الأناناسة- محمد زكي ابراهيم

‭ ‬لم‭ ‬أقرأ‭ ‬أن‭ ‬شجرة‭ ‬برتقال‭ ‬أنجبت‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬تفاحة،‭ ‬أو‭ “‬أناناسة‭”! ‬ولم‭ ‬أسمع‭ ‬عن‭ ‬نبتة‭ ‬حنظل‭ ‬أثمرت‭ ‬خوخة‭ ‬أو‭ “‬كيوية‭”! ‬ولا‭ ‬أذكر‭ ‬أن‭ ‬أحداً‭ ‬أخبرني‭ ‬عن‭ ‬حمارٍ‭ ‬تظاهر‭ ‬بالشبع‭ ‬وهو‭ ‬جائع،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ “‬سَخْلٍ‭” ‬عزف‭ ‬عن‭ ‬التهام‭ ‬العشب‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬اللهفة‭ ‬إليه‭!.‬

وهذه‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الكذب،‭ ‬ولا‭ ‬تحترف‭ ‬الخداع،‭ ‬ولا‭ ‬تُظهر‭ ‬خلاف‭ ‬الواقع،‭ ‬فهي‭ ‬تجوع‭ ‬وتأكل،‭ ‬وتنام‭ ‬وتتناسل،‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬خاص‭ ‬لا‭ ‬تحيد‭ ‬عنه،‭ ‬ولا‭ ‬تجرؤ‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تريد،‭ ‬أو‭ ‬تتصرف‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬تعتد،‭ ‬أو‭ ‬تخرج‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سواه‭.‬

ولكنني‭ ‬رأيت‭ ‬أناساً‭ ‬كثيرين‭ ‬يظهرون‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬يُبطنون،‭ ‬ويُصدحون‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬يعتقدون،‭ ‬ويأتون‭ ‬من‭ ‬الأفعال‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحبّون،‭ ‬وسبب‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬أوتوا‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬التمويه‭ ‬لم‭ ‬يُؤْتَ‭ ‬أحدٌ‭ ‬غيرهم‭ ‬مثلها،‭ ‬وهي‭: ‬اللغة‭.‬

وما‭ ‬اللغة‭ ‬إلا‭ ‬السلاح‭ ‬الأشد‭ ‬خطراً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون؛‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬أداة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬طريقة‭ ‬لإخفائها،‭ ‬وليست‭ ‬غايتها‭ ‬التصريح‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬بل‭ ‬إنكار‭ ‬ما‭ ‬يضمره،‭ ‬وهي‭ ‬أقوى‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬من‭ ‬المخالب،‭ ‬والعضلات،‭ ‬والأنياب،‭ ‬والقبضات‭ ‬الحديدية‭.‬

ولا‭ ‬غرابة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬انفصال‭ ‬بين‭ ‬عقل‭ ‬المرء‭ ‬وعمله،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬تفكيره‭ ‬وسلوكه،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬معتقده‭ ‬وسيرته؛‭ ‬فهو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬خداع‭ ‬الغير،‭ ‬والتدليس‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬والانفصال‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭.‬

‭ ‬وهذه‭ ‬مجتمعة‭ ‬هي‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬خراب‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وتدهور‭ ‬البلدان،‭ ‬وهي‭ ‬السبب‭ ‬فيما‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬وجرائم‭ ‬ومآسٍ‭ ‬وخطوب‭ ‬للإنسانية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭!.‬

وقد‭ ‬قضت‭ ‬البشرية‭ ‬عمراً‭ ‬طويلاً‭ ‬من‭ ‬حياتها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تستطيع‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الطبيعة،‭ ‬فلم‭ ‬تستخرج‭ ‬معدناً،‭ ‬ولم‭ ‬تنتج‭ ‬طاقة،‭ ‬ولم‭ ‬تبتكر‭ ‬آلة،‭ ‬أو‭ ‬تصنع‭ ‬سيارة‭.‬

