دلالات النص في قصيدة جدارية
قراءة تحاول الإحاطة بمقاصد محمود درويش
رياض الدليمي
اذا كان النص مشبعاً بالرموز والدلالات والمكونات ومشحوناً بالاخلية والمسلمات داخل الزمن وخارجه، فما عليه الا ان يقنع بالحفر والتنقيب عن أوليات هذه المكونات ومدة اتساقها باللحظة الشعرية ونسق الكتابة.
الموت، القيامة، المطلق، الحياة، ازلية الكون، الحرية، السعادة، أسئلة حائرة وحجار ثقيل على صدور الشعراء فطالماً استوقفتهم تلك المسميات وهيمنت على أقلامهم وأفكارهم ووجدانهم لأنها تنم عن قلق الوجود والعدم والبعث، فالشاعر بدر شاكر السياب مثلاً طالما شغلته هذه الموضوعات وهيمنت علي شعره كما في قصيدته (النهر والموت) أو الشاعر ادونيس في اغاني مهيار الدمشقي وانس الحاج في ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة وعبد الوهاب البياتي في (قمر شيراز) ونازك الملائكة في (إلي العام الجديد) وفاضل العزاوي في (سلاماً أيها البحر) وغيرهم من الشعراء، وهذه الدواوين والقصائد هي أغاني البحث عن أبدية مفترضة للحرية والسعادة، وأسئلة تبحث عن ماهية الكون والوجود ولم يهدأ الشعراء بالبحث في رؤياهم ورؤاهم عن الاجوبة فلذلك تتوالد اللغة وتتشظى وتتشكل ويختلف الايقاع وتتشابك الصور وتبتكر، ويهيم الشعراء ويتقوضون ويخلقون فضائهم الشعري من اجل نص شعري فيه روح الاكتشاف والخلق والمجاوزة.
على المتلقي أن يدرك هذه الحقائق لكي يكتشف النص والمدونة باحثاً عن معان ظاهرة ومخفية ومفقودة خلال نص الشاعر، ولهذا أصبح المتلقي أمام مسؤولية الاكتشاف للمعنى وللبنية ولوظيفتهما معاً من أجل خلق فني سعى له الشاعر، فاذاً أصبح المتلقي هو النص الاخر المفقود للنص الأصل فلابد أن يكتملا كي يعطيا النص الام دلالاته ومعانيه وفي هذا الصدد يشير محمد برادة ((لم تعد مهمة الناقد هي ان يختزل لنا العمل الأدبي إلي معناه على ضوء المعاني الملقاة في الساحة الاجتماعية، بل غدا النقد يتعامل مع النص على انه أساس لا تابع له، وعلي انه قابل لأكثر من قراءة ومقاربة وعلي أن نسيجه وعلاماته وبنيته تنطوي في ملياتها على ما لا تقوله الخطابات الاجتماعية والاقتصادية.. وقد تقوله أو تؤثر عليه لغات النص الأدبي)).
جدارية محمود درويش استفهامية ولازمة نفي فالشاعر يستفهم عن الوجود ويثير أجوبة في أحلامه، انه لا يخاف الموت ولا يبحث عنه ولا يتوازن الخوض في الغياب والتحليق في الفضاء والسدم، ولا يخشي الاقتراب من المجاهيل والمطاليق (جمع مطلق).
فالجدارية هي الإعلان دون خوف وحساسية عن أبدية بيضاء يختارها الشاعر لنفسه بمحض ارادته، لا يتعرف بعشبة يلتهمها كي تمنحه الخلود، بل يريدها من صنعه وخلقه، أبدية علي بياض الورق يمارس فيها طقوسه الشعرية وانثيالاته وديناميته، أبدية غير موصوفة ومرئية للعيان لا يراها سواه، ويدون فيها اعترافاته ورؤاه واحلامه وأقداره وبلاياه.
درويش ليس كغيره من الشعراء اذ لم يكن يستفهم عن الثوابت في جداريته وان غرقت بالاستفهامات، ولم يكن ينفي لأجل النفي، بل الاستفهام والنفي هما سمتان لازمتان احتوت في باطنهما امان واحال كل ما هو لا مرئي إلي مرئي واحال الحلم إلي حقيقة ليست بعيدة عن أصابعه، أما الإشارات البستيمولوجية التي فاض بها نصه من مثيولوجية وأسطورية وفلسفية وأيديولوجية فانها اكتفت بسمتها الاشارية لا الدلالية أي انها حافظت من خلال النص كما يبدو علي جزئيتها لا كليتها أي بتعبير آخر انها شكل فني كتابي وليس توظيفاً ثيمىاً، فالشاعر بخبرته لم يكن ناقلاً لهذه الاشارات لتدل علي معني جداريته بل سوقها للقارئ شكلاً فنياً مضمونياً، وقصد الشاعر منها كوسيلة شد وجذب للقارئ.
