زمن أزرق قراءة في رسومات خالد ستار
حكايات تنهمر من أعلى فضاءات اللوحة
أحمد محمّد أمين
أقولُ دوماً اللوحة ُ قصّة ٌ تجيء من أقاصي الخيال، وذات حضور ساخن.
فمثلما يستقدمُ القصّاصُ شظايا حوادث هبائية يُخضعها لمنطق الواقع والحلم، فالرسامُ لكذلك يستجمعُ في واعيته بقايا صور التقطها من هنا وهناك، فيُريقُها على مسطح اللوحة مشحونة بالجنون والمهارة. والرسمُ الحداثي يأبى أن ينقلَ مادته بلغة الكاميرا وبمكيالها وآليتها. ومثلما يكون في مُكنتنا قراءة القصة بأشكالها الطويلة والقصيرة، الحُلمية والواقعية يُمكننا أنْ نقرأ اللوحة التي تثري باصرتنا كأنها قصّة تتوفّرُ لها جدلية القصّ بمعاييرها الفنيّة التي تنطوي عليها. وإذ أقرأ بعضَ لوحات الفنّان الكردي خالد ستار مسيرته من مبتدئها حتى الآن.
بدءاً كان التخطيطُ بالقلم الرصاص والحبر، إبانئذ ٍ كانت ضرباته قوية ً ذات إيقاع يتسم بالمهارة والدقة والوعي بمستلزماتها. تُعنى بالتفصيلات. فانْ رسم شخصاً يمنحك كلّ آدميته الجسدية والحسّيية والجمالية. من شعر الرأس حتي قُلامة أظافره وتجاعيد جلده والغضون المتراكمة على جبينه. بل يتجاوزُ هذا الى رسم الألم والحزن والسخونة والإنكسار والتعب والوجع. انه لا يرسمُ كائناته بمعزل عن مُعاناتها. بل يتضافرُ فيها الشكلُ والمظهرُ والمشاعر سلباً وايجاباً.
في سبعينيات القرن الماضي أريتُ تخطيطاته الفنانين محمد راضي عبد الله وعبد الغفار مال الله في البصرة، فانبهرا بها، قال أحدُهما انّه يتفوّقُ في رسوماته التخطيطية هذه على أغلب الفنانين الكبار.
جبال كردستان
ظروف خالد ستار العائلية والإقتصادية حالت دون دراسة الفن أكاديمياً. بيدَ أنّه تعلم بنفسه فبلور قدراته الإبداعية بوعي وصبر. منذئذ ٍ لم يعد الرسم هواية، بل خبرة ً وحياة ً. فرسم مُعاناة العراقي من أقصى أقاصي جبال كردستان حتي حقول الملح في الفاو. كان العراقيون، ولا سيّما الأكرادُ مُضطهدين وجائعين ومقهورين موتى وهم أحياء. فطالهم الطوفانُ الديكتاتوري العنصري الذي جوّعهم وهجّرهم وأهان أدميتهم وأحرق مدائنهم ودفنهم آلافاً آلافاً وهم أحياء. عاش خالدٌ في كنف هذه الجحيم والإبادة فرسم الموت والجوع والحزن والمقابر واليتامى والأيامى والفقراء.كان الإنسانُ بكلّ همومه وأوجاعه مضامينَ رسوماته. هنا كان واقعيّاً وانطباعياً لكنْ ضمن معايير الفن الصارمة. فمثلما يُصوّرُ القاصُّ شخصيات قصصه وفق معيار نفسي واجتماعي فانّ رسومه تُمكنُ قراءتها كما لو نقرأ قصّة. وحين يتألم الرسّامُ، ومهما كانت أدواتُه الفرشاة، أوالقلم والعود والمزمار والأداء الجسدي فان مشاعره تبينُ في عمله.تعالوا معي نفتح صفحته الألكترونية، ولاحظوا لوحاته التي أنجزها في الثمانينيات ومبتدأ التسعينيات من القرن الماضي تروا كائناته مثقلة ً بالمُعاناة. انه يرسُمُ الحزن في الوجه والعينين، والرعشة في الأصابع. الفنُ الأصيل لايُعنى بالشكل وحدَه، بل يتوغّلُ في السلوك والتصرف ويُرينا قاع الذات البشرية بكلّ ألغازه المُغلقة.. خالد ستار رسامُ المشاعر والعواطف يُمسكُ بزمام البكاء والفرح والتعب والغضب والكره والحبّ. فليس من دأبه أن يُقدّم كائناته بهامشية عابرة. وفي وسع قاريء لوحاته سبرُ قاع شخوصه المُتخم بركامات احباطاته.
ومن سمات أسلوبه إنه لا يستقرُ على وضع فنّيّ محدود، فلا بدّ أن يُغيّر ويتغيّرَ وفقاً لدينامية الزمن. كما الحالُ مع القصّاص الذي لا ينبغي أن يكتب بايقاع النفس الخمسيني من القرن المنصرم. انه في العقد الثاني من القرن الجديد يمرّ بتحولات حداثية جذرية. فالرسمُ، اذن، مع سائر الفنون الإبداعية، يحثّ خطاه مع الزمن الجديد، ويغترف من معطياته المستقبلية. لذلك خرج خالد من دهاليز الحزن والألم والمُعاناة الى فضاء المُخيلة الموغلة في الحداثة، فبنى عمائر ومنائر وشموساً وأقماراً ودروباً وقِبباً في وضع هندسي يعتمدُ المربع والمثلث والمستطيل والدائرة يُشيّد بها تفصيلات لوحاته. انّه الآنَ تكعيبيّ وسريالي وتعبيري وتجريدي وواقعي. فليس بين هذه الإيقاعات الفنيّة فواصلُ، بل تتشابكُ وتلتقي وتتصل في صميمية وحميمية.واللونُ والخطُ الهندسي سيدا اللوحة.كما أن المنحنيات والإلتواءاتُ تكاد تنعدم فيها.خالدُ في رسمه الجديد خارج الذات والزمن. يجتابُ حقول أحلامه الخالية من الأعذبة. فليس من مصلحة الفنّان أن يأسن في مرحلة لا يتجاوزها الى سواها. التغييرُ لا بدّ أن يكون شغله الشاغل. ليغترف من مستجدات آفاقه الرحيبة.
