غارات مدمرة على مدينة صور وصد اختراق بري في الجنوب

صور – بيروت- باريس -ا ف ب – الزمان
استهدفت غارات اسرائيلية مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان التي تضمّ مواقع أثرية هامة مخلفة دمارا هائلا في وسط المدينة، كما أفاد سكان وصحفيون. فيما أعلن حزب الله أنه اشتبك بالأسلحة الرشاشة والصاروخية مع قوات إسرائيلية حاولت التسلل إلى الأراضي اللبنانية الأربعاء، بعد مرور شهر على اتساع الحرب بين الجانبين. وقال الحزب المدعوم من إيران في بيان «أثناء محاولة قوة مشاة للعدو الإسرائيلي التسلل إلى الأراضي اللبنانية من جهة الأطراف الشرقية لبلدة عيترون، تصدى لها مجاهدو المقاومة الإسلامية … واشتبكوا بالأسلحة الرشاشة والصاروخية وأجبروها على التراجع إلى خلف الحدود». وضربت الغارات وهي من بين الأعنف التي تعرضت لها صور منذ ارتفاع وتيرة التصعيد بين حزب الله واسرائيل قبل شهر، «قلب المدينة»، كما قالت رنا التي أرغمتها الغارات على الفرار من منزلها إلى الشاطئ. وأضافت المرأة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها كاملا أن «المدينة بأكملها اهتزت» بعدما أمر الجيش الإسرائيلي سكان صور بإخلاء مساكنهم قائلا إنه يستعد لتنفيذ «عمل عسكري» يستهدف حزب الله.
وأظهرت لقطات لوكالة فرانس برس سحب دخان تتصاعد من المدينة التي تضم آثارا ضاربة في القدم.
وقالت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام الرسمية إن «الغارات الإسرائيلية» التي استهدفت صور الأربعاء «تسببت بدمار هائل وأضرار جسيمة في المنازل والبنى التحتية والمباني والمحال التجارية والسيارات».
وأظهرت صور صحفية مباني كاملة سويّت بالأرض.
وتحاول فرنسا إيجاد حلّ دبلوماسي للحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان من دون أن تنجح في ذلك بعد، كما لم تؤد مساعيها منذ عامين إلى إخراج البلاد من مأزق الشغور في منصب رئيس للجمهورية.
وقال مبعوث الرئيس الفرنسي جان إيف لودريان الذي سيشارك في مؤتمر دولي حول لبنان الخميس في باريس، لوكالة فرانس برس، «لبنان يواجه خطر الموت والتفكّك». ولم تتمكّن فرنسا، السلطة الانتدابية السابقة في لبنان، من تحقيق أي اختراق على خط أزمات البلد الذي يعاني من انقسامات سياسية وطائفية عميقة حالت حتى الآن دون انتخاب رئيس للجمهورية على لارغم من شغور المنصب منذ سنتين. وبدأ الشغور إثر انتهاء عهد الرئيس ميشال عون في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2022، تزامنا مع غرق البلاد بأزمة اقتصادية غير مسبوقة أثرت بنحو كبير على السكان الذين ثاروا على فساد الطبقة السياسية. لكن شيئا لم يتغير في المشهد السياسي. ومنذ عيّنه الرئيس الفرنسي ماكرون في حزيران/يونيو 2023 مبعوثا خاصا الى لبنان، سافر لودريان الذي شغل سابقا منصبي وزيري الدفاع والخارجية، إلى بيروت، من دون أن تثمر جهوده في إقناع القوى السياسية بالتوافق على انتخاب رئيس للجمهورية. وأكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الثلاثاء أن «لبنان يجب أن يتمكن من استعادة السيطرة على مصيره». ويشدّد الدبلوماسيون الفرنسيون على أن لبنان يحتاج «أكثر من أي وقت مضى» إلى رئيس يتحدّث باسمه. وكانت قد طُرحت فكرة نشر قوات متعدّدة الجنسيات في جنوب لبنان إلى جانب الجيش في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، وفق ما أفاد دبلوماسي غربي وكالة فرانس برس. وصعّدت اسرائيل منذ 23 أيلول/سبتمبر غاراتها الجوية على معاقل حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية وفي جنوب البلاد وشرقها، ثم بدأت عمليات توغّل برّي جنوبا. وأسفر شهر من التصعيد عن مقتل 1552 شخصا على الأقل في لبنان في القصف الإسرائيلي، بحسب تعداد أجرته فرانس برس استنادا إلى بيانات رسمية. وقال الدبلوماسي مفضلا عدم الكشف عن هويته «ما نحتاج إليه الآن هو وقف إطلاق النار ووجود يحظى بثقة الجانبين، وقد يكون هذا الوجود عبر القوات المسلحة اللبنانية مع قوات دولية»، في إشارة الى قوات خارج إطار اليونيفيل. وينتشر في جنوب لبنان حاليا نحو 9500 جندي من قوة الأمم المتحدة الموقتة (يونيفيل) إلى جانب الجيش اللبناني. واتهمت اليونيفيل في الآونة الأخيرة القوات الإسرائيلية بإطلاق النار على مواقع لها في جنوب لبنان.