مدخل إلي اسكفة النص
دون شك ان الموروث العربي والعالمي زاخر، بالملاحم الأدبية والمآثر الغنية بالنصوص المعرفية والفنية وكل ذلك قد سطر علي الألواح والخشب والحجر وغيرها، وإذا ما تصفحنا السفر البابلي والسومري والأكدي والكنعاني والفرعوني والإغريقي والروماني… الخ فانه متخم بأروع الملاحم وارقى الفنون وخاصة ملحمة كلكامش والاينوماليش وكتاب الموتى والاوديسة والالياذة والراجفيدا والشاهنامة فتراها خالدة بموضوعاتها السخية وفنها الوهاج بالمخيلة المتفردة والتصور الازلي للكون والخلق والفناء واللغة الرشيقة.
ان القارئ أمام دهشة القراءة اذا ما تصفح الدواوين الشعرية السابقة لمحمود درويش اذا لم يسبق ان عنون محمود درويش دواوينه ونصوصه كما في مجموعته هذه (الجدارية) فالقارئ العذر إذا ما اطلق تأويلاته باحثاً عن ماهية العنونة (الاسكفة) وعن جرأة الشاعر حينما اطلق علي اسكفة نصه (الجدارية) والسؤال الذي يطرح هنا لم دون محمود درويش مجموعته (واسكف) نصه بالجدارية؟ هل أراد الشاعر ان يتلاعب بالشكل الشعري؟ أم ليعطيها دفقاً فكرياً وفنياً قابلان لأكثر من تأويل؟ وهل وفق الشاعر بعنونته هذه؟ يقول ابن خلدون ان المعاني مطروحة في طريق الشعراء فالشاعر المجيد هو الذي تبادل المعني من طريقة ثم لكسوه بالالفاظ الحلوة) والشاعر درويش اراد لنصه الطويل ان يكون على هيئة جدارية اي ملحمة شعرية للتاريخ والاجيال من خلقه الفني الرفيع دون اعترافاته وتداعياته وقلقه من المستقبل ((ان للمضمون الشعري دلالة، وان لكل دلالة مرجعاً مفهومياً غير ان المرجع المفهومي يكتسب مضموناً هو غير المضمون الشعري فاذا فككنا هذا التعاظل التصويري حصلنا على جهاز مضاعف بين الخطاب الشعري والخطاب المرجعي)).
بنية الاستهلال واشكالية التناص
استهلال النص هو المفتاح الأول للكشف عن مضمون النص، وهذا يعود إلي إبداع الكاتب أي بالقدرة على اختزال عنونته بمفردة أو مفردتين ليكشف عن جوهر نصه ومحتواه وهذا بطبيعة الحال انعكاس عن الحاضن الثقافي والمعرفي للشاعر. (ان المبدع لا يختار الا الكلام الذي يشحن بمناخ النص كله، فكل كلمة من كلمات الاستهلال ضميره لما ستولده في النص. ولم يكن المبدع خلاقاً الا اذا كان ذو قدرة فائقة على تخليص العمل كله في جمل معادلة أشبه بمعادلة الثيماتية)). ومجموعة درويش (الجدارية) منذ العنونة نجدها استفزاز للقارئ اذا تمكن الشاعر للخروج بها من المألوف السائد حينما اطلق عنونته (الجدارية) مما يجعل المتلقي منذ الوهلة الأولي متلقياً متفحصاً يترك في نفسه علامة الاستفهام والاستغراب للبحث عن السبب في هذه العنونة المختلفة ولماذا أراد لها الشاعر سمة الاختلاف؟
ويري الجرجاني عبد العزيز في هذه الحالة (ان حسن التخلص هو الخروج والانتقال مما ابتدأ به الكلام الى الغرض المقصود برابطة تجعل المعاني أخذة بعضها برقاب بعض. بحيث لا يشعر السامع منها نسيب إلي مدح أو غيره لشدة الالتئام والانسجام).
وهذا يعني أن تكون هناك ثمة رابطة بين الاسكفة والموحية منذ الوهلة الأولي أي لابد من استفزاز ذائقة ومخيلة للقارئ ويقول أرسطو بهذا الخصوص في فن الخطابة ((الغرض من الاهابة بالسامع هو ان نجعله أحسن استعداداً نحونا أو ان نثير حفيظته وأحياناً لجذب انتباهه أو لصرفه)).
