توقيع الساكت والمسكوت عنه في العلاقة الإيرانية بإقليم كردستان

توقيع الساكت والمسكوت عنه في العلاقة الإيرانية بإقليم كردستان
فاتح عبدالسلام
لا يمكن قراءة أية صفحة في المشهد السياسي العراقي المتفجّر بعيداً عن صلة إيران ومتابعتها الدقيقة لموازين مصالح وقوى في العراق إثر الأزمة بين رئيس حكومة بغداد وإقليم كردستان العراق. ولعلَّ التحول النوعي الصامت في أول الأمر في نهج طهران إزاء الإقليم الكردي بدأ عندما زار رئيس الإقليم مسعود البارزاني واشنطن في أوج الأزمة حيث هناك في طهران من يشعر بأنَّ كلّ صيحة عليهم بالرغم من إنّ الإقليم أوفد رئيس حكومته الحالية نيجيرفان البارزاني إلى طهران قبل ذلك في مسعى يحمل معنى الشرح والتطمين.
إيران للمرة الأولى تبدي علناً عدم رضاها على إقليم كردستان العراق الذي سكتت عن الخوض في أية مشكلة تخصه طوال تسع سنوات ماضية من الاحتلال الأمريكي للعراق. حيث إنَّ توقيت اثارة طهران لاتهامها إقليم كردستان بأنّه حاضنة للنفوذ الإسرائيلي له دلالات عميقة برغم من تظاهر اكثر من طرف على صلة بهذه الإثارة بأنّه غير مكترث لما يجري. وكان الإقليم نفى بشدة الاتهام الإيراني وطالب طهران بدليل واحد على صحته. وكأنَّ الأطراف كلّها بعد ذلك سكتت على فوهة بركان في انتظار شرارة أكبر فربّما يشعلها تصريح لا يكتسي بحكمة أو موقف فيه عجالة.
الموقف الإيراني الجديد من الإقليم الكردي العراقي يتلخص في الأبعاد الآتية بإيجاز لا يحتمله هذا الحيز لتفصيلات أدركها جيداً.
أولاً إنّها رسالة من قادة طهران إلى القيادة الكردية بأنَّ إيران هي صاحبة الكلمة المرجّحة والتأثير الفعّال في العراق والمنطقة بعد انسحاب الأمريكان، الذين تربطهم بالكرد علاقات قوية لكنّها لا ترقى إلى تجاوز القوة الإيرانية. وإنّ ترتيب أية أوراق عراقية لابدّ أنْ يكون تحت مظلتهم وإنّ الإقليم الكردي ليس بمعزل عن هذا النفوذ.
ثانياً تجاوزت إيران القيمة الاعتبارية للرئيس العراقي جلال الطالباني بوصفه كان دائماً عصا التوازن الأساسية في الجمع بين الأضداد في العراق المتنافر على مدى سنوات طويلة، كانت فيها طهران بحاجة إلى موقف داعم من موقع استراتيجي في قيادة العراق الجديد خارج التشكيلة الشيعية التقليدية، كان مثّله الطالباني وتحمّل جرّاءَهُ مَنْ رأى فيه انحيازاً. الأمر الذي يعني أنَّ طهران بدأت تغيير قواعد لعبتها في التعامل مع القيادات العراقية التقليدية. وإنّها أخرجت الطالباني من خانة التوازن المحبب داخل بغداد إلى خانة محاذية للخصم داخل كردستان من دون أن تصرح بذلك علناً لاعتبارات هي تدركها جيداً.
ثالثاً أفصحت إيران عن إنَّ خيارها الاستراتيجي في العراق هو رئيس الحكومة العراقية الحالية وتشكيلته السياسية، وتريد نقل رسالتها الواضحة في أن الإقليم الكردي لا يمكن أن يكون خياراً استراتيجياً مستقلاً لها إلاّ بقدر ارتباطه بذلك الخيار المدعوم من قبلها في بغداد. أمّا وقد تطورت الأزمة إلى محاولة كسر الذراع وليس ليّها فإنَّ خيارها هو الحاكم في بغداد وليس في الإقليم.
رابعاً إنَّ الاتهام بإيواء الكرد للنفوذ الإسرائيلي وتصريح مسؤولين إيرانيين بأنهّم لن يسمحوا أن يكون لإسرائيل موطئ قدم على حدودها الغربية في إشارة إلى الإقليم الكردي هو تمهيد لتصعيد أكبر تحت شعار حماية الجمهورية الإسلامية من الخطر الإسرائيلي الذي لا تتردد إيران في نشر عشرين فرقة للحرس الثوري داخل مناطق في كردستان العراق كفرض أمر واقع، يكون بديلاً عن حرب تحدث البارزاني عن هواجسها التي تدور في اجتماعات ترأسها المالكي في ظل صفقة مقاتلات أف 16 الأمريكية. والقيادات السياسية والعسكرية والأمنية لا تستبعد خيارات محرجة مثل هذه لا تظهر في الإعلام علناً بسهولة.
خامساً هي فرصة تاريخية لإيران لزيادة الضغط على الإقليم الكردي لجعله يحسب حساب الربح والخسارة بمراعاة وحدة القياس الإيرانية على حساب وحدة قياس تركية أو أمريكية. كما إنّ إيران الخاضعة لعقوبات دولية طالت بنكها المركزي وتحويلاتها الخارجية للمرة الأولى منذ بداية أزمتها النووية تفكر ببدائل محلية وعبر حدودها تستجيب لشروطها وحاجاتها في كسر الحصار، فضلاً عن إنّها لا تخفي مخاوفها من ضربة خاطفة من إسرائيل أو الولايات المتحدة. وهي المتشككة بصمود جبهتها الداخلية المنهكة بسخط المعارضة المتوسعة والتذمر المعيشي. إنَّ طهران في ضوء ذلك كلّه ليست على ثقة كاملة من عدم حدوث مفاجآت ضدها تمـرّ عبر حدودها مع كردستان العراق حتى لو كانت من دون موافقة الإقليم.
سادساً زيارة المالكي إلى كركوك ونقل اجتماع وزارئه إليها لم يكن ليتم في تحد تصعيدي ضد الإقليم الكردي لولا وجود تلك الأبعاد الإيرانية الجديدة في النظر إلى العلاقة مع كردستان بوصفه إقليماً يجب أن يبقى في ثوب النفوذ الإقليمي الإيراني فذلك هو المعيار الأهم.
/5/2012 Issue 4200 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4200 التاريخ 15»5»2012
FASL