
حكومة الممرّ الضيّق
الزيدي بين ساعتي الدستور وهرمز – كاظم نزار الركابي
في اللحظة التي كان فيها علي الزيدي يضع منهاجه الوزاري أمام مجلس النواب، لم تكن بغداد وحدها تراقب ساعة السياسة. كان مضيق هرمز، في الطرف الآخر من الجغرافيا، يذكّر المنطقة بأن الحكومات لا تولد داخل القاعات المغلقة وحدها، إنما تولد أيضًا تحت ضغط الأسواق، وقلق الممرات، واضطراب الإقليم، وحسابات القوى الكبرى.
بين ورقة تنتظر ثقة البرلمان، وممر بحري يختبر أعصاب العالم، يتقدم السؤال العراقي الأكثر قسوة: هل نحن أمام حكومة جديدة تُضاف إلى سجل الحكومات، أم أمام دولة تُختبر في قدرتها على استعادة قرارها؟
هذه ليست قراءة احتفالية في منهاج وزاري. إنها قراءة في لحظة سياسية ضيقة، ربما تكون من أضيق اللحظات التي عرفتها الحكومات العراقية المتعاقبة. فالمنهاج الذي يرفع شعار: دولة مستقرة، اقتصاد منتج، شراكات متوازنة لا يولد في فراغ. إنه يولد في بلد أنهكته المحاصصة، وأثقلته البيروقراطية، وأضعفته هشاشة الاقتصاد الريعي، ووضعته التوازنات الإقليمية أمام اختبار دائم بين الداخل والخارج.
الورقة والامتحان
كل حكومة تبدأ بورقة. غير أن الدولة لا تُبنى بالورق وحده. الورقة تمنح الشرعية الأولى، لكن الامتحان يبدأ عندما تخرج العبارات المصقولة من قاعة البرلمان إلى شوارع الكهرباء، وأسواق العمل، ومنافذ الحدود، ومصارف الدولة، وحقول النفط، وقلق الناس اليومي.
ينبغي أن يُقرأ منهاج الزيدي كمرآة للدولة العراقية: ماذا تريد أن تكون؟ كيف تريد أن تحكم؟ من أين تبدأ؟ بأي أدوات تقيس النجاح؟ ومتى تستطيع أن تقول للمواطن إن الوعد تحوّل إلى نتيجة؟
أخطر ما يصيب البرامج الحكومية في العراق أنها تولد كبيرة في اللغة، ثم تصغر في التنفيذ. تبدأ كأنها خريطة إنقاذ، ثم تتحول بالتدريج إلى أرشيف من النوايا. هذه المرة، لا يبدو الوقت مستعدًا لمنح الحكومة ترف التكرار. العراق لا يحتاج حكومة أخرى تشبه ما قبلها. يحتاج حكومة تفهم أن الحكم لم يعد توزيع مقاعد، إنما إدارة مخاطر؛ ولم يعد بيانًا سياسيًا، إنما قدرة على اتخاذ قرار صارم في زمن مضطرب.
فيتو الخزينة
يرفع المنهاج شعار الاقتصاد المنتج. وهذا الشعار، في ظاهره اقتصادي، وفي جوهره سيادي. فالدولة التي تعتمد على مورد واحد تضع قلبها المالي في يد السوق والحرب والممرات. والدولة التي تنتظر سعر البرميل كي تعرف قدرتها على الإنفاق لا تملك حرية كاملة في صناعة مستقبلها.
هنا يظهر ما يمكن تسميته فيتو الخزينة. فالخزينة العراقية تستطيع أن تعطل أجمل الوعود إذا بقيت رهينة النفط وحده. وحين يضطرب هرمز، لا يضطرب الخليج وحده؛ تضطرب بغداد أيضًا. تتغير حسابات الإيراد، ترتبك الموازنة، تتقلص قدرة التخطيط، ويغدو القرار المالي العراقي متأثرًا بناقلة، وسعر، ومضيق، ورصاصة قد تُطلق في مياه بعيدة.
لذلك، لا ينبغي أن يبقى الاقتصاد المنتج عنوانًا في المنهاج، إنما ينبغي أن يتحول إلى معركة خروج من الهشاشة. هذه المعركة تبدأ من الصناعة والزراعة والطاقة والقطاع الخاص والمصارف والثقة القانونية واستعادة الإيرادات غير النفطية التي تتسرب في منافذ الإدارة الضعيفة وشبكات المصالح.
لا يولد الاقتصاد المنتج من مؤتمر استثماري وحده. يولد من دولة تجعل المستثمر يشعر أن القانون يحميه، وأن الإدارة لا تبتزه، وأن الكهرباء لا تخونه، وأن المصرف لا يعزله عن العالم، وأن المنفذ الحدودي يعمل للدولة لا للشبكات.
سياسة باردة في إقليم ساخن
يتحدث المنهاج عن إبعاد العراق عن محاور الصراع، واعتماد سياسة خارجية متوازنة، وحصر التواصل الدولي بالقنوات الرسمية. هذه الفقرة من أهم مفاتيح المرحلة، لأنها تضع السياسة الخارجية في قلب الاستقرار الداخلي. التوازن لا يعني الوقوف في المنتصف بلا موقف. التوازن فن صعب. إنه القدرة على إدارة المصالح من دون خسارة الهوية، وبناء الشراكات من دون الوقوع في التبعية، واحترام الجوار من دون تحويل الجغرافيا إلى قيد على القرار الوطني.
