زمان جديد أنت مجنون يا أفلاطون
نوزاد حسن
اعتدت بعد كل أزمة سياسية او موجة عنف تضرب البلد او حديث عن فساد مالي تتناوله الفضائيات والصحف او شجار بين هذا السياسي وذاك أن أرجع لتصفح كتاب جمهورية أفلاطون. انا في حقيقة الامر اهرب من عالمي الساخن الى عالم الجمهورية التي وضع تصميمها ذلك الفيلسوف لكنه مع الاسف لم يشاهد جمهوريته تتحقق على الارض لانها بقيت مجرد فكرة في كتاب، وان كنت اعتقد ان افلاطون كان يريد ان يبعث رسالة الى العصور القادمة من خلال كتابه الذي كان كما اظن وصية فلسفية اكثر منه بحثا عقليا في بناء الدولة.
فكر الفيلسوف اليوناني بإنشاء جمهورية صحيحة تستحق هذا الاسم فوضع نظاما تعليميا قاسيا للافراد. ومع كل مرحلة سيصعد المتفوقون ويرسب الاخرون الذين سيجدون لهم اعمالا في حرف كثيرة. من سيبقى متفوقا هو من سيتولى الحكم بعد ان ينال ثقافة واسعة في الفلسفة وغيرها من العلوم. بعد هذه المرحلة ينزل ذلك المثقف الى الشارع ليشارك ابناء الشعب حياته ويصارع من اجل لقمة العيش. اذ لا يجوز ان يبقى حاكم جمهورية افلاطون رجلا مثقفا لكنه لا يحس بالاخرين من حوله. في النهاية يتوج حاكما ولن تخسر الدولة او الشعب شيئا في تولية رجل من هذا النوع.
افلاطون صمم الدولة بهذا الشكل. لماذا. .؟ لانه اعتقد ان قضية حكم بلد ما ليست مهمة سهلة. انها مسؤولية تحتاج الى تخصص بكل ما في الكلمة من معنى. وقد حذر من تولي رجل عسكري الحكم أو رجل يعشق المال لان هذين الرجلين سيحولان الدولة الى مقاطعة لهما ويقودان الجماهير الى خسائر تنتهي بتدمير الدولة نهائيا.
ما أفعله حين اتصفح جمهورية افلاطون هو تخيل ذلك الانسجام الرائع الذي نراه في حكومات غربية كثيرة. هولندا مثلا. كندا وكثير من البلدان. لا يحس المواطن هناك انه متوتر لان احدا ما سيوجه نقدا لقوميته او طائفته او دينه. حين تشتعل قشة الخلاف بين سياسيينا فان احدهم يجر الخلاف الى منطقة اوسع بحيث ان المواطن العادي يشعر في اليوم التالي انه قد يتعرض لنقد لا بد ان يرد عليه او يصمت وفي الحالتين يظل الشخص قلقا ومتوترا.
أتخيل المواطن الهولندي الذي اضطهد اسبينوزا على ارضه ذات يوم يقطف ثمرة الاضطهاد ليخرج الى عمله وهو لا يعرف من هو وزير داخليته. اتخيل المتعة التي يجنيها وحب الحياة الذي لا يسممه شيء. أسأل نفسي وأنا اقرا جمهورية افلاطون متى يقطف العراقي ثمرة اضطهاده؟
لكن هل هناك رسالة خاصة ارسلها لنا ذلك الفيلسوف اجيب نعم. رسالة افلاطون تقول تعرف المرأة بالفطرة كيف تصبح أما. انها تتربى على هذا الاحساس وتمارسه كما تتنفس. اما في مجال السياسة فإن القضية اصعب واكثر تعقيدا. فالفطرة لا تفيد السياسي شيئا. واذا ما خالف احدهم وصية افلاطون فإنه سيكون لصا يقتحم سور جمهورية لم تر النور بعد.
/5/2012 Issue 4201 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4201 التاريخ 16»5»2012
AZP20























