سيماء العولمة في الواقع
منهل الهاشمي
(العولمة)……مصطلح تم تداوله وانتشاره بسرعة النار في الهشيم منذ مطلع التسعينات من القرن المنصرم، وبالذات بعد الهزيمة النكراء للماركسية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق (قلعة او معقل الشيوعية).ودول اوربا الشرقية وفشلها في التطبيق على ارض الواقع.وما تبعها على اثر ذلك من انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه الى عدة دول، ليسود نظام (القطب الواحد)…..اي القطب (الامريكي) بعد ان كان نظاما ثنائيا طيلة عقود الحرب الباردة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية يقوم على قطبين (الولايات المتحدة الامريكية ـ الاتحاد السوفيتي).وتزعم امريكا العالم لوحدها بالمطلق، وتسيدها عليه وعلى مقدرات الامم والشعوب.منذ ذلك الحين ظهر هذا المصطلح وشاع وهو يعني ـ لمن لا يعرف معناه ـ بشكل موجز ومبسط: اكساب الشيء طابع العالمية، اي جعل نطاقه عالميا لا محليا، من جميع الجوانب والنواحي:السياسية، والاقتصادية، والايديولوجية، والثقافية، والاعلامية، والفنية، والاجتماعية، والمنظومة القيمية، بكل ما تشمله من اخلاق وسلوك، ومفاهيم ومعتقدات ومثل، وعادات وتقاليد مجتمعية.وماساعد على ذلك وعجل به هو الانفجار المعلوماتي والاعلامي المهول، كالقنوات الفضائية، وثورة وسائل الاتصالات والتواصل الرقمية، ماتعرف بالاعلام متعدد الوسائط(Multimedia) كالانترنيت و(آي باد) و(آي فون) وغيرها…اضافة لوسائل التواصل الاجتماعي (Social media) مثل (الفيس بك)، و(يوتيوب)، و(تويتر) وسواها.وبما ان امريكا باتت هي المتسيدة الوحيدة على العالم ـ كما اسلفنا ـ لذلك وجب ان يسود (الطابع الامريكي) العالم باسره وبجميع النواحي المذكورة آنفا.فاذن مصطلح (العولمة) ماهو في جوهره سوى (الامركة) لا غير!!.
ولانني انسان عصري، متحضر، اؤمن بالتقدمية….والحداثوية، ومابعد الحداثوية ايضا!! لذا ومن منطلق مسايرة العصر قررت قرارا لا رجعة فيه بان (اتعولم)!!.كحال مئات الملايين (المتعولمين) على ارض المعمورة او البسيطة.. (بسيطة آني اعلمكم!!).
واولى الخطوات العملية التي اتخذتها لتحقيق هدفي (العولمي) هو الامتناع تماما عن الاكلات الشعبية الدسمة الثقيلة على المعدة والجيب معا!!…..(كالباجة) واخواتها او مشتقاتها، وان اكتفي بالوجبات السريعة (Fast foods)….و(عالماشي) ……(Take away).على ان استبدل فحواها بالطبع من (لفات الفلافل) الشهيرة…. خالدة الذكر، الى (ساندويج الهامبركر) الامريكية…..(ام الكجب والمايونيز)!!.ذات الصمون المدور الكهربائي ـ لا الحجري لانه يذكرنا بالعصر الحجري!! ـ باعتبارها احد ابرز سمات العولمة. كما وارتديت ايضا من الثياب ماتحوي من الصرعات احدثها….واغربها…..واعجبها!!.فقد رميت جانبا جميع بنطلونات (القماش) التقليدية المعتاد عليها سابقا، وارتديت بدلها بنطلون (الجينز او الكاوبوي) رمز العولمة، و(الامركة)، والتحضر، باعتباره يمثل زي….(رعاة البقر)!!!.وكذلك اشتريت مختلف انواع (التي شيرتات) على ان يجمعها بالطبع قاسمين مشتركين، الاول هو احتوائها على (العلم الامريكي)…..حتى ـ عذرا ـ الملابس الداخلية!!.فانا كما قلت ـ واعيد واؤكد ـ انسان (متعولم) حد النخاع!! ….خارجيا وداخليا!!….ظاهريا وباطنيا!!. ولست مرائيا بوجهين!!.والقاسم المشترك الثاني هو احتوائها على عبارات باللغة الانكليزية.ولكنني للان مازلت مستغربا فلم اجد سببا واحدا دعا كل من امر به للغمز، واللمز مني وهو يؤشر لصديقه ضاحكا علي، رغم ان العبارة المكتوبة على (التي شيرت) الذي ارتديه تعني (البطل) كما اخبرني من باعنيه في سوق (هرج) في ساحة التحرير.وهي حسبما اذكر كانت مكتوبة هكذا:(Fuck me) !!…عجبا!! اهكذا يقابل الابطال المتعولمين في بلدنا…..ياللتخلف!!.
ورغم ذلك لم تثنيني لا السخرية، ولا (التصنيف) عما انتويته.فمن دون ادنى تردد حلقت شاربي ولحيتي اللذين كانا يميزانني.فقد اكتشفت بعد تعولمي انهما ـ كالنقود ـ (وصخ دنية)!!.وكذا الحال مع قصة الشعر التقليدية القديمة (الخنافس) حيث استبدلتها بقصة (المارينز) للاخوة مشاة البحرية الامريكية….قصة (الطاسة)!!.واذكر باني حينما جلست تحت موس الحلاق (هذا ليس عنوان المسلسل الشهير بل هو ماحصل معي فعلا!!).وهو حلاقي الخاص (ابوجلوب) اكدت عليه مرارا وتكرارا بان (يحفر) جانبي راسي قدر مايستطيع.لكنه اذهلني حينما سالني مندهشا…مستغربا بلهجة جادة:(اتريد احفرلكياه بدريل؟!!)….لكنني عذرته في سري فهو انسان بسيط…ساذج (من اهل الله!!) لا يفقه من امور العولمة شيئا…والعياذ بالله!!.
وبالطبع فاني لم اكتف بتغييري العولمي على صعيد (الشكل) فقط بل تعداه الى (المضمون) ايضا، على اعتبار ان (الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة)!!.وهكذا بت اسلك، واتصرف، واتحدث بما يتناسب وسلوك الرجل المتعولم المتحضر فاخذت اتمتم وارطن بالعبارات والمصطلحات الانكليزية التي حفظتها عن ظهر قلب من الكتب التي غزت شارع (المتنبي) مؤخرا على غرار، (تعلم الانكليزية في يومين)!! …او (كيف تتحدث الانكليزية بدون معلم؟)!!، وسواهما من الكتب القيمة، النفيسة …فاعتدت ترديد عبارات مثل (Never mind)…و(As you like) وغيرهما، وبدل ان اجيب من يترحم على والدي، (رحم الله والديك)، بالقول:(ووالديك) كما هو معتاد سابقا في عصر ماقبل العولمة!! فاني كنت اجيبه بعفوية (Thank you)….او (Not at all) وسواهما من عبارات رد الشكر والامتنان.كما اخذت اتابع بشغف كبير الافلام الهوليوودية المليئة بالمغامرات والمطاردات، والـ(Action)، والبطولات الفردية الخارقة ممن لا يقدر عليها احد سوى ابناء (العم سام)!!.على غرار افلام (جيمس بوند)، وافلام (فاندام) و(ارنولد شواريزنجر) اللذين سارا على خطى سلفهما الشخصية الاسطورية خالدة الذكر (رامبو)!!…رمز (الامركة) او بمعنى ادق واصح…..(الفبركة)!!!.
ولم يفتني بطبيعة الحال، وباعتبارها واحدة من اهم علامات او (سيمياء) العولمة!! ان اشتري كلبا بوليسيا اصيلا من فصيلة (الوولف دوكـ) ضخم البنية….متينها…. (اخو خيته)!!….اطلقت عليه اسم (روكي) تيمنا بالشخصية السينمائية الشهيرة التي جسدها ايضا الممثل (سلفستر ستالون)!!. وكان (روكي) يرافقني في حلي وترحالي، حيث اقوده من سلسلته مزهوا…فخورا في ساعات (العصاري) في المناطق والشوارع الراقيـــــــة فقط بالطبع، لان لو كانت شعبية لحصل بالتاكيد مالايحمد عقباه!!.وكنت قد علمته فهم الكثير من الكلمات وباللغتين (العربية والانكليزية)!!.فما ان اريد منه الذهاب او النوم سوى اقول له: (روح) او (Go)….(نام) او (Sleep) سيان، فهو في كلتا الحالتين سيفهم، وسيذهب او ينام!!.
وفي احدى جولاتي الاســـــــتعراضية اليومية صادفني صديــق حميم بعد فراق طويل (فراق ماقبل العولمة!!). وذهل حالما رآني بشكلي وهيئتي تلك.وبعد تبادل عبارات بسيطة بيننا زاد ذهوله وعجبه وانكر علي شكلي ومضموني العولمي!! فسالني وهو من الذهول والاســتغراب والانكار في شدة:(هاي شمسوي بنفســــــــك؟!! ….اشو انت مكلوب عالبــــطانة!!….شغيرك؟!!)
لكننني ايضا عذرته في داخلي فيبدو انه كحال حلاقي (ابوجلوب) لايعيش في هذا العالم….وعلى ظهر هذا الكوكب!!.فابتسمت اسفا عليه ولم احر جوابا، اذ كيف ساشرح له وافهمه ما حل بنا بعد انفراد امريكا بالعالم!!!….وعندما لاحظ الابتسامة الصفراء الخبيثة المرتسمة على محياي زاد انزعاجه واستياؤه، فقال محتدا بانفعال: (اشو دتتبسم؟!!….متكلي هذا الدتسويه شيسموه؟!!).فاذا بـ(روكي) الذي فهم بحسه البوليسي كل مادار بيننا من حوار ابتدره من فوره مجيبا بصوت مدو: (عوووووووولمة)!!!!.
























