أدباء في الذاكرة

أدباء في الذاكرة

كاظم الدجيلي باحث وشاعر ودبلوماسي

 باسم عبد الحميد حمودي

  يعد الشيخ كاظم الدجيلي واحدا من مبدعي العراق الحديث الذين لم تنصفهم اقلام الباحثين  الا القليل منهم , ومن القلة النادرة التي اهتمت بحياة ونتاجات الدجيلي الاساتذة : روفائيل بطي وعبد القادر البراك ود. علي جواد الطاهر وجعفر الخليلي  رحمهم الله .

والدجيلي شاعر ملهم وباحث مهم في التراث الشعبي العراقي وصحفي ومحام ودبلوماسي وكاتب للرواية وللاوبرا وصاحب مجلس أدبي يشارك مجلس صاحبه أنستاس ماري الكرملي في الحيوية والنقاش الفكري الموسوعي .لكنه -مع ذلك لم يجد العناية اللازمة به أديبا وباحثا وشاعرا مبدعا حتى يومنا هذا !

 ولد  الشيخ كاظم حسين عبد الله الدجيلي في سميكة ( الدجيل) سنة1884 وتوفى في فينا سنة 1970 بعد رحلة حياة حافلة بالعمل الثقافي والدبلوماسي والصحفي المشرق . في طفولته انتسب الى مكتب الملا اسماعيل في جامع الغنام في كرخ بغداد ثم سافر الى النجف ليدرس العلوم العربية والفقهية.

 يقول الاستاذ كاظم الدجيلي في رسالة بعثها الى د . يوسف عزالدين نشرها في كتابه(( شعراء العراق في القرن العشرين )) ما نصه : (صرت محررا للقسم العربي في جريد ة الارشاد ثم لجريدة الحقيقة وبعدها شريكا لمعروف الرصافي في تحرير جريدة بغداد , وفي سنة1911  أصدرت مع العلامة أنستاس الكرملي مجلة شهرية بأسم لغة العرب )  .

 في مجلة ( آفاق عربية) وفي الملحق الثقافي الذي كان يشرف عيه الاستاذ ماجد صالح السامرائي n عدد أيلول 1997- كتب العلامة د. علي جواد الطاهر مقالة تتحدث عن جهود كاظم الدجيلي في الادب والمسرح والسياسة حتى تقاعده عام 1948 , هنا يتسائل الطاهر عن مسودات كتب الدجيلي وعن نشاطاته بين 1948 و1970 ( سنة وفاته في فينا ) ويدعو الى دراسة شعره وأدبه وهو محق في ذلك تماما .

غادرنا الدجيلي بعد أن  كان نشطا في كل جانب  فقد أكمل دراسة الحقوق سنة 1923 ,وعمل في تدريس العربية

في أكسفورد وكان مشرفا على تعليم الامير غازي بن فيصل الاول في كلية هارو بين عامي 28-1929وتعلم عدة لغات منها الفرنسية والفارسية أضافة الى لغته واللغة الفارسية  واللغة التركية , وعين موظفا في الخارجية العراقية وأضحى قنصلا  في القدس وباريس ولندن والقاهرة   والهند وموسكو وفينا وغيرها .

في لندن كتب رواية ( باشا بغداد) عن صراع الوالي العثماني مع سارة خاتون ( لم  تنشر ) وكتب قصائد متعددة نشر بعضها في الصحف العربية  البارزة ايامها وكتب مخطوطة اوبرا تاريخية, ولم يقدر لمؤلفيه أن يظهرا ,ولم تجمع دراساته المهمة في الفولكلور العراقي عن المدن العراقية القديمة وصناعة السفن وعن لهجة  بغداد العاميةومناقشاته مع ماسينيون التي نشرها في مجلة ( لغة ألعرب ) في كتاب حتى يومنا هذا .

