ياسين النصير يتحدث لـ الزمان عن صنع الأمكنة في ذاكرة النص

ياسين النصير يتحدث لـ الزمان عن صنع الأمكنة في ذاكرة النص
الفكر التنويري مطالب بمحاكمة قوى إسلامية و قومية
حوار خالد ايما
كيف يمكن لنا أن نشم المكان، ونميز رائحته من بين الأمكنة التي مازالت تفرض سطوتها وهيمنتها علينا بكل قوه؟ أمكنة معتقة برائحة الشعر والموسيقى والرواية والقصة والمسرح والذكريات السابحة في فضاءات تسللت ألينا بغفلة من وعينا
من هذا الوشم المحفور على جسد الأمكنة المتصدعة حاولنا جاهدين ولأكثر من مرة ان نسلط الضوء على أمكنتنا ووعينا الضاج بتساؤلات ربما نخفق في الإجابة عنها، وربما لا نخفق في البحث عنها كما هو عند الناقد ياسين النصير الذي أجاب عن قلقنا الدائم بشمولية الناقد الذي يحثنا دائما الى ان نكون في خضم الجدل والتوالد الثقافي إزاء الوعي والمعرفة بحقيقة الأشياء.
اذن هي مكاشفة تدعو الى هتك الأسرار المكانية التي من خلالها نكون وجهاً لوجه مع التجربة والوعي، والرواية والمكان،والقصة العراقية،وأسئلة الحداثة،وجماليات المكان
دائماً ما تبحث عن المكان في القصة والرواية والمسرح والموسيقى لماذا المكان؟
ـــ المكان ــ المكانية، سيتحول لاحقاً إلى تيار نقدي بامتياز، هناك من يشتغل على توصيف المكان توصيفاً مدرسياً علمياً، وهي محاولات نأمل ان تكتمل حلقاتها، أعول في هذا الجانب على ناقدين مهمين هما الدكتور لؤي عباس حمزة، والدكتور اسعد ألأسدي، نعم يمكن الآن الحديث عن نقد مكاني، لست وحدي من قام بهذه المهمة، وان ابتدأت بها، اليوم ثمة كتب ومقالات وإعمال فنية تجعل من المكان اتجاهاً إبداعيا، وفكر ما بعد الحداثة يقوم في جزء من تصوراته على المكان، كما أن فنون الرواية والقصة والشعر والموسيقى وهي فنون زمانية وجدت طريقها عبر موضعه اللغة إلى المكان، كما أن فنون الزمان اختصت بفنون القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين خاصة في الرواية، بينما فنون المكان بدأت في منتصف القرن العشرين وتعمقت بما بعد الحداثة بحيث لم يعد المكان الواقعي نقياً، او أحاديا، فقد اختلط معه فنياً الأمكنة المتخيلة والأمكنة الافتراضية والأمكنة الهندسية، والأمكنة التمثيلية، وغير ذلك.. نعم سيكون ثمة نقد مكاني ولكن بعد جهد وتوصيف منهجي لم يظهر لحد الآن.
