كتاب “المحلية العربية” ..اللِّسان العربي والثيمات المحليَّة في الشعر العربي الحديث

د. فرج الحطاب*

فرج الحطاب

في كتاب “المحليَّة العربية: الثيمات المحليَّة في الشعر العربي الحديث”، الصادر عن ديوان محافظة البصرة سنة 2024، يناقش المؤلف ناصر الحجَّاج مسألة الازدواجية اللغوية Diaglossia في اللغة العربية ومشكلة وجود لغتين في بيئة واحدة. وتُعد هذه المسألة نتيجة مباشرة لعملية ضبط كتابة القرآن الكريم وفق منهج النَّحو الذي صاغه النحاة الأوائل، كما في كتاب سيبويه “الكتاب”، حيث تشكّلت لغة جديدة للكتابة سميت اللغة الفصحى. وقد تشكّلت اللغة الفصحى من لغات عامية مختارة، مثل لغة قريش، وتم تدوينها وضبط حركاتها لتكون اللغة الأكثر فصاحة، وهكذا أصبحت اللغات المحليَّة الأخرى لغات هامشية وغير قياسية ومرفوضة. والمشكلة الأساسية اليوم هي “يتحدث العرب أحاديثهم اليومية كلّ بلحنه ولهجته، ولكنهم حين يريدون كتابة شعرهم ونثرهم وسائر مخاطباتهم، يعمدون إلى (تعريب) لهجاتهم، أي إنهم يعمدون إلى تغيير الكلام المحلي اليومي إلى ما يوافق القوانين النحوية” (ص 20). وقد أدى هذا النهج إلى تهميش اللغات المحليَّة Vernacular Languages، وبالتالي، القضاء على التنوع اللغوي الطبيعي للغة العربية.

وخلافاً للدراسات السابقة التي ترى بوجود “انقسام لغوي” أو صراع لغوي تقليدي بين اللغة العربية الفصحى واللهجات المحليَّة والمحكيّة العامة، يقلب ناصر الحجَّاج المعادلة التقليدية رأساً على عقب، ويحول هذا الانقسام والصراع اللغوي التاريخي إلى حالة إيجابية من الازدواج اللغوي بين العامية والفصحى تتضمن جوانب مهمة من التنوع الثقافي واللغوي. إذ يرى المؤلف أن “اللهجة المحليَّة” في البلدان العربية هي “لغة عامة” تميّز كل شعب من تلك البلدان، وتصبّ في روافد اللغة العربية الأم ويتشكل منها “اللسان العربي العام”، وهذا ما يفسر أن العرب يكتبون بلغة عربية واحدة في المشرق والمغرب، ويتحدثون بلهجاتهم المحليَّة المختلفة الخاصة في مجتمعاتهم وعائلاتهم. لقد ورث سكان هذه البلدان “لهجاتهم المحليَّة” على مر السنين من الأجيال السابقة في مناطقهم الجغرافية. ولا تختلف هذه اللهجات كثيراً عن اللغة العربية الفصحى التي وضعت قواعدها في وقت متأخر نسبياً وبعد نزول القرآن الكريم.

ناصر الحجاج

ويبدو أن هذه الدراسة تعارض المفهوم التقليدي والشائع للّغة الذي بدأ منذ 13 قرناً، مع بداية صياغة علم النحو. إذ تم آنذاك، استبعاد كل لفظ أو صيغة تعبيرية عربية من المدونات العربية، إلا ما كان يتبع قوانين النحو التوجيهي Prescriptive Grammar   المقتبسة من كتاب سيبويه، لذلك أصبحت “لغات العرب التي تشكل “لسان القرآن” لحناً، بمعنى “خطأ”، وصار على الشاعر أن يلتزم بقوانين النحو، بدلاً من اعتماد “لسان قومه”، ولهذا ترى الشعراء من عصر الأخفش (755-830 م) وحتى آخر “مدقق لغوي” في عصرنا الحالي، سلموا أمرهم لسطوة النحاة” (ص 17).

يحاول مؤلف الكتاب استخدام حقل اللسانيات الجغرافية لتحليل العناصر المحليَّة للعمل الإبداعي الشعري، ودراسة أعمال عدد من الشعراء العرب الذين نجحوا في توظيف محليات بلدانهم وشعوبهم في الشعر الحديث والمعاصر. إن نجاح بعض شعراء اللغة العربية الفصحى في استخدام مفردات “اللغة العامية”، يمثل خروجاً واضحاً عن القواعد النحويّة. وهذا يسلط الضوء مرة أخرى على أهمية الشعر والشعراء، فهم حراس اللغة من ناحية، -ومن ناحية أخرى- هم أكثر الأفراد كفاءة في تطويرها وإدامة عملياتها الحية. لقد تجرّأ “الشعراء العرب المحدثون على إدخال ثيمات محلية تظهر جليّة في استعمالهم اللهجة الدارجة” (ص 21). ومن بين الأمثلة الواضحة على ذلك، التوظيف الذي قام به الشاعر العراقي بدر شاكر السياب لمفردة “خِطِيّة”، وكذلك استعمال الشاعر السوري أدونيس مفردة “مِتلبِّك”، وغير ذلك من الأمثلة. وهكذا، يبدو استخدام العامية في الشعر العربي الفصيح نوعاً من تبني “الثقافة المحليَّة” كقيمة جديدة للنص الشعري، علاوة على إضافة دلالات لغوية جديدة ومهمة تثري البنية اللغوية والصورة الجمالية للقصيدة.

