حضارة الملوك – نورهان شيراز

نورهان شيراز

يمتد عمق الحضارة الآشورية، التي كانت عاصمتها مدينة النمرود الأثرية الواقعة قرب مدينة الموصل حالياً، إلى آلاف السنين. يُعد الآشوريون من الأقوام السامية التي هاجرت من الجزيرة العربية وسكنت بلاد ما بين النهرين في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. وقد خضعوا في بادئ الأمر للمملكة الأكدية وسلالة أور الثالثة، ثم ظهر فيهم ملوك أقوياء في الألف الثالث عشر قبل الميلاد، استطاعوا تكوين دولة قوية توسعت في جميع الاتجاهات، وكان من أبرز ملوكهم الأوائل شمشي-أدد (1753-1721 ق.م).

بعد سقوط بابل، التي كان أشهر ملوكها حمورابي، انتعشت الدولة الآشورية مجدداً واتسعت رقعتها، حيث قام الملك شلمنصر الأول (1273-1244 ق.م) ببناء عاصمة جديدة أطلق عليها اسم “كالح” أو “النمرود”، والتي أُنشئت على أنقاض مستوطنة صغيرة يعود تاريخها إلى أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. لكن المدينة أُهملت بعده حتى جاء الملك آشور ناصر بال الثاني، الذي قام بإعادة إحيائها. قبل تدميرها وتجريفها على يد عصابات “داعش” بعد عام 2014، كانت مدينة كالح تحتفظ ببقايا أثرية شاهدة على تاريخها العريق، وأعمال ملوكها البارزين، ومنهم آشور ناصر بال الثاني (883-859 ق.م)، الذي قام بتجديد المدينة، وبنى مسناة من الحجر المهندم على نهر دجلة، بالإضافة إلى قصر فخم يعد من أهم البنايات الآشورية. وقد زُين القصر بألواح كبيرة من الرخام المنحوتة نحتاً بارزاً، تمثل مشاهد للملك أثناء الصيد. كما عُثر له على مسلة من الحجر الأصفر منقوشة بالكتابات المسمارية، توثق إنجازاته خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه.

أعقب هذا الملك ابنه شلمنصر الثالث (858-849 ق.م)، الذي قام بأعمال عمرانية كبيرة، فضلاً عن إنجازاته العسكرية، وأهمها إكمال بناء الوقورة والمعبد الذي شيده والده، كما بنى قصرًا في الزاوية الجنوبية الشرقية للمدينة خارج تل النمرود. وظلت كالح عاصمة للملوك الآشوريين حتى عهد تجديد نينوى، حيث شُيدت فيها عدة قصور ومعابد على أيدي ملوك مثل أدد نيراري الثالث (809-782 ق.م)، وتغلات بلاصر الثالث (745-727 ق.م)، وسرجون الثاني (721-705 ق.م)، وأسرحدون (680-669 ق.م). لكن المدينة سقطت عام 614 ق.م على يد الميديين، وقد كشفت التنقيبات الأثرية عن بئر مليء بالهياكل العظمية، ما يدل على حجم الدمار والقتل الذي تعرض له سكانها.

تقع أطلال مدينة كالح على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بُعد 37 كم جنوب شرق مدينة الموصل. وقد أنشئت كعاصمة آشورية عام 883 ق.م على أنقاض مدينة أقدم بناها شلمنصر الأول في القرن الثالث عشر ق.م. شهدت المدينة حملات تنقيب أثرية مهمة، حيث عمل السير هنري لايارد في المنطقة بين عامي 1845 و1851، وركز على القصر الشمالي الغربي لآشور ناصر بال الثاني، حيث اكتشف العديد من المنحوتات البارزة. كما قام هرمزد رسام بالتنقيب في معبد نابو ومعابد أخرى في 1853 و1878. وفي عامي 1854-1855، أجرى السير وليم كينت لوفتس تنقيبات في القصر الجنوبي الشرقي، حيث كشف عن كميات كبيرة من العاجيات. وتواصلت البعثات الأثرية، حيث عادت بعثة بريطانية بين 1949 و1963، وكشفت عن الحصن العلوي، الذي أدى إلى تحديد المخططات العمرانية للمدينة، وعثرت على مجمع حصن شلمنصر، الذي شُيد في منتصف القرن التاسع ق.م. وقد اكتُشف فيه عدد كبير من المنحوتات البارزة والتماثيل، بما في ذلك الثيران المجنحة، التي نقلت إلى المتحف البريطاني، بينما لا يزال الكثير منها مدفوناً تحت الأرض.

كشفت التنقيبات أيضاً عن قطع عاجية رائعة، من بينها وجه الفتاة من النمرود، المعروف بـ”موناليزا النمرود”، وقطعة تمثل لبؤة تفترس رجلاً نوبياً، مطعّمة بالأحجار الكريمة والذهب. إلا أن أهم الاكتشافات كان عام 1975، عندما عُثر في أحد الآبار على عمق 26 متراً على أكثر من مئة قطعة عاجية ثمينة، استخدمت في تزيين الأثاث الملكي والخيول والعطور والحلي، ما يدل على التطور الفني الآشوري.

أما أبرز الاكتشافات التي أذهلت الأوساط العلمية، فقد جاءت بين عامي 1988 و1992، عندما تمكنت الهيئة العامة للآثار والتراث من الكشف عن أربعة مدافن ملكية داخل قصر آشور ناصر بال الثاني، احتوت على 650 قطعة أثرية ذهبية تعود للفترة الآشورية. وفي عام 2004، تعاقدت وزارة الثقافة العراقية مع شركة دنماركية لإقامة معرض متنقل لكنز النمرود الأثري في 12 متحفاً أوروبياً وأمريكياً مقابل 6 ملايين دولار. لكن بسبب الظروف الأمنية، لم يُنفذ الاتفاق، وتبين لاحقاً أن الشركة غير موثوقة، مما دفع العراق لإلغاء الاتفاقية في عام 2011. لاحقاً، رفعت الشركة دعوى تعويض ضد العراق في محكمة التحكيم الدولية بباريس، مطالبة بمئة مليون دولار، إلا أن العراق نجح في كسب القضية في 10 يوليو 2015، بعد جهود قانونية مكثفة.