
هل تعير كتاباً ؟ – محمد عبد المحسن
«غبي من يعير كتاباً ، وأكثر غباءً منه من يعيد الكتاب « مقولة شهيرة لبرنارد شو ، كنت أرى فيها مجرد تعبير ساخر عن احتمال أن يخسر المعير الكتاب المعار، لكني أيقنت بعد زمن أن حسن نية صاحب الكتاب وميله إلى التعاون في تبادل المعرفة يقود إلى تفريطه بمصادر معرفته وثقافته وابتعاده بذلك عن الحصافة وحسن التدبير ؛ وقد جاء هذا اليقين بعد فوات الأوان وخراب المكتبة ! .
كان يوماً سعيداً وأنا في مرحلة الدراسة المتوسطة في الستينيات يوم شروعي بتكوين مكتبتي الخاصة حين جمعت من مصروفي اليومي مبلغ ثلاثمئة وخمسين فلساً ( سبعة دراهم بالتمام والكمال ) واشتريت أول كتبي ، وكان رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، مأخوذاً بالإعجاب بالنص المستل منها في كتاب الأدب للصف الثالث المتوسط، ويومذاك عدت إلى البيت فرحاً بتلك الرواية لأنهمك في قراءتها ومعايشة أبطالها، زيطة وحميدة ووو ، لكن حين أسأل نفسي اليوم عن اسم المستعير الذي حطّت لديه واختفت فإني لا أتذكره ، وهكذا كان حال عدد غير محدود من المستعيرين وحال عدد غير معلوم من الكتب التي ضاعت بسبب الإعارة .
لي صديق كان أكثر فطنة مني ، فقد دأب على عدم الإعلان أمام أحد عن وجود كتاب ما لديه، وحين لاحظت ذلك قال لي إنه يتحاشى إخبار الآخرين بما لديه من كتب لأن الناس اعتادوا -حتى لو لم يكونوا من القراء- على المسارعة إلى طلب استعارة أي كتاب بمجرد ذكر عنوانه أمامهم .وصديق آخر كان قد اتخذ موقفاً وسطاً – وهو بهذا الموقف أكثر فطنة مني أيضاً – بأن خصص دفتراً يسجل فيه اسم كل مستعير والكتاب الذي أعاره إليه وتاريخ الإعارة ، كما تفعل المكتبات العامة عادة، كي يطالب المستعير بإعادة الكتاب إن تأخّر في ذلك .
إعارة كتاب
وعيوب إعارة الكتاب لا تقتصر على فقدانه، بل تبرز معها عيوب أخرى حتى عند الإعادة ، فمن يعتز بالكتاب يعرف مدى حرص صاحبه على العناية به وانزعاجه عند تعرضه لأي تلف ؛ وهنا يبرز احتمال الإتلاف حين يقع الكتاب بين يدي مستعير مهمل ؛ ولكم أن تتخيلوا إحساس المعير حين يعود إليه كتابه وقد اتّسخ أو تمزّق غلافه أو بعض أوراقه أو قام المستعير المحترم بكتابة تعليقات على هوامش صفحاته أو وضع خطوط تحت بعض سطوره للدلالة على عمق اهتمامه بمضمونه !. وثمة تصرف يستفز الشعور بحدة ويتجاوز حدود اللياقة، هو لجوء المستعير إلى إعارة الكتاب إلى شخص آخر دون استئذان .
قد تضطر أحياناً إلى شراء نسخة أخرى من الكتاب إذا فقدت الأمل في عودة نسخته المعارة إليك ، ولكن ما العمل حين يصبح ذلك متعذراً ؟؛ هذا ما حصل لي مرة قبل سنوات في قطر ، إذ اقتنيت كتاباً من معرض الدوحة السنوي للكتاب ، وكالعادة، حين أشرت في حديث إلى مضمون الكتاب وجدت على الفور زميل عمل يلح في طلب اعارته إياه ، وبعد مدة ليست طويلة غادر ذلك الزميل البلد مغادرة نهائية وغادر معه الكتاب، فلم أبتئس وعزمت على شراء نسخة أخرى منه ، وحين حل موعد الدورة التالية للمعرض، الذي يقام في خريف كل عام، قصدت جناح دار النشر التي صدر عنها ، فكانت المفاجأة أن الكتاب قد نفد وأن الدار لم تعِد طبعه بطلب من المؤلف لأنه كان قد أثار ضجّة في أوساط الرأي العام !.
تضاعفت هذه الخسارات الثقافية بفعل ظروف شخصية تمثّلت في التنقّل المتكرر بين عدد من مدن الوطن والإقامة هنا وهناك لمقتضيات العمل، إلى جانب الإقامة سنوات خارج الوطن للدراسة تارة وللعمل تارة أخرى، وأخيراً الإستقرار خارجه ، فكان أن بقيت بقايا المكتبة ببغداد العزيزة وتعذّر حملها .
هل يلام من يحرّض على البخل بالكتاب وتجنب إعارته إلّا بحذر شديد وفي أضيق الحدود ؟.
