وامامي لوحة ٌ سميتها» قصة زرقاء» منشغلة ٌ بدينامية وضعها الوصفي الحكائي والزماني والمكاني، مُرصّعة ٌ بكائنات صفر وحمر وخضر وزرق تبدو على سطحها مثل اشارات لها موحياتها الجدلية ودوالها التي تُمكنُ قراءتها وفقاً لمنظور كلّ أحد.اللوحة ُ منقسمة ٌ طولاً، ثلثان في الأعلى وثلثٌ في الأسفل.يبدو الثلثان العلويان كما لو كانا حيّاً من أحياء مكان ما أومسرحاً له عمق ٌ ينطوي على ديكوراته وأضوائه. وثمة َ عمودان يرتفعان بموازاة بعضهما يصلان قريباً من السقف وفوقهما لوحٌ يقف عليه شخص ربّما كان عاملاً أو ممثلاً يؤدي دوره.وعلى جانبي العموودين أربعة ُ سلالم خشب وكذا اثنان في الثلث الأسفل من اللوحة. ترى لأيّ غرض ستُكرّس؟ وعلى الميمنة فتحة ٌمربعة مضاءة ٌ من الداخل يتمرأى من خلالها جدارٌ، أو ستارة زرقاء باهتة.وفي أقصى اليمين ثلاثة ُاسيجة ٌ» أصفر وأخضر وأزرق» مشوبة ٌ ببياض خفيف.أمّا الثلثُ السفلي فمنقسم الى نصفين عريضين يفصلُ بينهما فاصلٌ أسود أشبه برصيف يعلوه جمعٌ بشري، فالذين في الوسط تبدو قامتهم الصفراء أعلى ممّن يقفون على الميمنة والميسرة يراوحُ لونُهم بين الأزرق والأخضر.وأتساءل لمَ تجمعوا هنا ، أتظاهرة ُ احتجاج هي، أم مسيرة ٌ طائشة أم حضورعشوائي؟
حين تتطلعُ عن بعد الى كائنات ذي اللوحة المبعثرة قصداً أوعبثاً تحسّ بانطوائها على عالم ضاج ٍّ، والضجيجُ لا يُسمعُ بل تراه في أصوات المطارق والبشر الظاهرين والمستورين ورفيف الستائر والموسيقى التي تظهرُ آناً وتختفي آناً.
حتماً، هي قصّة ٌ تفصيلاتُ هذه اللوحة، وساُسمّيها» قصّة ٌ زرقاء» ففي أعلى العمودين يقوم أحدُ الممثلين بأداء دوره في البروفات الأخيرة، ومن مكان ما غير مرئي يجلسُ المخرجُ ومساعدوه فيوصلون اليه تعليماتهم بطريقة ما. بينما تصدحُ وتنبعثُ الموسيقى من مكان لا نراه. تلاحق حركة الممثل. لكني استغربُ وضع السلالم بألوانها الأحمر والأزرق وأطوالها المختلفة وأوضاعها المبعثرة. ومن مكاني أرى الحياة تموج، خلل الجدران والستائر والسلالم والغيمة التي تتشققُ عن برق ورعد، والماء الذي يُغطّي أرضية الثلث العلوي، أنا في حيرة أيضاً كيف يُمكنُ تصنيفُ البشر المتجمعين في أعلى الثلث السفلي، لكنّ الجواب سرعان ما يتبدّى هم أيضاً ممثلون ينتظرون أداء أدوارهم عندما يسمعون اشارة من المخرج. واذ ترنو الى فضاء اللوحة ترى اللون الأزرق هو السيدُ السديد، وبقية الألوان تابعة ٌ له، لكنْ لها ضروراتٌ قصوى. بيدَ أن الأزرق متماه يتجلببُ بطبقات غامقة وباهتة وشفيفة أقرب الى البياض. كلّ أزرق مهما تفاوت وتماهى له شخصيته التى لا غنى عنها.
ههنا دنيا تتمرأى لك، تخوض مُرغماً في استيهامها وغموضها وعنفوانها وصخبها الذي تُمكنُ رؤيتُه بالعين،وتفسّره بمنظورك الثقافي الشخصي. ميزةُ اللوحة الحداثية أنّ تأويلها ليس اُحادياً، بل متنوعاً وفقاً لذائقة كلّ أحد. قد تختلف مع سواك، لكنك متفقٌ معه أيضاً، فكلاكما أمام دنيا، ولكلّ منكما فيها مآربٌ.
ويذهب بي الظنُّ أن كينونات ذي اللوحة هي شظايا حلمية رآها خالدٌ خلال عدة أحلام فحفظت ذاكرتُه خيطاً من هنا وخيطاً من هناك، فجمع تلك الخيوط لينسج منها هذه القصة المُلوّنة.
إذن، من حقّ خالد أن يخدعنا ويتحايلُ علينا ويُضللنا، غير أنّه في كلّ الأحوال منحنا متعة التأمل والنظر وأولج بنا الى عالم مخيلته.
/5/2012 Issue 4191 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4191 التاريخ 5»5»2012
AZP09