وقال المبعوث الأميركي الخاص آموس هوكستين الاثنين خلال زيارة لبيروت إن الالتزام العلني بقرار مجلس الأمن الدولي 1701 «ليس كافيا» لوضع حدّ للنزاع الراهن بين حزب الله واسرائيل، مشدّدا على ضرورة أن يكون القاعدة لأي حلّ، «مع الشيء الإضافي الذي يمكن القيام به للتأكد من تطبيقه بطريقة عادلو وشفافة».
ويرى الباحث كريم بيطار، مدير منظمة «كلنا إرادة» المدنية للإصلاح السياسي في لبنان، أن جهود جان إيف لودريان تشبه «المهمة (…) المستحيلة في ظل الاستقطاب السائد في لبنان والشرق الأوسط».
ويشيد بيطار، وهو أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف في بيروت، بالمبعوث الفرنسي لقدرته على «التحدث مع الجميع»، بما في ذلك الجناح السياسي لحزب الله، مضيفا «إنه الوحيد القادر على جمع دول الخليج وتشجيعها على الالتزام من جديد بلبنان».
ويعتبر أن مهمته «ربما مكّنت من لمّ شمل الدول الخمس التي تتعاون بشأن الأزمة الرئاسية اللبنانية: فرنسا والولايات المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية ومصر».
وأكد مصدران دبلوماسيان فرنسيان أن المبعوث الفرنسي اقترب من تحقيق أهدافه مؤخرا قبل أن تعيد الحرب بين إسرائيل وحزب الله خلط الأوراق.
وأضعف القضاء على قادة حزب الله الحزب، من دون أن يعني هذا أن التوصل إلى حلحلة على المستوى السياسي بات سهلا.
ويخلص بيطار إلى أن «حزب الله والأطراف الأخرى سوف ترغب على الأرجح بالانتظار لمعرفة توازن القوى الجديد الذي سيظهر في المنطقة وفي لبنان»، ما من شأنه أن يزيد تأخير انتخاب رئيس.
- «تضارب مصالح» -
وتنتقد أنياس لوفالوا من معهد الأبحاث والدراسات حول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، قدرة الدبلوماسية الفرنسية على إسماع صوتها، مشككة بمهمة لودريان التي «تكرر» خطوات الخارجية الفرنسية.
أما المدافعون عن المبعوث الفرنسي فيرون أنه ساعد على تخفيف التنافس بين باريس وواشنطن.
واعتبر مسؤولون سياسيون لبنانيون أن مهمة لودريان أتت في وقت تؤدي فيه الدبلوماسية الأميركية دورا متزايدا في لبنان على حساب باريس.
ويلفت مدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسطي في جنيف حسني عبيدي إلى الدور المزدوج الموكل إلى الوزير السابق الذي يتولّى منذ تموز/يوليو 2023 رئاسة وكالة «أفالولا» الفرنسية للتنمية في العلا، وهو موقع سياحي يعود إلى ألف عام وتهدف الرياض إلى الترويج له.
ويقول «يرى البعض أن العلاقات الجيدة بين جان إيف لودريان والرياض تسهل مهمته للحصول على تنازلات من السعودية، اللاعب الرئيسي في الأزمة اللبنانية».
ويضيف «في الواقع، لم يعد المبعوث الفرنسي متفرّغا للقيام بوساطته في لبنان فحسب، بل بات يلامس تضارب المصالح من خلال الاستمرار في مهمتين: وسيط في لبنان ومروّج للسياحة في السعودية».