ويتضمن تطبيق تحليل الخطاب على دراسة “المحلية” في الشعر، تحليل طريقة توظيف الثيمات المحلية في النصوص الشعرية لبناء المعاني والصور والمشاهد، ونقل المشاعر والتعبير عن السياقات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المحلي. ويتم هذا التحليل من خلال التركيز على الطرق التي يسلكها الشعراء في استخدام اللغة المحلية، وهي لغة الناس اليومية، أي اللغة غير الرسمية التي يتحدث بها الناس في منطقة ما أو في مجتمع معين. ويرى الكاتب أن فهم دلالات العناصر المحلية وصورها، يتم عن طريق تحليل الخطاب للغة المحلية في الشعر، مثل تحليل: اختيارات اللغة، الفهم السياقي، الهوية والمجتمع، نفوذ السلطة وحركتها، التمثيل الثقافي، التناص والإشارة، نمط الإيقاع والصوت، مشاركة الجماهير، وأخيراً تحديات الترجمة.

 ومن أجل مواجهة وحل مشكلة الازدواج اللغوي، يقترح المؤلف مفهوم “المحلية” لتطوير “لسان عربي” قياسي ومعاصر. تتكون قواعد هذا “اللسان العربي” المقترح من قواعد وصفية مستنبطة من تحليل ومعاينة لغات العرب المحلية، ويكون وسيطاً موحداً للغة العربية سواء في قواعد الكتابة أو قواعد الكلام، وهو ما يردم الهوة بين المكتوب والمحكي. ويلخص المؤلف هذه العملية بخمس خطوات أساسية هي: ١-عكس السمات المشتركة: حيث ستدمج هذه اللغة العناصر اللغوية المشتركة بين اللغات المحلية، لتكون وسيلة عملية وسهلة للتواصل والتعليم، والألفة بين الشعوب العربية. ٢- دمج التعبيرات الثقافية: وذلك من خلال تبني الشوارد Idioms والأمثال والتقاليد الشفهية، وهو ما سيساعد على إبراز التراث الثقافي للناطقين بالعربية. ٣- تبسيط القواعد، إذ سيقلل النهج الوصفي للنحو العبء المعرفي الناجم عن تعلم نظام مكتوب قديم ومنفصل عن الحياة اليومية. ٤- تعزيز الشمولية اللغوية: حيث سيؤدي الاعتراف باللغات المحلية ودمجها في السياقات الرسمية إلى القضاء على وصمة احتقار اللغات غير الفصحى، وإلى تعزيز المساواة. ٥- الإملاء المعاصر والتهجئة والانسجام بين الألسن: إذ سيؤدي تبني المحلية إلى الكتابة بالحروف الإضافية خارج ال 28 حرفاً التي قيدت الأبجدية العربية نفسها بها (لأجل ضبط حساب الجمل Numerology  في التنجيم والأبراج وقراءة المستقبل) وبهذا ستكتب الصحافة بحروف تناسب الأصوات الأجنبية لأسماء الأماكن والأعلام والماركات والشركات التجارية وأسماء الأدوية والأمراض وغيرها من المفردات التي تحوي حروفا خارج الأبجدية مثل:  پ چ ڤ گ.

يتكون الكتاب من مقدمة وبابين “بأربعة فصول”، وخاتمة. ومن أهم ما تضمنه الباب الأول هو: تطور الفهم التاريخي لمعنى “المحليَّة” وبعض الموضوعات المحليَّة التي اعتمدها الشعراء العرب في قصائدهم، وخاصة رواد الحداثة في الشعر العربي كالسياب وأدونيس وقباني، وعبد الصبور، والبردوني، وغيرهم. كما تناول في الباب الأول نماذج لثيمات مختلفة، بما في ذلك استخدام اللهجات المحكية لشعراء عرب من بيئات مختلفة -العراق وبلاد الشام، واليمن، والسودان ومصر والمغرب العربي- من خلال ثيمات الأغاني الشعبية والأمثال الدارجة والمعتقدات والأساطير المحليَّة في عدة مجتمعات محلية عربية. وفي الباب الثاني، ومن أجل اقتراح الآليات والأدوات النقدية المناسبة لقراءة الثيمات المحليَّة في الشعر العربي وإدراك قيمتها الفنية والدلالية من خلال تحليل خطاب النقد العربي كما عند عبد الرحمن بن خلدون ودوره التمهيدي في علم اجتماع اللغة، وكذلك في تحليل الخطاب الريادي للمستشرقين الأوربيين، ثم تحليل دعوة اللسانيين العرب إلى استعادة العلاقة الإيجابية بين اللهجات العربية واللسان العربي في المصالحة بين اللغة الفصحى والعامية.

وفي الختام، نخلص إلى أن مفهوم “المحليَّة” Vernacularism هو من بين أهم القضايا التي أثيرت في هذه الدراسة، ويشكل إضافة مهمة في حقل الدراسات اللسانية العربية والنقد. فمفهوم “المحليَّة” هو الضد النوعي للعولمة كمظهر من مظاهر الهيمنة الثقافية، ولم يتم التطرق إليه سابقاً، لا في حقل الدراسات اللسانية ولا في حقل النقد الأدبي. ومن ثم، تبدو المحليَّة نزعة إنسانية لدى الأدباء والشعراء والفنانين العرب، تقوم على “توظيف المحليات المختلفة في العمل الأدبي أو الفني، بهدف تأكيد الذات، والوجود الإنساني ضمن التنوع الثقافي” (ص438). بالإضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الكتاب هو في الأصل أطروحة دكتوراه أُجيزت من المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية.

*كاتب وأكاديمي عراقي مقيم في أمريكا