وينبغي على الكاتب أن يحظى بسمة المبدع منذ البداية لكي يكسب جذب القارئ ويجعله مشدوداً لنصه ومنسجماً مع أدواته وآلياته وشفرات ورموز نصه ويقول الامام جلال الدين القزويني بهذا الخصوص ((ينبغي للمتكلم أن يتألق في ثلاث مواضع من كلامة حتى يكون أعذب لفظاً وأحسن سبكاً وأصح معنى احداها الابتداء)).
وهذه المشاكلة لا تملي علي الكاتب كشف رموزه واشاراته وموضوعته منذ البداية وانما تعطي للقارئ المفتاح للولوج في عوالم نصه والثيمة الرئيسة لأدواته وموضوعته أما عناصرها وطقوسها واحداثها فتبدأ بالاسترسال من البداية حتى النهاية ويؤكد أرسطو في كتابه فن الشعر ((على الشاعر الحاذق أن يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدها الخاتمة؟ فانها المواقف التي تستعطف الجمهور وتستميلهم إلي الاصغاء)).
أفق الاستهلال
(الأفق الأول)
استهلت جدارية محمود درويش بمقطع (هذا هو اسمك، قالت امرأة، وغابت في الممر اللولبي).
هذا الاستهلال في الكتابة الشعرية هو استهلال ملحمي يمكن ان يكون عنواناً للجدارية الفناه في اذ ان هذا الشطر من الجدارية استفزاز للمتلقي وصدمة أولية له اذ لم يسبقه أي تمهيد شعري عن الحوار المفترض الذي أفاض عن معطى مكون لخطاب حواري عن الاسم الذي يمنحه له الشاعر أو الراوي كيفما كانت شخصيته وهذا الشكل الكتابي لم نألفه بالكتابة الشعرية السائدة انما الفنان في الفن المسرحي والدرامي والروائي فصنع الشاعر مونتاجاً شكلياً للاستهلال من خلال قدم واخر في جملتي الشطر الأول حيث ان دلالة الشكل تعزي أن تكون الجملة الاسمية مفتتحاً أولي للنص ولكن البناء الدلالي للاستهلال سواء كان معرفياً ام ذوقياً- هو جملة فعلية حسية وذات وقع أعم وأشمل علي حواس المتلقي من مثيلتها الجملة الاسمية- اذ ان النص بدأ من حيث الوقع السطحي العياني بجملة اسمية (هذا هو اسمك) فحصل تقديم وتأخير تكنيكي فتلته الجملة الفعلية (قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي) اذا ان الجملة الفعلية تعطي الكلام قوة وفعالية مؤثرة وتفتح افقاً أوسع للمخيلة والرؤيا والتفكر وذي وقع مؤثر على نفسية وذهنية القارئ وتمهده إلي وقائع أشمل. أي تهيئة القارئ وتمهده إلي جو نفسي أكثر هدوء وتركيزاً وإدراكاً لفعل ما وحدثاً وشكلاً من الكتابة الشعرية الجديدة أي إلي حساسية شعرية وخارجة عن النمط والسيادة وهذا ما أكده ياسين النصير بهذا الخصوص (يكتسب الاستهلال سمة بناء الجملة الاسمية والفعلية وخلال ذلك يصبح بناء الجملة الفعلية أكثر الأبنية دلالة في التوسع والإحالة التفكر لأن الفعل بطبيعته خلاق مولد، أما البــــناء الاسمي فمحدد حتي لو كان ذات دلالة تاريخية عميقة). ان افتتاح الشاعر نصه بجملة اسمية هي لعبة شكلية افتعلها الشاعر لتهيئة مسرح تدور عليه أو فيه أو حوله خطاباً درامياً وتفترض بدءاً أن يكون هذا المسرح هو ذات الشاعر ليصب فيه رؤياه ورؤاه وأحداثه وشخوصه ونوازعه وألم الكينونة والوجود والتلاشي.
