مريم بوزيد تؤاخي بين الأرض والانسان في لوحاتها
الجمال البدائي يصوغ ذائقة البشر
فيصل عبد الحسن
بمناسبة يوم الارض العالمي في 23 ابريل 2012 افتتح معرض الفنانة التشكيلية مريم بوزيد الفردي بمسرح محمد الخامس في مدينة الرباط، وقد تميزت لوحات معرضها الجديد بلوحات معبرة عن تأخي الإنسان والأرض، فقد عرضت الفنانة الكثير من اللوحات الكبيرة الحجم، للتعبير عن فرح الحياة، وابتهاج الناس بأستقبال ربيع جديد، وقد بدت ملامح الشخوص في العديد من لوحاتها وهي لها ذات ملامح الزهور، وألوان أوراق الأشجار، وقد بدت ألوان اللوحات متناغمة مع مجيء ربيع الطبيعة، وألوانها المتميزة في هذا الفصل من السنة، مما عكس شعورا طاغيا لدى الزائرين بأن مساحة المعرض ما هي إلا جزءا من بستان مورق مملوء بالزهور، ومشاهد الحياة البدائية في الغابة.
والمعرض الجديد للفنانة، هو المعرض الفردي السادس في سلسلة معارضها، التي بدأتها عام 2007 في مدينة مرتيل شمال المغرب في المركز الثقافي الإندلس وجاء معرضها الفردي الثاني عام 2011 في مدينة طنجة في المركز الثقافي أبن خلدون والثالث في العام نفسه في تطوان في كلية الآداب والعلوم الإنسانية والرابع في مدينة تطوان أيضا، وعلى قاعة السرغيني، ومعرضها الجديد جاء بعد العديد من المعارض الجماعية التي كان أخرها في مؤسسة محمد السادس في 12 مارس 2012.
لقد تميزت لوحات معرضها الجديد بلوحات كبيرة في الحجم تذكر بالجداريات التي تزين الفنادق الفخمة والمكتبات العامة، وحتى التي عند بوابات الحدائق وملاعب الأطفال، فقد كانت أبعاد لوحاتها تتراوح بين 2.5 م في 3 م، و2 م في 1.75 م وهي بالتالي لوحات كبيرة وتدلل على الجهد الكبير، الذي بذلته الفنانة للسيطرة على موضوعها في كل لوحة من ناحية المادة اللونية، أو خطوات تنفيذ العمل الفني، وقد حرصت الفنانة بوزيد على أضفاء الجاذبية على كل لوحة من خلال مزج الألوان بطريقة تعطي اللوحة بريقا وتألقا خاصا بهذه الفنانة ونظرتها الجمالية، وأحساسها العميق بالتنسيق بين الموضوع وألوانه، وقد مزجت في لوحاتها بين أنطباعية رقيقة تذكر بالشعر، حين يتغنى بالطبيعة والجمال، والتجريد الذي لا يبرز موضوعا بذاته، وأنما يعطي المتلقي مشاعر الفنان، وهو يرسم عمله الفني، فترى أنفاس الفنان ومشاعره على كل لون وعند كل ضربة فرشاة.
الموضوعات التي عملت عليها الفنانة بوزيد في معرضها، بدت أليفة لنا وللفنانة أيضا، فهي موضوعات في معظمها كانت قد عملت عليها منذ سنوات كالطفولة واحلامها، وألعاب الأطفال، ونقل بهجتهم، وهم يندمجون بطبيعة بدائية تذكر بالغابة، ولكن الجديد الذي تناولته كان في موضوعاتها التجريدية، هو نقل فرحها بالحياة وبهجتها، وذلك من خلال رسمها للوحات نقية للطبيعة، ومن خلالها نقلت لنا مشاعرها، حين تكون في خضم تعاملها مع مادتها من خلال اللألوان الحارة والباردة، وعكست في معرضها أفراح الحياة، والأمل باليوم القادم الذي سيحمل أخبارا طيبة، تقول مريم بوزيد عن هذه المرحلة الفنية التي تمر بها في بوستر تقديمها لمعرضها الجديد كنت في سن الخامسة عشرة وهو أيضا موعد اكتشافي لتقنية الصباغة الأكريليك، في هذه المرحلة كنت أميل إلى الدقة وأعتمد على مبادئ الرسم قبل كل شيء، والأهم في هذة الفترة هو بداية اتضاح الملامح السريالية والشعرية للوحاتي، حيث صارت أعمالي تحكي أحلاماَ وقصصا خيالية. .
والفنانة تؤكد ما ذهبنا إليه في معرفة المؤثرات الأولى في حياتها بقولها في سن السابعة عشر ومع اكتشافي لمجموعة من الحركات الفنية التي عرفها التاريخ، تأثرت فرشاتي بالأعمال الإنطباعية والتعبيرية وصارت عملية الصباغة أكثر إيمائية ومستقلة على الرسم، وبدخولي إلى المعهد العالي للفنون الجميلة بتطوان، صار كل وقتي حرا ومخصصا للفن التشكيلي، وهناك أيضا، التقيت مجموعة من الفنانين من المغرب ومن خارجه، وبالدرجة الأولى، اكتشفت وأحببت تاريخ نصف قرن من الزمن لمدرسة الشمال، وروادها وفنهم، الذين طالما أحسست أننا نعيش تحت تأثير نفس الروح الفنية وتحت سقف نفس السماء.
أن الأحساس المرهف بالطبيعة وشعرية وجودنا فيها طاغ في لوحاتها، كأنها تذكرنا بالآية الكريمة، التي وصف فيها الله تعالى أنعامه على البشر بأن أخرج لهم من الأرض الخيرات مصحوبة بجمال أشكالها ونقاء ألوانها، بقوله تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون آية 99 سورة الأنعام، وعبرت كذلك عن الإنسان ومعاناته في عالم قاس، وعيشه في ظروف معيشية صعبة، والطفولة المهيضة، وجميع هذه المفردات التي تناولتها فرشاتها وألوانها، قد عبرت عنها أيضا بقولها في تقديمها لمعرضها من خلال دراستي في إطار شعبة اللغة والآداب الفرنسية اكتشفت بعمق عالم الآداب والتشابه الكبير ما بينه والتشكيل عبر التاريخ، وخاصة حين سقطت في حب الشعر، الذي لم يعد بالنسبة لي إلا منبعا للصور الشعرية، وهكذا صارت علاقتي بالقراءة والكتابة علاقة وطيدة، ومن توطيد العالمين التشكيلي والأدبي، الذي صار جسرا إبداعيا، أستلهم من ضفتيهما وأنسج في ملتقاهما فنا مابين الانطباعية والتعبيرية والسريالية، وبقدر ما رسمي ملتزم بقضايا الإنسان وحقه المشروع في الحرية والمساواة وبقدر ما هو ملتزم بالدفاع عن المستضعفين من أطفال ونساء وشعوب، فهو يلتزم كذلك بقضايا البيئة والأرض، الإنسان والطبيعة موضوعان أساسيان في لوحاتي، وجود الإنسان في الطبيعة ووحدته وانسجامه التام معها هو رمز للجمال البدائي، والسلام والبساطة والبراءة، الشيء الذي يجعل طابع الحلم طاغيا على صباغتي، لوحاتي هي في الغالب أحلام يقظة، أفضل كذلك الأبعاد الكبيرة، التي تخول لي دمج تقنيات متنوعة في لوحة واحدة.
/5/2012 Issue 4200 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4200 التاريخ 15»5»2012
AZP09