وطفقت‭ ‬قروناً‭ ‬تصوغ‭ ‬الأقوال،‭ ‬وتنظم‭ ‬الأشعار،‭ ‬وتميل‭ ‬للكلام‭ ‬الخالي‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وتغرم‭ ‬بالبيان‭ ‬العاري‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭.‬

أي‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬مخلوقات‭ ‬أدبية‭ ‬صرفة،‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬الكون‭ ‬إلا‭ ‬الظاهر‭ ‬واليسير،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬عن‭ ‬مكامن‭ ‬الروح،‭ ‬وخلجات‭ ‬النفس،‭ ‬الكثير‭.‬

ولكنها‭ ‬حينما‭ ‬برمت‭ ‬بكل‭ ‬هذا،‭ ‬وقررت‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬البحتة‭ ‬إلى‭ ‬الأفعال‭ ‬الجادة،‭ ‬ومن‭ ‬الأفكار‭ ‬المجرّدة‭ ‬إلى‭ ‬التجارب‭ ‬العملية،‭ ‬ومن‭ ‬المقولات‭ ‬الإنشائية‭ ‬إلى‭ ‬العلوم‭ ‬الرياضية،‭ ‬ظهرت‭ ‬منجزات‭ ‬الحضارة‭ ‬بأبهى‭ ‬شكل،‭ ‬وتنوعت‭ ‬سبل‭ ‬العيش‭ ‬بأفضل‭ ‬صورة،‭ ‬وباتت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والحاجات،‭ ‬وما‭ ‬يروق‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬العدد‭ ‬والآلات‭.‬

ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬والكتابة،‭ ‬ولا‭ ‬زهدت‭ ‬بالأدب‭ ‬والفن،‭ ‬بل‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬ترشيد‭ ‬هذه‭ ‬الملكة،‭ ‬وتطويعها‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬والأفكار‭ ‬العظيمة‭.‬

وما‭ ‬زال‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬بقي‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬غير‭ ‬صناعة‭ ‬الكلام‭ ‬المنمّق،‭ ‬ولا‭ ‬يتقن‭ ‬إلا‭ ‬تدبيج‭ ‬الخطب‭ ‬الرنّانة،‭ ‬ولا‭ ‬يُحسن‭ ‬سوى‭ ‬التلاعب‭ ‬بالألفاظ،‭ ‬ولا‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الضعف‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬الشعوب،‭ ‬والفقر‭ ‬الذي‭ ‬تقبع‭ ‬فيه‭ ‬الأمم،‭ ‬والموت‭ ‬الذي‭ ‬يُساق‭ ‬إليه‭ ‬الملايين،‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬الزيف،‭ ‬وغلبة‭ ‬الباطل‭.‬

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتوقع‭ ‬أي‭ ‬تقدم‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬أو‭ ‬إصلاح،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نتأمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النزاعات،‭ ‬والمشاكل،‭ ‬والحروب‭.‬

ومثلما‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬النخلة‭ ‬غير‭ ‬التمر،‭ ‬ولا‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الأناناسة‭ ‬سوى‭ ‬الأناناس،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نأمل‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يُخلِص‭ ‬للحقيقة،‭ ‬ويسعى‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الحصول‭ ‬عليها،‭ ‬ولا‭ ‬ينشغل‭ ‬بالتدليس،‭ ‬أو‭ ‬ينخرط‭ ‬في‭ ‬الأوهام‭. ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭.‬

وهو‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬فعل‭ ‬ذلك،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أمم‭ ‬متحدة‭ ‬أو‭ ‬مجلس‭ ‬أمن،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬سيخلق‭ ‬الدعة‭ ‬والسلام‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬دونما‭ ‬حاجة‭ ‬للغير‭.‬

فهل‭ ‬يتحقق‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام؟‭ ‬ويتحوّل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬نبتة‭ ‬خضراء‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سوى‭ ‬الصدق،‭ ‬والأمانة،‭ ‬والحقيقة؟‭ .‬