القضائي والسياسي في قضية الهاشمي
عــادل البيــاتي
يُصرّ نوري المالكي، وأتباعه ومناصريه من القوى الموالية لإيران، أنّ قضية التهم الموجهة إلى نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بالتورّط في قضايا إرهابية، هي ليست سياسية، وإنما مسألة قضائية ، ويجب أن تُحسم في إطار القضاء، دون تدخل من أحد، وأنه إذا كان طارق الهاشمي متأكداً من براءته فليحضر أمام المحكمة ويدافع عن نفسه. ربما تبدو المسألة لمن لايعرف كوامن الأمور في العراق الجديد، أنها كذلك، وأن على الهاشمي إن كان بريئاً، أن يواجه القضاء النزيه بشجاعة ويدافع عن نفسه، ولكن في الحقيقة، لا أحد منصفاً يلوم الهاشمي إن هو نأى بنفسه عن هذه المكيدة أو الفخ المنصوب لتصفيته، في إطار مخطط لتصفية كل الرموز العربية السنية، بدليل القضايا التي أثيرت قبله ضد محمد الدايني وبعده ضد عدنان الدليمي ومحمود المشهداني وإتهامهما بالأرهاب والقائمة مستمرة.. ولن تنتهي حتى يشفى غليل المالكي من خصومه . قضية الهاشمي إبتدأت إعلامياً يوم 17»12»2011 حين أعلنت أجهزة إعلام حكومة المالكي عن تورط الهاشمي وحمايته بإرتكاب جرائم إرهابية على مدى ثلاث سنوات سابقة، بلغت 50 جريمة، وأن حمايات الهاشمي أعترفوا أمام القضاء بإرتكابهم تلك الجرائم بعلم وتحريض من نائب رئيس الجمهورية. وقامت الفضائية الحكومية العراقية ببث إعترافات متلفزة لعدد من أفراد حمايات الهاشمي. ورغم اعتراض بعض القضاة على الاعترافات المتلفزة كونها تعدّ تدخلاً في عمل القضاء، واستباقاً لإجراءات المحاكمة، وتأليباً للرأي العام ليكون عنصر ضغط مضاف على إنسيابية المحاكمة بل وشهد عدد من المحافظات الشيعية تظاهرات قيل أنها شعبية تطالب بإعدام الهاشمي، وهذا نتاج مؤكد لعملية الشحن الطائفي التي يمارسها مبرمجو تلفيق هذه القضية التي تُهين سمعة القضاء العراقي.
الهاشمي غادر بغداد رسمياً بطائرة حكومية، متوجها الى كردستان، حيث حظي بحماية من رئيس الجمهورية جلال الطالباني المقيم بالسليمانية، ثم انتقل الهاشمي للسكن في أربيل عاصمة كردستان بحماية مسعود البارزاني رئيس الإقليم، ورفض الهاشمي المثول أمام القضاء ببغداد لإقتناعه بأن القضاء لم يعد حراً ومستقلاً وإنما بات تابعاً ذليلاً للسلطة الدكتاتورية المركزية، وأنه لايضمن المحاكمة العادلة، وطلب نقل محاكته إلى كردستان العراق، أو إلى كركوك الخاضعة لسلطة الحكومة المركزية، لكن طلبه رفض بشدة من لدن حكومة المالكي والسلطة القضائية المسيرة منها، رغم أن القانون أتاح له هذا الحق في أحوال وظروف تنطبق على حالته.
إن قضية طارق الهاشمي قضية سياسية بإمتياز، وإن سحب الصفة القانونية عنها يعود لعدة أسباب منطقية هي
أولا إن القضية أثيرت مرة واحدة، رغم أن أحداثها تمتد إلى ثلاث سنوات، واعترف المالكي علناً أنه يمتلك الوثائق منذ ثلاث سنوات، وهذه بحد ذاتها تشكل شبهة بل تهمة توجب مسائلة المالكي قضائياً لتستره على جرائم إرهاب وعدم إبلاغ القضاء بها إن كانت فعلاً كذلك.
ثانياً التغافل عن كون طارق الهاشمي ما زال رسمياً يمتلك سلطات نائب رئيس الجمهورية لأن البرلمان لم يصوّت على عزله من منصبه. وبالتالي فإن نائب رئيس الجمهورية هو موظف في الدولة العراقية ، وأن قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي النافذ لايجيز إحالة موظف للمحكمة إلا بموافقة مرجعه، ومن المعلوم أن مرجعيته هي رئيس الجمهورية، الذي تدل تصرفاته على عدم موافقته على إحالة نائبه للقضاء.
ثالثا التغافل عن أن نائب رئيس الجمهورية بالأصل هو نائب منتخب من الشعب العراقي، وحاز أصواتاً تفوق أصوات المالكي، وأنه لذلك يتمتع بحصانتين الأولى نيابية، والثانية دستورية.
رابعا التغافل عن الدستور الذي نص في مادته الـ 91 على أن المحكمة الأتحادية العليا هي المختصة بالنظر في الاتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية، ونائبه، وبالتالي فإن المحكمة هي المختصة بالنظر في قضية الهاشمي وليست محكمة الجنايات العادية، وبالتالي فإن محكمة تمييز العراق تدخلت بناء على طلب محامين الهاشمي وقررت تأجيل المحاكمة من يوم الخميس 3»5 الحالي الى يوم 9»5 للفصل في الطعن المقدم من المحامين بعدم الأختصاص.
خامسا إن مهزلة أرقام عدد القضايا المسندة ضد الهاشمي حسب بيانات الناطق بإسم القضاء وتصاعدها من 50 قضية في 17»12»2011 إلى 100 قضية بعد شهر، ثم إلى 150 قضية وبعدها إلى 200 قضية، وفي يوم المحاكمة صرح الناطق القضائي بأن عدد القضايا وصل إلى 300 قضية وهذا التصاعد أو التصعيد الخمسيني يثير السخرية ويعزز الشكوك في مصداقية الموضوع بأكمله. كما أنه كما يبدو وسيلة لتصفية الآلاف من القضايا المركونة في دواليب القضاء والمقيدة ضد مجهول .
سادسا الهاشمي أعلن صراحة، وهو الخبير بما يجري داخل السجون والمعتقلات العراقية من فنون التعذيب والقهر لإنتزاع الإعترافات من خلال زياراته العديدة، أعلن أنه لايثق بقضاء بلاده، ويخشى على حياته، وأنه ينظر بريبة حيال مبادئ العدالة في العراق اليوم، خاصة بعد أن تأكد وفاة ثلاثة من حمايات الهاشمي أثناء التحقيق معهم في زنازين البلديات الشهيرة.
والخلاصة، فإن قضية الهاشمي هي واحدة من أبرز مكونات الازمة السياسية المستفحلة في العراق والتي لا تزال مستعرة حيث يتهم رئيس الوزراء نوري المالكي خصومه السياسيين بالخروج على الدستور، ويلفق من خلال أتباعه، التهم جزافاً ضدهم من أجل التسقيط السياسي وإخلاء الجو له لولاية ثالثة ورابعة وربما خامسة، لأنه قال بصراحة نحن أخذناها… ولن نعطيها .
كاتب وأكاديمي من العراق
/5/2012 Issue 4193 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4193 التاريخ 7»5»2012
AZP07






















