إنفعالات إنسان وأحاسيس مبدع
احمد جبار غرب
بغداد
كنت اتابعه عبر مقالاته اليومية التي تصدر في احدى الصحف البغدادية كان اسلوبه شيقا يحفزك للقراءة دائما يبحث في عمق الاشياء ويحللها ويستكشفها انه مهتم بالجانب الفلسفي للأشياء والموجودات ..خضير هذا الشاب النحيل البنية عانى كثيرا من النظام السابق لأنه يبحث عن حرية تتيح له التحرك ضمن حيزه الابداعي والفكري ورغم ان افكاره الخلاقة والتي امن بها جعلته ضمن الرصد الامني والبوليسي للنظام فالقي القبض عليه وأودع المعتقل بسبب افكاره وكتاباته وفي خطوة جريئة قل مثيلها افتعل عملا تمثيليا غاية في الدهشة ويصب ايضا في صميم علم النفس الذي بحث فيه وهو (التمثل) فافتعل الجنون الى درجة جعلت السلطات ان تودعه في احدى المصحات الحكومية وهناك حاول اكمال مسيرته في الكتابة والقراءة واستطاع قراءة فطاحل العلماء والعبقريات الانسانية حتى اكتسب شخصية مستقلة من التفكير ورؤية متفردة في الانغماس ألفلسفي قرأ لفوكو وامن بطروحاته وماركس وعلي الوردي وطه حسين وادغارالن بو وكل رموز الثقافة والمعرفة مما خلق منه شخصية ذات بعد انساني ..وخضير انسان شفاف ومرهف الاحساس انسان بكل المزايا ..طيب القلب لكنه شرس في الدفاع عن ارائه وأفكاره ..كان وجوده في المصحة انبعاث حقيقي لولادة شخصية ثقافية موعودة بالخلق واستثمار التفكير الانساني ومغازلة الواقع بأيحائات غاية في الدهشة والابتكار مما جعل قرائه يعشقون كتاباته اضافة الى اكتنازه لمعلومات قيمة في كل مجالات الحياة …هذا المبدع والإنسان كان على موعد مع الم استجد وحزن انبعث عبر صورة تراجيدية ومن خلال يوميات حياتنا المليئة بالمدهشات ربما تجاوز حدود ألخيال والخيال احيانا يكون وحشا اذا استثير واستفز ليتوغل في مجاهل الاشياء ..احد اصدقاءه ومحبيه ومن الذين كانوا معه على اتصال وهو في القاهرة قبل ان يأتي الى بغداد .. تجمعهما الكتابة والصحافة ..اتصل به في احد الايام ليخبره بان هناك شخصا يريد مقابلته كونه من احد المعجبين بكتاباته وأفكاره وان هذا الشخص يرقد في احد مستشفيات بغداد ويعاني من جلطة دماغية قد تطيح به في اي لحظه تقبل الكاتب المبدع الفكرة ورحب بها من منطلق انساني نبيل وكونه يهتم بردود افعال القراء وانفعالاتهم ازاء كتاباته وإذا ما علمنا ان المعجب يعاني من مرض خطير وكان يمني النفس بمقابلة كاتبنا المبدع ..اتفق احمد صديق الكاتب خضيرميري على موعد للقاء هذا المعجب المريض وتحقيق رغبته سيما انه كان يتوق للقاء وربما يكون مدخلا لعلاجه ونحن نعلم ان العامل النفسي في العلاج عظيم جدا ..اتصل احمد بخضير لكن الهاتف مغلق وفي كل مرة يتصل يرى الهاتف مغلقا دهب احمد لمقابلة صديقه حيث يدرس في كلية الاداب قسم الدراسات العليا لكنه لم يجده حسب الموعد المقرر ..انتظر اكثر من ساعة سال طلابا وطالبات قالو له لا يوجد شخص بهدا الاسم ..عندها ذهب احمد خارجا من الكلية ولكن اتضح فيما بعد ان الكاتب كان قد سافر الى احدى دول الجوار لحضور احدى المؤتمرات الثقافية لكن احمد وحتى لا يضيع وقته هبائا ذهب الى الست هيفاء الباحثة النفسية في مستشفى بغداد والتي تراقب حالة المريض وسلوكه من الناحية ألنفسية وكانت انسانة متمرسة في عملها دءوبة وتعامل المريض بكل حنان واهتمام ومسؤولية كاملة وكأنه جزء من عائلتها وهي بالتأكيد صانت قسم التخرج وحافظت عليه ورغم كل تلك المعالجات والاهتمام وخلال يومين فقط توفي (ستار عبد الامير خضير) المصاب بالجلطة الدماغية وفقد امنية عزيزة عليه في ان يلتقي كاتبا احبه من اعماقه وتشرب بمعلوماته الفكرية ألغزيرة دمعت عينا احمد وتألم كثيرا احس ان خافقا في احشائه ينبض بقوة ويتصارع لما حدث لصديقه ستار لأنه كان صديقا وله معه مشتركات وقواسم من هموم وأفكار تجمعهم على مدى عقود من الانتكاسات والإرباكات التي مرت بها حياتهم.. مكث في المأتم لثلاثة ايام والذي اقيم في احدى الجوامع ..وبقى اثر الحزن طافحا على سيماه الى هذه أللحظة احمد لم يتصل بالكاتب خضير خشية ان يشعره بالألم وتأنيب الضمير لكنه في النهاية اتصل به تلفونيا وابلغه لما جرى لصديقه فشعر خضير بالحزن الشديد وطاله البكاء بسخاء حتى انه توقف عن الكلام لبكائه وهنا وجد احمد انه فعل شيئا ما كان يجدر به ان يفعله وان يكون سببا في آلام صديق له فأحس بالندم والحيرة وشعر بسلوك خاطئ اقدم عليه ولأجل ان لا يبقى الكاتب خضير متألما ومنزعجا من حال ربما يكون هو جزء من وفاة معجب وخشية الانهيار دبر احمد حكاية مفبركة ليخلص صديقه من معاناة الالم والحزن التي سادت الكاتب خضير فاخترع حكاية هي جزء من حياة الكاتب الشخصية لكي لا يحس ويستشعر الالم القاسي الذي انهمر عليه وكالمطر وهذه الصورة ليست من الخيال انما من خيال الواقع وكل صور الواقع تدهشنا بإحداثها ولأكنها لا تغيير من الحقيقة شيئا ..حقيقة ان الخيال يساوي نصف الحقيقة التي نطاردها.
