أفق ثان
ان توظيف الجملة الاسمية في الاستهلال هو في الحقيقة تأكيداً من ذات الشاعر للمتلقي ان ما يكتبه هو جدارية (ملحمة) وليست مجموعة شعرية أو كتابة نثرية مألوفة وهذا يعني أن الشاعر أعطى مقاربة حنسانية لنصه ليتوائم مع النصوص الخوالد كما الملاحم والأساطير وأدبيات الحضارات القديمة ليعطيه زخماً معرفياً وجمالياً ودفقاً زمنياً وهو تناص مع الاثر الأدبي الملحمي وبذا يقترب مع الطرز الفني الأدبي الملحمي لحضارة وادي الرافدين وهذه الاشكالية أي اشكالية التناص التي ندرسها يؤكد عليها رولان بارت كما يرودها لنا محمد بنيس (ان النص كدليل لغوي معقد وكلغة معزولة مشبكة في عدة نصوص فلا يوجد نص خارج النصوص الأخري أو يمكن أن ينفصل عن كوكبها وهذه النصوص الأخري اللانهائية هي ما نسميه بالنص الغائب، غير ان النصوص الأخري المستعادة في النص تتبع مسار التبدل والتحول حسب درجة وعي الكاتب ومستوى تامل الكتابة).
وفي مقارنة أولية لنص درويش مع ملحمة كلكامش وأسطورة الايماليش والتكنيك الفني بين هذه النصوص نجد ان نص درويش بدا بضمير غائب (قالت- هي) وبدأت ملحمة كلكامش بضمير غائب أيضاً (هو الذي رأي كل شيء) وكذلك بدأت أسطورة الايماليش بضمير المتكلم (عندما كنت في العلا) وهذا يعني ان النصوص الثلاثة وظفت فيها ذات التكنيك الملحمي أي ان الشاعر محمود درويش أراد أن يجرد نفسه من شيء قد يكون الفعل أو الكينونة أو الوجود ليتحرك بكل الاتجاهات دون خوف أو تحسب من هاجس ما أو شكل أدبي أو فني ما وبالوقت ذاته اختزل الشاعر مضمون جدارية بهذا الاستهلال (هذا هو اسمك) وتعني المرأة المزعومة التي ألقت علي الشاعر قدره ووجوده دون ارادة من الراوي (الشاعر) وهذا جواز مرور له أن يخوض ويجوب بكل الآفاق لأنه مجرد من فعل الوجود فاختار الذات لتكون مسرحاً لنص (الجدارية) هذا المسرح له القدرة علي التفاعل والتناغم مع كل المعارف والطقوس والتضاريس اما ذات الاخر هو المسرح الذي له القدرة علي التفاعل والتناغم مع كل المعارف والطقوس والتضاريس أما ذات الاخر هو المسرح الذي له القدرة على احتواء كل المعارف والعناصر والشخوص والأقدار.
والحقيقة الأخري التي تفعل احكامنا وتحليلاتنا تشير إلي نص درويش يسير منذ البدء باتجاه اشتغالات النصوص الملحمية كما أسلفنا حيث بدأت الجدارية استهلالها (قالت امرأة) وهذا التناص التكنيكي مع الفن الملحمي مؤكداً اذ بدأت الجدارية بضمير غائب أو ضمير مقدر وبعد ذلك يختفي هذا الضمير ليتحول الى ضمير مجسد بالانا أو حوارية ينشأها الشاعر درويش في مخيلته بفعل اللاوعي بينه وبين الضمير الغائب وبهذا يشابه إلي حد كبير مع الشكل البنائي للملاحم أي ان درويش خاض مخاضاً شعرياً وفكرياً مع الثيمة التي أفاضت بها المرأة (الاسم الذي رمته عليه ومضت) وترك الهامش (المرأة) لتظهر هنا وهناك بصفة رقيب وقدر لضرورات فنية وفكرية.
أفق آخر
الجدارية قائمة على فعل الرؤيا كما في (ملحمة كلكامش) اذ يحلم البطل في أكثر من موقع عن حدث ما سيقع وتدور حولها هذه الرؤيا أحداثاً تتجسد في فكرة أو مضمون يشكلان مبناً فكرياً وشكلياً للملحمة، وجدارية درويش تقوم بالأساس على فعلي الرؤيا والرؤية لتشكلان هذياناته وتأوهاته وخلاصه ونجواه وكما في هذا الشطر:
لم أحلم باني كنت أحلم
وهو تأكيد حرفي وثبوتي علي الحلم لينطلق من خلالها الشاعر إلي تكثيف المخيلة وليتداخل الزمنين الحقيقين بالزمن المتخيل لينطلق من الواقع الحلم الى حلم الواقع الى آخر متخيل لم يره وبهذا يتخذ الشاعر أشكالاً وانماطاً مختلفة ولغة متشظية ومتوالدة يوظفها الشاعر لهذا الغرض.
أفق الأنثي
وفي عودة أخرى إلي الفن الملحمي يتجسد الفعل الأنثوي حيث ان كل الحوارث والمصائب هي بمعية الأنثى والتي هي رمز للحب والحرب والدمار كما (عشتار) في حالة كلكامش و(هييرا) إلي هرقل، ففي حوار كلكامش مع الآلهة عشتار:
ففتح جلجامش فاه وأجاب عشتار الجليلة:
(أي خبر سأناله لو أخذتك زوجة)؟
أنت ما أنت الا الموقود الذي تخمد ناره وفي البر
أنت كالباب الخلفي لا يصد ريحاً ولا عاصفة
أنت قصر يتحطم في داخله الابغال.
يقول درويش في جداريته ومن اجل المقاربة نرد هذا المقطع
من أي ريح جئت؟
قولي ما اسم جرحك اعرف
الطرق التي سنضيع فيها مرتين!
وكل نبض فيك يوجعني، ويرجعني
إلي زمن خرافي. ويوجعني دمي
والملح. يوجعني.. ويوجعني الوريد
وهذا يعني من المقاربة بين النصين، ان اقصاء المرأة بالغياب هو فعل التأكيد على القدر دون رجعة للشاعر في هذا الاقصاء وفي هذا القدر الحياتي، والغياب هنا هو الانفتاح على زمن المستقبل الذي لا حدود له:
هذا هو اسمك،
قالت امرأة،
وغابت في الممر اللولبي
المرأة هنا لم تكن هي الانثى الحلم وانما المرأة هنا هي رمز دلالي للحياة القدرية التي اختارت للشاعر ولادته ليعيش صراعاً علي مسرح الذات ويكتب مرآبة الذات للذات وهي تأكيد لفعل ملحمي ولفن ملحمي وهذا تناص مع مراثي (انكيدو علي ذاته وكلكامش علي موت انكيدو، وعشتار لمصير تموز).
انه الفاس التي على جانبي والقوس الذي في يدي
وهو السيف الذي في حزامي والدرع الذي أمامي
وبدلة أعيادي.. وبهجتي
قام الشر وسرقه مني
صديقي الشاب الذي كان يصطاد حمار وحش جبال (و) في البرية صديقي حدث السن انكيدو.
وفي عودة إلي الشطر الأول لجدارية محمود درويش (قالت امرأة، وغابت في الممر اللولبي) هذا الغياب (غياب المرأة) مشروطاً بحقيقة التكنيك الشعري وهنا أكده الشاعر كغياب مؤقت من حيث البناء الفكري ويعد غياباً مستديماً (شكلياً) اذ ان المرأة قد غيبها درويش في ممر لولبي أي لم يعد يراها لأنها مرت من خلال طريق متعرج وليس طريقاً مستقيماً ليستطيع أن يرى المرأة وان بعدت لأن الطريق يبقى موصولاً من نقطة انطلاقه إلي نهايته، وقصد الشاعر إلي ان الحياة (المرأة) أسقطته للزمن دون العودة إليه أو دون النظر إليه أو دون رعايته أو معرفة مصيره، اذ لم تعد تراه ولم يعد يراها الا من خلال الصدمات والأوجاع والأقدار. واختزال الشاعر الحياة بالمرأة حقيقة فكرية يؤمن بها الشاعر اذ ان المرأة بكل عنفوانها وجمالها وتناقضاتها النفسية والاجتماعية تمثل الرحم الام للأرض وولادة الأشياء وموتها وبعثها هو تأكيد علي عظمة وعنف الوجود الكوني والكينوني للمرأة، اذ ان كل المسببات هي المرأة وكل الوجود امراة والمرأة هي المكان والزمان في آن واحد وهي القادرة على اختلاق الأمكنة والأزمنة والاحداث، هي الباعث للحب والخصب والطوفان، هي التي تؤمي للأقدار أن تأتي وتمضي والشاعر يبقى بلا حراك واعتراض وعزوف يخرج من رحمها ويعود إليه بمشيئتها، ويتلذذ غفي كنفها، ويحترق بحرارتها فتحيله رماداً وتبعثه من جديد إلي ذلك المصير والقدر (الحياة) كما في المقطع:
وقد تأتي الحياة فجأة للعازفين عن
المعاني من جناح فراشة علقت
بقافية، فغني يا آلهتي الاثيرة
يا عناة.. أندا الطريدة والسهام
أنا الكلام وأنا المؤبن والمؤذن والشهيد






















