
إقتصاد الذيول والبزونة – أحمد جاسم الزبيدي
في ستينيات القرن الماضي، حين كانت السماء صافية على غير عادة السياسة، والحياة تبدو – ولو شكلياً – مستقرة، كانت الحكومات تمارس هوايتها الأثيرة: إشغال الناس بأي شيء… المهم أن لا ينشغلوا بها. وبينما كانت القرارات تُطبخ على نار هادئة في المكاتب، كان الشعب – كعادته – يقدّمها ساخنة على موائد السخرية.
ورغم الضغوط و»البلاغات» التي لا تنتهي، تميز العراقيون بموهبة نادرة: تحويل المأساة إلى نكتة، والقرار الحكومي إلى مادة ترفيهية في المقاهي. فذات يوم، استيقظ الناس على حملة رسمية غريبة من نوعها: إبادة القطط والكلاب. ليس حباً بالنظافة ولا كرهاً بالحيوانات، بل قرارٌ سياديّ بامتياز!
وحتى تكتمل الملحمة، تم تحديد الأسعار: القطة بنصف دينار، والكلب بدينار كامل. فجأة، تحوّل «البزون» إلى أصلٍ اقتصادي، وارتفعت أسهم الكلاب في بورصة الشارع، بل ظهرت «موضة» جديدة: جوارب من جلد البزون، وكأننا أمام نهضة صناعية لا تقل عن الثورة الأوروبية!
أما النكتة التي خلّدها الشارع، فكانت كفيلة بشرح الاقتصاد الوطني بطريقة مبسطة:
أراد أحدهم أن يستأجر سيارة أجرة، فسأل عن الأجرة:
– عمي، التوصيلة بدينارين ونص.
فأخرج الرجل ديناراً من جيبه وقال: هذا دينار،
ثم أخرج كلباً من كيس وقال: وهذا دينار،
وأخرج بزونة من كيس آخر: وهذا نص دينار.
وهكذا، تم الدفع… نقداً ومواءً ونباحاً!
اليوم، ونحن نعيش فصولاً جديدة من «الابتكار الاقتصادي» في عراقنا الحبيب، وبعد تضييق الدولار، وانتشار الفساد، وتأخر الرواتب، ونقص السيولة… يحق لنا أن نتساءل: هل نحن على أعتاب عودة «الاقتصاد الحيواني»؟
هل سنرى قريباً نشرات أسعار رسمية ؟
القط الفارسي يساوي راتب موظف،
والكلب البلدي يعادل نصف منحة؟ أم أن التطور سيفرض نفسه، فننتقل إلى مرحلة أكثر حداثة: اقتصاد «الذيول» مثلاً؟ حيث يُسعَّر الذيل حسب الطول والجودة، والرأس حسب المنصب، وتُدفع الرشاوى بطرود من البزونة المدللة أو كلاب الحراسة! في زمن تختلط فيه الأرقام بالوعود، والعملات بالتصريحات، لم يعد مستبعداً أن نصحو يوماً على نشرة رسمية تقول: «سعر الصرف اليوم: كل كلب مقابل دينارين، والبزونة مستقرة عند نصف دينار… مع توقعات بارتفاع حاد في الذيول!» وحتى ذلك الحين، لا يسعنا إلا أن نتمسك بأقدم عملة عراقية: النكتة.
فهي، على الأقل، لا تفقد قيمتها… مهما انهارت الأسواق.