لماذا نفتقر إلى وجود فيلسوف او دارس حديث للتراث او مفكر إسلامي حديث؟
ــ هذه مشكلة حقيقية وكبيرة على مستوى المعرفة الذاتية، نحن لم نقرأ كتب الفلاسفة قراءة جيدة، او متكاملة، ماركس مثلاً لديه مع كتابات انجلز 65 مجلداً، ولكن ما لذي ترجم من هذه المجلدات؟وهل ترجمت الكتب القليلة كاملة؟ودون تدخل؟لم يترجم أي فيلسوف او مفكر كاملا، ومن هنا فلا قرار فلسفي او فكري تأسيسي لنا.هذا اولاً، وثانياً لا نجد درساً فلسفياً منفتحاً في جامعاتنا غير الدرس الإسلامي، وحتى هذا الدرس لم ينفتح إلا على الثوابت الصيانية منه، في حين ان الحركات الثورية والتدميرية للصيانة التقليدية لم تبحث جيداً ن ولم تدرس، والدرس الفلسفي الجديد لا يقوم على الثوابت بل على الخروقات المنهجية لهذه الثوابت، وعلى الصيغ الثورية التدميرية للساكن منها، ثالثاً لم تسع مؤسساتنا الجامعية الى توسيع المعارف، كل منهجياتها تابعة للحكومات المتعاقبة، في حين ان الجامعات مؤسسات تابعة للمجتمع المدني، وليس للدولة او الحكومات، وهذا يعني انها بقيت حبيسة إيديولوجية الدولة والحكومة، أحزابها، فهي ليست منفتحة على حاجات المجتمع الثقافية وعلى الدرس الفلسفي المنفتح.. ما يعوق البحث الفلسفي هو التابو الديني والقومي والسلفي والهيمنة السياسية، وذلك لا نتأمل ظهور أي مفكر او فيلسوف ضمن منهجيات الجامعات العراقية، لدينا بعض الفلاسفة او من المفكرين وهؤلاء نضجوا في الجامعات الغربية وليس في بغداد حاضنة الفلسفة في العصور السابقة…شيء مؤسف، وعلى الفكر التنويري ان يحاكم القوى التي تسيدت هذه الفترات، إسلامية وقومية عن سبب تأخر العراق عن ركب المدينة والتفكير الفلسفي، وهو الذي كان سباقاً لمثل هذه الميادين…
ـــ من العجب العجاب ان رجل الدين عندنا لا يعرف ان طريقته محكوم عليها بالفشل حتى لو اقتنع مليوني شخص يصلون وراءه، رجل الدين ــ كما يظهر من ممارساته السياسية ــ لا يعرف العلوم التطبيقية ولا التجارب العلمية ولا يعترف بدور العلم في الحياة، ولا يعرف حركات المجتمع السياسية،ولا مناهج المعرفة ولا الفلسفات الحديثة،ولا التيارات الحداثية في الفكر والفلسفة، هذا المقمط المدفون بكتب الدين، يريد ان يقود العالم على هواه، والدين عند الله واحد كما يقال، ولكن المتدينون في الحياة كثيرون ومتعددون، وينفون واحديه الدين، ولو وعوا أنهم لا يختلفون وجوداً عن الكهنة ورجال الأديان الأخرى الذين وعوا دورهم منذ القرن الثامن عشر وانحسروا حيث أمكنتهم الطبيعية للدرس والتبحر، لما خرجوا علينا في شارع القرن الواحد والعشرين بتعاليم ثقافة الأموات، هذه التعاليم التي تشد الحاضر والمستقبل لثقافة قيلت منذ أربعة عشر قرناً وكأن الزمن لا يتحرك في عقولها وممارساتهم، ثمة سورة في القرآن الكريم وهي سورة أهل الكهف تتحدث عن الرجال وكلبهم الذين بقوا مئات السنين في الكهف، ولما خرجوا لم يعرفوا ان العالم تغير، فما كان منهم إلا ان انكفأوا ثانية لما كانوا يفهمونه في زمنهم القديم، وان ما يعرفونه لا يصلح للزمن الذي خرجوا فيه رجال ديننا الذين يصرون على البقاء في الكهوف النصية القديمة ويريدون قيادة العراق مستقبلاً، لا إلى العلم والثقافة والفكر والحداثة والعلمانية، وإنما للعودة بخرافاتهم القديمة إلى كهوفهم، والغريب ان كل واحد منهم له كهفه الخاص، وليس مثل رجال الكهف القدماء حيث كانوا أربعتهم في كهف واحد كان عليهم ان يخرجوا بتعاليم ثقافة الأحياء والمستقبل والعلم، لا ثقافة الخرافة والغيبيات ورهن مصير الإنسان بالجنة والنار. الكثير من الشعوب لا تصوم ولا تصلي كما يقول السيد احمد القبانجي، ولكنها متقدمة علمياً واجتماعياً علينا، حسناً لن يكون لثقافة الأموات حضور في أي درس لطلاب المستقبل.
/5/2012 Issue 4201 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4201 التاريخ 16»5»2012
AZP09