قراءة في كتاب حالة ما بعد الحداثة

سالم يفوت

حالة ما بعد الحداثة ؛ بحث في أصول التغيير الثقافي – لـ ديفيد هارفي

“هو نص لافت ربما غير اعتيادي بغناه وعمقه في آن. قليلة باتت الأعمال التي تبهر المثقف الجاد، ومن دون أن يكون بالضرورة متطلباً. ولعلها سمة عصر ما عاد يملك الصبر والوقت والأدوات، وربما الاهتمام أيضاً، أو لعلها الكلمة نفسها بما هي عقل وتفكر قد أخلت مقدمة المسرح للصور وعصر الصور. كتاب ديفيد هارفي “حالة ما بعد الحداثة” هو من بين الأعمال الجادة القليلة تلك.
صدر الكتاب في الولايات المتحدة قبل بضع سنوات، ثم أعيد طبعه سنوياً، ولمرتين أو ثلاث في السنة الواحدة أحياناً، وأثار منذ صدوره ولا يزال عدداً من النقاشات وردود الفعل التي ذهبت أو تذهب ذات اليسار وذات اليمين. إلا أن الكتاب وفي كل الحالات، أي موضع تقدير يبلغ حد الإجماع.

تيبولوجياً، يقدم الكتاب توثيقاً غنياً شاملاً لحقبة ما بعد الحداثة على مستوى الأنواع والنتاجات والاتجاهات وربما النتائج كذلك. ويغطي ذلك حقولاً عدة، منها الاقتصاد والاجتماع والفلسفة والعمارة والسينما والرسم. لكن الجديد في هذا التوثيق أن العمل لا يجري من الخارج، وإنما من الداخل، بل من موقع المشترك والفاعل الإيجابي، وإن يكن على مسافة نقدية كافية.
علمياً، يتسم المنهج، وكذلك اللغة، بالشمول من جهة وبالموضوعية العالية من جهة ثانية. فالمدارس والاتجاهات والأفكار كافة إنما يجري توثيقها أولاً، وبحسب مصادرها ومراجعها وأبرز ممثليها، ثم يجري تحليلها ونقدها. ولا تنـ. جو من التحليل والنقد الصارمين مدرسة أو اتجاه أو فكرة، حتى أفكار المؤلف نفسه.

وبعد، فالكتاب، كمضمون، يقدم مادة هي من الجدة بحيث يصعب العثور، ربما، على ما يماثلها أساساً، كما أنها من التنوع وبالمقدار الذي يصعب أن تجده في عمل واحد. وإلى المضمون، فالكتاب درس أو دروس تطبيقية في تقنيات التحليل والنقد والممارسة الثقافية عموماً.”