وفي وقت سابق الأربعاء، دعا الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي ادرعي عبر منصة اكس السكان إلى «الابتعاد فوراً الى خارج المنطقة المحددة بالأحمر والتوجه الى شمال نهر الاولي»، مرفقا رسالته بخريطة للمنطقة المستهدفة.
وكتب في وقت لاحق أن الجيش الاسرائيلي «هاجم مجمعات قيادة وسيطرة لحزب الله ومن ضمنها مقرات لوحدة جبهة الجنوب في منطقة صور جنوب لبنان».
ووصف صور بأنها «مركز ثقل مهم بالنسبة إلى حزب الله».
وقال بلال قشمر المسؤول في وحدة إدارة الكوارث في صور إن سبعة مبان دمّرت بالكامل، وتعرضت أكثر من 400 شقّة في محيط الغارات لأضرار.
وأدّى الركام إلى قطع أربعة شوارع، وفق قشمر، مضيفا أن شخصين على الأقل أصيبا بجروح.
- نزوح -
وكان لا يزال في المدينة نحو 14500 شخص الثلاثاء، بينهم آلاف النازحين من مناطق جنوبية أخرى، وفق قشمر.
وأفرغت المدينة التي كانت تعجّ بالحياة ويقطنها مسلمون ومسيحيون، من معظم سكانها مع بدء الغارات الاسرائيلية الكثيفة الشهر الماضي.
وأثارت إنذارات الإخلاء الاسرائيلية الأربعاء موجة نزوح جديدة من المدينة.
وشاهد مصوّر في فرانس برس في مدينة صيدا الواقعة إلى شمال صور، عشرات السيارات على الطريق السريع الذي يربط المدينتين، محملة بعائلات مع ما تيسر لها حمله من أمتعة وحاجيات أساسية.
وذكرت الوكالة الوطنية أن «بعض العائلات التي لم تغادر مدينة صور في السابق بدأت بمغادرة منازلها، للابتعاد عن الاماكن التي هدد العدو الاسرائيلي باستهدافها».
وأفادت الوكالة أن فرق الدفاع المدني اللبناني عملت «على نقل المسنين والمواطنين الذين يعانون حالات صعبة الى اماكن آمنة بعد التهديد الاسرائيلي لمدينة صور».
وقاد مسعفون سياراتهم في أرجاء المدينة مطالبين السكان بالمغادرة عبر مكبرات الصوت، وفق صحافي يعمل مع فرانس برس في المدينة.
- مدينة أثرية -
في أعقاب الغارات، نشرت كشافة الرسالة وهي هيئة إسعاف تابعة لحركة أمل حليفة حزب الله، سيارات إسعاف لنقل الجرحى من المدنيين إلى المستشفيات المجاورة.
وقال ربيع عيسى المسؤول في الهيئة «نعمل مع البلديات على تأمين سكن بديل» للنازحين الذين دمرت منازلهم.
وتضمّ مدينة صور مواقع أثرية هامة ومدرجة على قائمة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة (يونيسكو)، التي تقول على موقعها الالكتروني إن المدينة «تحتفظ ببقايا أثرية هامة، معظمها من العصر الروماني».
وبحسب المنظمة «كانت صور المدينة الفينيقية الكبرى في الأزمنة الماضية، وعرفت لجمالها الرائع، وسرعان ما أصبحت أهم مركز للتجارة البحرية والبرية في شرق البحر الأبيض المتوسط».
وقال قشمر إنه سيتم الوقوف على حالة المواقع الأثرية في المدينة وتقييم إن كانت تعرضت لأضرار، مشيرا إلى أن إحدى الغارات وقعت على بعد نحو 50 مترا من أحد المواقع الأثرية.
أكدت اليونيسكو الأربعاء أنها «تراقب عن كثب أثر النزاع الدائر على موقع التراث العالمي في صور» عبر صور أقمار اصطناعية وأدوات استشعار عن بعد.
أطلقت إسرائيل في 23 أيلول/سبتمبر عملية عسكرية في لبنان بعد نحو عام على تبادلها القصف عبر الحدود مع حزب الله عقب اندلاع حرب غزة.
وقتل مذاك 1552 شخصا على الأقل جراء الضربات الإسرائيلية على لبنان، وفق حصيلة أعدتها فرانس برس بناء على بيانات وزارة الصحة، رغم أنه يرجّح بأن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير.