العراق لا يستطيع أن يعادي إيران، ولا يستطيع أن يخسر الولايات المتحدة، ولا يستطيع أن يبتعد عن الخليج، ولا يستطيع أن يعيش خارج الاقتصاد العالمي. هذه معادلة دقيقة. وجوهرها أن تقول بغداد للجميع: نحن جسر لا ممر، شريك لا تابع، جار لا ساحة، ودولة لا صندوق بريد.
في زمن التذبذب بين واشنطن وطهران، يغدو كل صمت عراقي رسالة، وكل غموض عراقي ثغرة، وكل انقسام داخلي فرصة للخارج. ومن هنا يبدأ نجاح الزيدي من قدرته على إنتاج مركز قرار عراقي واضح. فالخارج يدخل عادة من أبواب الداخل المفتوحة. وكلما اتحد القرار في بغداد، ضاقت مساحة الاختراق.
السيادة بوصفها ممارسة يومية في المنهاج حديث واضح عن حصر السلاح بيد الدولة، وتوحيد القرار الأمني، وبسط سلطة القانون. هذه ليست فقرة أمنية فقط. إنها الأساس الذي تُبنى عليه بقية الفقرات. فلا اقتصاد منتج من دون دولة قادرة، ولا استثمار من دون أمن واضح، ولا سياسة خارجية متوازنة إذا بقي الداخل موزعًا بين قرارات متوازية.
السيادة ليست شعارًا احتفاليًا. إنها ممارسة يومية تبدأ من الموازنة والمصرف والمنفذ الحدودي والقرار الأمني، وتصل إلى المدرسة والمستشفى ومركز الجباية. السيادة أن يشعر المواطن أن الدولة تعرف طريقها إليه. وأن يشعر المستثمر أن الدولة لا تتركه وحيدًا أمام الابتزاز. وأن يعرف الخارج أن العراق لا يسمح بأن يكون ممرًا للاعتداء، ولا منصة للرد، ولا مساحة رخوة لتبادل الرسائل.
هنا يقف الزيدي أمام الامتحان الأصعب. فحصر السلاح يحتاج إلى توافق وطني عن معنى الدولة. وتوحيد القرار الأمني يحتاج إلى إعادة إدماج القوة في القانون، وتحويل الولاءات المتعددة إلى ولاء دستوري جامع.
من حكومة الوزارات إلى غرفة قيادة
المنهــاج يــــــــتحدث عن ربط التمويل بالإنجاز، والقرار بالنتيجة، وعن مؤشرات قياس وتوقيتات ومسؤوليات. هذه اللغة مهمة لأنها تنقل الحكومة من فضاء النوايا إلى فضاء الإدارة. ونجاحها يتطلب أن تعمل الحكومة كغرفة قيادة، لا كأرخبيل وزارات.
الكهرباء ليست ملف وزارة واحدة. إنها غاز ونفط واستثمار وجباية وعدالة اجتماعية. الزراعة ليست ملف وزارة واحدة. إنها ماء وتكنولوجيا وأسواق ونقل وتمويل وعلاقات مع دول المنبع. مكافحة الفساد ليست ملف هيئة واحدة. إنها قضاء ورقمنة وشفافية ومساءلة وشجاعة سياسية. الاقتصاد المنتج ليس شعار وزارة اقتصادية. إنه فلسفة حكم كاملة.
إذا استطاع الزيدي تحويل المنهاج إلى مصفوفة تنفيذ معلنة، بأهداف واضحة ومواعيد ومؤشرات، فقد يبدأ العراق مرحلة مختلفة. وإذا بقي المنهاج نصًا عامًا، فسيبتلعه منطق الدولة القديمة: اجتماع، بيان، لجنة، تأجيل، ثم خيبة جديدة.
بداية سلسلة
هذه المقالة ليست نهاية القراءة، إنما بدايتها. فالمنهاج الوزاري يحتاج إلى قراءة متتابعة بوصفه وثيقة اختبار: السيادة كاختبار للقرار، الاقتصاد المنتج كاختبار للخروج من الريع، الشراكات المتوازنة كاختبار لموقع العراق في الإقليم، الحوكمة كاختبار لموت البيروقراطية القديمة، والتعليم والتحول الرقمي والطاقة كاختبار لقدرة الدولة على صناعة المستقبل.
يقف علي الزيدي أمام ممرين ضيقين: ممر الدستور في بغداد، وممر هرمز في الخليج. الأول يمنح الحكومة شرعيتها، والثاني يذكّرها بكلفة العالم الذي ستعمل فيه. وبين الممرين توجد فرصة عراقية نادرة: أن تتشكل حكومة لا تعبر جلسة الثقة فقط، إنما تعبر الخطر. حكومة لا تكتفي بأن تمتلك منهاجًا، بل تمتلك الشجاعة لتحويله إلى عقد دولة.























