بغال‭ ‬طروادة- زيد شحاثة

ينقل‭ ‬في‭ ‬الأساطير‭ ‬القديمة،‭ ‬وفي‭ ‬قصة‭ ‬حرب‭ ‬الإغريق‭ ‬ضد‭ ‬مدينة‭ ‬طروادة،‭ ‬أنهم‭ ‬حين‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬إختراق‭ ‬أسوارها،‭ ‬عمدوا‭ ‬لخطة‭ ‬ذكية‭ ‬مخادعة،‭ ‬فلم‭ ‬يرسلوا‭ ‬جيوشًا‭ ‬ولا‭ ‬ضربوها‭ ‬بأسلحة،‭ ‬بل‭ ‬تركوا‭ ‬لهم‭ ‬حصانًا‭ ‬خشبيًا‭ ‬ضخمًا‭ ‬بدا‭ ‬كهدية،‭ ‬لكنه‭ ‬حمل‭ ‬في‭ ‬جوفه‭ ‬الخدعة‭ ‬الحربية‭ ‬الأذكى‭ ‬في‭ ‬حينها‭..‬

الحصان‭ ‬في‭ ‬سرديات‭ ‬التاريخ‭ ‬وثقافات‭ ‬الأمم‭ ‬ومنهم‭ ‬العرب،‭ ‬كان‭ ‬رمزًا‭ ‬للنبل‭ ‬والذكاء‭ ‬والكرامة،‭ ‬وما‭ ‬وصف‭ ‬بالغدر،‭ ‬فهو‭ ‬مخلوق‭ ‬له‭ ‬تقدير‭ ‬لصفاته‭ ‬الجميلة‭ ‬وقوته،‭ ‬فهو‭ ‬يركض‭ ‬بعزة‭ ‬ويقف‭ ‬شامخًا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الهزيمة،‭ ‬لكنه‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الحادثة،‭ ‬صار‭ ‬رمزا‭ ‬للحيل‭ ‬والمكر‭ ‬العسكري‭.. ‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬‮«‬مستحدثي‮»‬‭ ‬الزعامة‭ ‬والرياسة،‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬اليوم‭ ‬قرروا‭ ‬أن‭ ‬يسرقوا‭ ‬القصة،‭ ‬ويعيدوا‭ ‬تمثيلها‭ ‬متقمصين‭ ‬دور‭ ‬‮«‬بغل‮»‬‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬ينتحلوا‭ ‬صفات‭ ‬الخيل‭ ‬الكريمة‭.. ‬نسي‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬مجتمعنا‭ ‬ذكي‭ ‬لماح،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬لحصان‭ ‬طروادة‭ ‬ليكتشف‭ ‬الخيانة‭.. ‬فالبغال‭ ‬تمشي‭ ‬بيننا‭ ‬علنًا،‭ ‬تتحدث‭ ‬باسم‭ ‬الوطنية‭ ‬وتصرخ‭ ‬بأسمها،‭ ‬بل‭ ‬وتدعوا‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفساد‭ ‬والإصلاح،‭ ‬وتبكي‭ ‬على‭ ‬أطلال‭ ‬الوطن‭ ‬وهي‭ ‬تمسك‭ ‬المعول‭ ‬بيدها‭.. ‬وهؤلاء‭ ‬ليسوا‭ ‬واحدا‭ ‬أو‭ ‬أثنين،‭ ‬فقد‭ ‬تكاثروا‭ ‬حتى‭ ‬ضيعوا‭ ‬علينا‭ ‬بضجيجهم،‭ ‬صورة‭ ‬الزعامة‭ ‬الحقيقية‭..‬

البغل‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬المسكين‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬هو،‭ ‬فلا‭ ‬هو‭ ‬حمار‭ ‬فيرضى‭ ‬بواقعه،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬حصان‭ ‬فيحلم‭ ‬بالمجد‭.. ‬هو‭ ‬عقيم‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬إلا‭ ‬الضجيج‭ ‬ولا‭ ‬يورث‭ ‬إلا‭ ‬الخراب،‭ ‬تمامًا‭ ‬كأولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعتلون‭ ‬المنصات‭ ‬ويعدوننا‭ ‬بالفجر‭ ‬وصلاح‭ ‬قادم،‭ ‬بينما‭ ‬يسرقون‭ ‬الليل‭ ‬والخير‭.‬

