد الدراسات العربية العليا في القاهرة، وفي عام 1985 أصيبت الشاعرة بمرض عضال استقرت مع زوجها وولدها الوحيد في القاهرة حتى وفاتها عام 2007.
على الرغم من الجدل الذي دار حول ريادتها الشعر العربي الحديث أو الحر كما سمته فقد عدت رائدة له إلى جانب شعراء آخرين مثل بدر شاكر السياب وعبد المعطي حجازي وخليل شيبوب وسواهم.
كانت نازك الملائكة شاعرة وناثرة إبداعية، ولكن الدارسين اهتموا بشعرها ونقدها، ولمسوا أن نقدها جمع بين النقد الأكاديمي والنقد الإبداعي الذاتي الذي يعكس تجربتها الشعرية، ويرى د. سيار الجميل في كتاب نسوة ورجال أن شعرها يترجم صوراً حقيقية عن الذات والواقع، ويترجم ما يعتمل في داخلها وأعماقها من ذات منطوية مختزنة من طفولتها المبكرة حيث الوحشة والاغتراب اللذان تحس بهما الذات العراقية.
الكتمان والصمت
أما التمرد فقد كان طبيعة فيها منذ نشأتها، كانت منزوية وعنيدة، متمسكة بآرائها مما قد يضايق معلماتها، مع قدرتها على الكتمان والصمت، ولكن هذه السمات والمؤثرات التي ارتسمت على كيانها النفسي لم تسلمها إلى القنوط بل فجرت فيها إضافة إلى تنشئتها الأسرية والروح الوطنية والثورة على الواقع بأشعار شاءت لها أن تتحرر من القيود وتعبر عن أعماقها بلا عوائق.
وقد استطاعت نازك من خلال رسائلها أن تعزز آراءها النقدية والإنسانية، ونلاحظ أنها لم تكتب رسائلها بنفس إبداعي، بل كانت ترى فيها وسيلة تواصل وظيفي، لا يستحق النشر، فتكتب في إحدى الرسائل إلى الأديب الأردني عيسى الناعوري تقول إنها آراء عابرة وغير منسقة، إنها كلام أو جزء من حوار بيني وبينك، وهي ليست مقالاً يستأهل النشر، وإذا أردت أن تحتفظ برسالتي فافعل، فقد يتاح لك نشرها بعد عشرين سنة، إذ كان الجمهور آنذاك سيهتم بشيء مثلها، إن انعدام الزمن وحده الذي يجعل للرسائل الشخصية قيمة .
وعلى الرغم من أن رسائلها لا تدخل دائرة الأدب الإبداعي فإنها تلقي أضواء على حياتها، وتغني بما ورد فيها من آراء نقدية وإنسانية ملامح فكرها النقدي ورؤيتها الإنسانية، وأبرز ما تتسم به رسائلها البساطة في التعبير والوضوح والتحفظ بما تمليه المراسلة الرسمية بين الأدباء والكتاب، فلا تفتح نازك قلبها على مصراعيه، وإنما تتحدث عن مشاعرها العامة بما مما يتعلق بآلامها خاصة بعد وفاة والدتها وما أحدثته من أثر في نفسها، وحرصها على نشر ما نظمته وفاء لها.
تكتب للناعوري لا أدري كيف أشكر لك أيها الأخ عنايتك النبيلة بمواساتنا في الفاجعة المحزنة التي ألمت بنا، وغيرت وجه حياتنا، وتلاعبت بأحلامنا، فقد كان لرسالة التعزية التي بعثت بها إلي وقع جميل على أحزاننا الحارة، فقرأنا وشكرنا حظنا الذي يهيئ لنا مثل صداقتك في هذه الظروف .
وتعكس رسائلها بوضوح اهتماماتها القويمة والاجتماعية فتكتب رسالة مؤرخة في 5»2»1935 بغداد تمر بفترة انفعال شديد نادر المثيل بسبب تتويج الملك العزيز، والحق أنني لم أشهد طوال حياتي شعباً يحب ملكاً إلى هذا الحد، وقد كان منظر الجماهير الهاتفة في بغداد يوم أقسم الملك اليمين، إنه شيء تقصر اللغة عن وصفه، فقد تضاءلت إلى جانبه مظاهر الزينة التي كلفت الحكومة ثلاثة ملايين دينار، فما قيمة المهرجانات إلى جانب هذا النهر الجارف من حب جماهير الشعب .
لكنها تلتفت إلى الواقع البائس للجماهير فتضيف لقد وقفت أراقب الكتل المندفعة من الناس في افتتان لا حد له، إنهم قوة هائلة لهؤلاء الجماهير، ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشنها البرد والحر وثقفناهم، لكن دعنا من الأحلام المؤلمة التي لا فائدة منها، ولنعد إلى الحديث عن الأدب والشعر .
وفي رسالتها هذه نقد خفي للحكم الملكي في العراق، ولم تكن أكثر رضا عن حكم عبد الكريم قاسم الذي أيدت ثورته في بواكيرها ثم عارضته بعد أن ارتمى في أحضان الشعوبية كما تقول واضطرت إلى مغادرة وطنها في مرحلة حكمه.
وفي رسائلها اهتمام بالغ بالقضية الفلسطينية تعز بموقف والدتها التي خصصت أكثر شعرها لخدمة فلسطين.
وفي النقد تبرز نازك بعض آرائها النقدية التي تعزز مسيرتها الأدبية، تكتب في إحدى رسائلها يوشك النقد المعاصر أن يكون محض اتجاهات ذاتية، ألا ترى أن المجلة التي يديرها ناقد أدبي تستطيع أن توجه النقد توجيهاً فعالاً .
وبعد فلولا الخشية من ملل القارئ لمضيت معه في قراءة رسائل أخرى لهؤلاء الرواد الأدباء العرب، وأذكر ختاماً أنني كنت أرجو لكاتب هذه التأملات أن يكتب شيئاً عن رسائل فدوى طوقان ورسائل بدر شاكر السياب، فرسائلهما من هذه الثروة الأدبية الخالدة التي أولاها عنايته بهذا الكتاب الممتع.
/6/2012 Issue 4232 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4232 التاريخ 23»6»2012
AZP09
