  لكاظم الدجيلي مذكرات سياسية لم يطلع عليها كثيرون  ولا يعرف أحد اين أختفت منها فصول عن أشرافه على الامير غازي في لندن ومنهاعن أيام تمثيله العراق دبلوماسيا في القدس ,أذ يذكر نجدت فتحي صفوت وناصر النشاشيبي  أن رئيس الوزراء العراقي بين عامي 35-36  كان السياسي الكبير ياسين الهاشمي وأنه اتصل يوما هاتفيا بالدجيلي وطلب منه الحضور الى بغداد لامر هام  فغادر الدجيلي القدس الى بغداد سريعا ليقابل رئيس الوزراء فور وصوله . بدا الرئيس ياسين الهاشمي مبتهجا وهو يحاور القنصل الدجيلي ويقول له ان قضية فلسطين في طريقها الى الحل فقد وافق اليهود والانكليز على اعلان دولة فلسطين المستقلة عن الاحتلال والانتداب البريطاني  على تتألف الحكومة من70 بالمئة  من العرب و30 بالمئة  من اليهود شرط موافقة الزعماء العرب الفلسطينيين على هذه الصيغة , وقال الهاشمي للدجيلي ان مهمته اليوم أن يبذل قصارى جهده للحصول على موافقة مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني فلو وافق لوافق بقية الزعماء العرب وعندئذ ستتم لقاءات حثيثة بين كافة الاطراف وبرعاية بريطانيا والعراق لضمان الاستقلال وقيام الدولة الموعودة .

يقول الدجيلي أنه عاد من فوره الى القدس والتقى المفتي وابلغه بما توصل اليه الهاشمي مع الانكليز وأن موافقته على النسبة  بين العرب واليهود سترسم الطريق الى دولة فلسطينية مستقلة برعاية بريطانية – عراقية -عربية , ويقول الدجيلي أن المفتي رفض مناقشة الامر بحجة أن آل النشاشيبي سيأخذون في حينه زمام المبادرة  وستكون الدولة الموعودة تحت نفوذهم ولن يكون له ولا مجلسه دور فيها  , ويقول الدجيلي أنه الح كثيرا على المفتي دون جدوى وأنه ابلغ الهاشمي بالموقف  فقام الرئيس الهاشمي بدعوة المفتي لزيارة بغداد للتفاهم والحصول على ضمانات لكن مفتي فلسطين أعتذر عن زيارة بغداد وضاعت فرصة كا ن يمكن أن تضع الانكليز واليهود على المحك التاريخي لولا موقف المفتي .  من ذلك يتبين لنا أن للدجيلي تجربة سياسية مهمة في طيات العمل الدبلوماسي  وان لديه معلومات دونها دون أن يحصل عليها أحد والمظنون أنها بيد ولده ألأكبر (نبيل) . من جانب آخر فقد اشتهرت علاقة الدجيلي الرومانسية بألأديبة اللبنانية (مي زيادة) وصالونها الادبي بالقاهرة ,وكان له رسائل لها دون أن يراها حتى جاءت لندن للعلاج عام 1931 فزارت المفوضية العراقية لترى الدجيلي فاستقبلها محتفيا وأقام الوزير العراقي المفوض ( وهو القاص عطا أمين صاحب قصص الرؤيا ) حفل استقبال انشد فيه الدجيلي قصيدته التي مطلعها :

 سلام على مي سلام على مصر           سلام على صحبي بها أبد الدهر

 وكانت لقاءات جميلة وسريعة بينهما انتهت بعودتها الى القاهرة حيث شاءت ظروف عمل الدجيلي ان يأتيها دبلوماسيا بعد حين ويجدد اللقاء بمي زيادة ويلتقي عباس العقاد ويعقوب صروف وأحمد حسن الزيات والمازني وسائر عمالقة الادب والفكر في القاهرة .

 بعد رحلة طويلة نسبيا في العمل الدبلوماسي والنشاط الثقافي أحيل كاظم الدجيلي الى التقاعد عام 1948  فابتعد عن الاضواء وعاش- كما يبدو- في عزلة نسبية حتى رحل الى النمسا ليقضي بقية حياته هناك حتى انتقل الى الدنيا الآخرة عام 1970 فنقل جثمانه الطاهر الى وادي السلام حيث رقد هناك . في ختــــــام هذه المقالة القصيرة أكرر الدعوة للباحثين الشباب لأن يعملوا على دراسة حياة الدجيلي وأدبه وشعره ودراساته الفولكلورية فهو معين لاينضب من العطاء