مدن تنزف ذاكرتها

مدن تنزف ذاكرتها
عقيل صاحب شويّع
إمّا بلحظة قتلْ،
أو بلحظة أغتصابْ،
تولد مدن جديدة
وتندمل أخرى،
أفق يترجع بين الذاكرة والنسيان،
أفق من الشهوة والدم،
وجوائز كثيرة للسلام.
1
قبل أن يألفها النسيان
وتختفي من تضاريس الذاكرة
كانت ككل السنونوات
تعشق ماء الخليج
وسمك الصبور
وكان لها موعد مع الثكنات
وقد حرثتها سرفات الحرب،
في ذلك الوقت،
لم يُشَر لها بمخلب النكبة،
أمتشقت قامتها شهوة الدم
جبلا يشير لأودية الموت،
أكداس رجال تتفسخ
وأصابع أنطفأت عليها لفافات التبغ،
في جين تربتها
هدير المدافع وجعجعة الأيفا
وبقايا ذخيرة أفسدها الوحل،
ساعات توقفت الى الأبد
وخواتم صدئة، لعقد قران شيعته المآتم..،
هي متاهة بحّار يحتضن العراء
وجرح في ذاكرة شط العرب
يُنكِأ شفراته الملح
الى الأبد،
اليوم، وعندما تبتسم البصرة
لغزل الموج
يتجعد وجه الفاو
تترقرق دمعة حمراء،
دافئة،
مثل مياه جوفها التي لم تتخثر.

في المنافي القريبة
أحراش الجنوب
ومراكز المدن القاحلة،
ثمة سكون قديم
لا يسبق عاصفة،
لا أدري أن كان ذلك بعيدا منذ كلكامش؟
أم هجريا كرسته سقيفة القصب والبردي؟
ثمة غيوم داكنة
ترسمها طيور تحوم،
حولها،
هكذا أراها كل عام،
وثمة نعيب يشرخ أستار الليل
ميسان، ذي قار، والبصرة
وأخواتهما في الوحشة،
نساء ثكلى بنا
سدنة الخرائب وأشباحها،
نحن
اللذين غدرتنا خناجر البؤس،
للكوفة وخان النص
خراب من صلب النون
وما أدراك ما النون؟
التبغ والغليون
في فم يرتجل المصائر…،
للمدن في الجنوب
سيقان من الفولاذ
مغروسة في محيط أسود،
جسد يتمرغ في الأهازيج،
ورأس يراقص السراب
تفترشه غابات القطن

دَع المسيح للزمان،
ودع عليّا وعمرا لأفق أرحب،
وجزيرة خضراء،
ومن مفردة
تختزل ذاكرة البحر،
ولحن ترقصه شفاه فيروز،
خصب بدفأ الشواطيء
بويضة في رحم الموج
ستلد بيروت بلا مخاض.

للتخمة عرض في قاع النوم
للأثرياء جذل بالملك
وهوىً عارما بالخلافة
خصب بويضة بهذا النهم
وترفّق الحكم
فسرب النياق فقط
من يصنع الدهشة في جزيرة العرب،
ستدور رحى الرمال
ويلتهب الأفق بارود أحمر
لتصطبغ به مكة والمدينة
ثم تتناسل في بقاع الظل
ومعاقل البرد وأغوار الكهوف
مواقد الديناميت.

الحداثة سمّت طوكيو
رقما بارعا في عالم أعداد صارم
وفي صالون بيت أبيض،
أُعِدَّ لها طريقا من صلب الأنشطار،
لأحلام أخرى سينفلق الهايدروجين
في هواء هيروشيما ونكازاكي
وستفهم الدرس كل البقاع
عالم بلا مخالب و رؤوس،
رأساً للمال، غدت طوكيو
بذراعيّ روبوت،
وما بعد الحداثة تشرخ في حداثتها
ضالة طوكيو،
ساموراي خنثي الجنس

هل سمعت ببغداد طريدةً ؟
وبعبارة تقرض المعنى من الحياة
هل سمعت بها طريدةً
لسناجب التاريخ ؟
مُنقّبة يروّج بها للدعارة،
هل سمعت بها تُغتصَب معصوبة
وغاصبها تاريخ عنيّن؟
هل سمعت بها مشروخة الحنجرة،
تستغيث،
ولا شيء يجيرها سوى الصفير؟
بغداد، مستنزفة إذا
فهل تصلح حضنا لأولادنا بعد الآن؟
بغداد مستسلمةْ،
فهل تصلح أيقونة للفتوح؟
بغداد راكعة ،
وهل يكفي لشموخها أن أصلّي؟
ان ألوّح للرشيد بسراويل القتلى
أن أكضم غيضي بباحة سجين
وأطلب المراد،
لها في كل مساء عَبرة يختنق بها الأفق،
وفي كل فجر دموع
تجف على رمال الأرصفة،
أأثقلتك الصخور
وجرافات الحدائق؟
ومن عرقل خطوك سوى لسان الخيمة
ومن شرع لولاتك الفتك
سوى جحافل تاريخ مضرج بالهزيمة
لتنقسم على ظهرك القوافل
وتشتبك الرايات…
أبالشعر أرثي سناك؟
أم بأغنية أذيب فولاذ أسرك؟
وهل لي انا المقيد
الى صخرتي في الجنوب،
وبيني وبينك محيط من الضجيج،
أن أسرج في سارية مجدك،
مشعلا،
يفضح عورات الخيبة.
/5/2012 Issue 4201 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4201 التاريخ 16»5»2012
AZP09