كثير‭ ‬منهم‭ ‬يدّعي‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬ليبني‭ ‬العراق،‭ ‬وفيهم‭ ‬من‭ ‬يزعم‭ ‬أنه‭ ‬وحده‭ ‬يحمل‭ ‬مفاتيح‭ ‬الحق،‭ ‬كلهم‭ ‬خونة‭ ‬أمويون‭ ‬عباسيون‭ ‬وكفرة‭ ‬حتى،‭ ‬وحين‭ ‬تتكشف‭ ‬لك‭ ‬ما‭ ‬خلف‭ ‬أبوابهم،‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬بغالًا‭ ‬تتصارع‭ ‬على‭ ‬التبن،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬ومشاريع‭ ‬الوطن‭.. ‬ويتحدثون‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬وهم‭ ‬غارقون‭ ‬في‭ ‬تبعية‭ ‬حمقاء‭ ‬مخزية،‭ ‬ويرفعون‭ ‬شعارات‭ ‬الكرامة‭ ‬التي‭ ‬باعوها‭ ‬في‭ ‬مزادات‭ ‬المصالح‭.. ‬

قد‭ ‬تجد‭ ‬فيهم‭ ‬أحيانا‭ ‬بغلا‭ ‬متقدما،‭ ‬لا‭ ‬يدري‭ ‬أنه‭ ‬صار‭ ‬بعلم‭ ‬أو‭ ‬بدونه‭ ‬‮«‬بغل‭ ‬طروادة‮»‬‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬هوية،‭ ‬ولا‭ ‬يدري‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاء،‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬هو‭ ‬يمضي‭.. ‬وجل‭ ‬همه‭ ‬المصالح‭ ‬والمناصب،‭ ‬وكأنها‭ ‬كومة‭ ‬تبن‭ ‬أصفر‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬الخراب‭.‬

قد‭ ‬تتفاجأ‭ ‬حين‭ ‬تسائل‭ ‬أحدهم‭: ‬لماذا‭ ‬تفعل‭ ‬هذا؟‭ ‬سيجيبك‭ ‬بحماسة‭ ‬لأنه‭ ‬يحب‭ ‬العراق‭ ‬ويريد‭ ‬الخير‭ ‬والصلاح‭ ‬له،‭ ‬ويحمل‭ ‬همّ‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطن‭.. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬يشكو‭ ‬منه‭ ‬ومن‭ ‬سوء‭ ‬أفعاله‭ ‬ووعوده‭ ‬الكاذبة‭ ‬الخيالية،‭ ‬فكم‭ ‬هو‭ ‬مسكين‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬البغل‮»‬‭ ‬الجاهل،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬ولا‭ ‬يشعر،‭ ‬بكم‭ ‬الإحتقار‭ ‬والكره‭ ‬الذي‭ ‬يكنه‭ ‬المجتمع‭ ‬له،‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬العراق،‭ ‬بل‭ ‬يحب‭ ‬الحديث‭ ‬عنه،‭ ‬كأن‭ ‬الوطن‭ ‬مجرد‭ ‬خلفية‭ ‬لخطابه‭ ‬فقط،‭ ‬وليس‭ ‬غاية‭ ‬لعمله‭.‬

حتى‭ ‬بعض‭ ‬قنوات‭ ‬الإعلام،‭ ‬وفي‭ ‬مرات‭ ‬كثيرة‭ ‬منه‭ ‬حاولوا‭ ‬جعلها‭ ‬مربطا‭ ‬لهم،‭ ‬تزين‭ ‬وتلمّع‭ ‬حوافرهم،‭ ‬وتصفهم‭ ‬بالفرسان‭.. ‬بل‭ ‬ولهم‭ ‬قنوات‭ ‬بجمهور‭ ‬يصفق،‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬مقتنع،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬تعب‭ ‬من‭ ‬التفكير،‭ ‬وطمع‭ ‬بحفنة‭ ‬من‭ ‬الشعير‭.. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬البغل‭ ‬لا‭ ‬يهمه‭ ‬التصفيق‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يسمع‭ ‬صوت‭ ‬الجمهور،‭ ‬ولا‭ ‬يروى‭ ‬وجع‭ ‬الناس،‭ ‬فقط‭ ‬أعتاد‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬هو‭ ‬وحده،‭ ‬كبغل‭ ‬عظيم‭ ‬وله‭ ‬دور‭ ‬كبير‭.‬

حين‭ ‬يتضرر‭ ‬العراق،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬خدعة‭ ‬كحصان‭ ‬طروادة،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬بغال‭ ‬طروادة‭  ‬الذين‭ ‬دخلوا‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬ليبنوا‭ ‬بل‭ ‬ليهدموا‭.. ‬ولا‭ ‬ليخدعوا‭ ‬العدو،‭ ‬بل‭ ‬ليخدعوا‭ ‬الشعب‭. ..‬

هذه‭ ‬البغال‭ ‬وأمثالها‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬مشروعا‭ ‬أو‭ ‬خطة،‭ ‬فقط‭ ‬يمشون‭ ‬حيث‭ ‬يُقادون،‭ ‬وهدف‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬البقاء،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬وطن‭. ‬