ماهي مؤسسة «القرض الحسن» المستهدفة بالغارات الإسرائيلية والمعاقبة أمريكياً؟

بيروت‭ – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬شكّلت‭ ‬جمعية‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬المالية‭ ‬هدفا‭ ‬لغارات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬عنيفة‭ ‬الأحد‭ ‬لصلتها‭ ‬بحزب‭ ‬الله‭ ‬والتمويل‭ ‬المفترض‭ ‬لأنشطته،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يرزح‭ ‬تحت‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة،‭ ‬تتمتع‭ ‬القروض‭ ‬والخدمات‭ ‬المصرفية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬الجمعية‭ ‬بشعبية‭ ‬كبيرة‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭. ‬وتخضع‭ ‬المؤسسة‭ ‬لعقوبات‭ ‬أميركية‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬عدة،‭ ‬إذ‭ ‬تتهمها‭ ‬واشنطن‭ ‬بأنها‭ ‬تشكل‭ ‬غطاء‭ ‬لأنشطة‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬المالية‭. ‬وللجمعية‭ ‬حوالى‭ ‬ثلاثين‭ ‬فرعا‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الأخرى‭ ‬وهي‭ ‬مسجلة‭ ‬لدى‭ ‬السلطات‭ ‬منذ‭ ‬الثمانينيات‭. ‬واكتسبت‭ ‬المؤسسة‭ ‬شعبية‭ ‬لمنحها‭ ‬قروضا‭ ‬بدون‭ ‬فوائد‭ ‬بحسب‭ ‬الشريعة‭ ‬التي‭ ‬تحرم‭ ‬الربا،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يعاني‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬متماد‭ ‬وتوقّفت‭ ‬فيه‭ ‬البنوك‭ ‬التقليدية‭ ‬تقريبا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بعدما‭ ‬احتجزت‭ ‬أموال‭ ‬اللبنانيين‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬ثقتهم‭ ‬بها‭. ‬واستهدفت‭ ‬ضربات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬مساء‭ ‬الأحد‭ ‬فروعا‭ ‬لجمعية‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬في‭ ‬الضاحية‭ ‬الجنوبية‭ ‬لبيروت،‭ ‬معقل‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬إيران،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬البلاد‭ ‬مثل‭ ‬صور‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬البقاع‭ ‬شرقا‭.‬‮ ‬

في‭ ‬طلب‭ ‬إخلاء‭ ‬قبيل‭ ‬قصف‭ ‬فروعها،‭ ‬وصف‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المؤسسة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬تشارك‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬النشاطات‭ ‬الإرهابية‭ ‬لمنظمة‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‮»‬‭.‬‮ ‬

وكان‭ ‬مسؤول‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬قال‭ ‬الأحد‭ ‬صراحة‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الهدف‭ ‬الرئيسي‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬وجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الشيعي‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‮»‬‭ ‬جمعية‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬كمصرف‭.‬‮ ‬

وتشكّل‭ ‬‮«‬القرض‭ ‬الحسن‮»‬‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬جمعيات‭ ‬ومدارس‭ ‬ومستشفيات‭ ‬وتعاونيات‭ ‬أنشأها‭ ‬الحزب‭ ‬لتوفر‭ ‬الخدمات‭ ‬لبيئته،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬شعبيته‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الشيعي‭.‬

تقدم‭ ‬جمعية‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬قروضا‭ ‬بسيطة‭ ‬لأصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬والشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬الزراعية‭ ‬أو‭ ‬الصناعية‭. ‬وفي‭ ‬بلد‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬انقطاع‭ ‬متكرر‭ ‬للكهرباء،‭ ‬توفر‭ ‬الجمعية‭ ‬أيضا‭ ‬قروضا‭ ‬للأفراد‭ ‬والبلديات‭ ‬لشراء‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬لتوليد‭ ‬الطاقة‭.‬‮ ‬‭ ‬في‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2023،‭ ‬نشرت‭ ‬الجمعية‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إعلانا‭ ‬قالت‭ ‬فيه‭ ‬إنها‭ ‬توفّر‭ ‬‮«‬قروضا‭ ‬بالليرة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بضمانة‭ ‬ذهب‮»‬‭. ‬عندما‭ ‬علّقت‭ ‬المصارف‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬منح‭ ‬القروض‭ ‬بسبب‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬كانت‭ ‬جمعية‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬تتباهى‭ ‬بمنح‭ ‬212000‭ ‬قرض‭ ‬بقيمة‭ ‬إجمالية‭ ‬بلغت‭ ‬553‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬‮«‬رغم‭ ‬الأزمة‮»‬‭ ‬في‭ ‬العامين‭ ‬2020‭ ‬و2021‭.‬

تقول‭ ‬الجمعية‭ ‬إنها‭ ‬تعطي‭ ‬القروض‭ ‬‮«‬لكل‭ ‬اللبنانيين‮»‬‭. ‬وأكّد‭ ‬زبائن‭ ‬مسيحيون‭ ‬وسنّة‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أنهم‭ ‬لجأوا‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬الجمعية‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬مكاتب‭ ‬لها‭ ‬خارج‭ ‬المعاقل‭ ‬التقليدية‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭.‬‮ ‬

وقال‭ ‬أحد‭ ‬زبائنها‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬مفضلا‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬هويته‭ ‬‮«‬تودع‭ ‬ذهبا،‭ ‬ويمنحونك‭ ‬مالا‭ ‬بقيمته،‭ ‬ثم‭ ‬تسدّد‭ ‬بدون‭ ‬فائدة‮»‬‭.‬‮ ‬‭ ‬وتشرح‭ ‬الأستاذة‭ ‬المحاضرة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كارديف‭ ‬البريطانية‭ ‬والخبيرة‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬أمل‭ ‬سعد‭ ‬في‭ ‬منشور‭ ‬على‭ ‬‮«‬إكس‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬شكّلت‭ ‬‮«‬قارب‭ ‬نجاة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬لبناني،‭ ‬أودعوا‭ ‬مدخراتهم‭ ‬فيها‭ ‬ويعتمدون‭ ‬على‭ ‬المنظمة‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬بدون‭ ‬فوائد‮»‬‭.‬

ساعدت‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬الجمعية‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬الآن‭ ‬تمول‭ ‬نفسها‭ ‬ذاتيا،‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المجتمع‭ ‬الشيعي‭ ‬اللبناني،‭ ‬وفق‭ ‬سعد،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬85‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬زبائنها‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الشيعة‭.‬‮ ‬

وتعتبر‭ ‬سعد‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬عقاب‭ ‬جماعي‮»‬‭ ‬للطائفة‭ ‬الشيعية،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬‮«‬اسرائيل‭ ‬تستهدف‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬الهادفة‭ ‬لإفقار‭ ‬بيئة‮»‬‭ ‬فاقم‭ ‬النزوح‭ ‬جراء‭ ‬الحرب‭ ‬مشقّاتها‭.‬‮ ‬

وترى‭ ‬سعد‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬تجسّد‭ ‬‮«‬إخفاق‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬بتوغلات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ (…) ‬ولجأت‭ ‬إلى‭ ‬مهاجمة‭ ‬مؤسسات‭ ‬مدنية‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العسكرية‮»‬‭. ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬ينتقد‭ ‬مناهضو‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬مؤسسة‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬خاضعة‭ ‬لرقابة‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وتقدم‭ ‬المؤسسة‭ ‬نفسها‭ ‬كمنظمة‭ ‬غير‭ ‬حكومية،‭ ‬بموجب‭ ‬ترخيص‭ ‬ممنوح‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭.‬‮ ‬

بقية‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬الموقع

ليست‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬عمل‭ ‬المؤسسة‭ ‬مثار‭ ‬جدل‭. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬2007،‭ ‬جمّدت‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬أصول‭ ‬الجمعية،‭ ‬وفرضت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2021‭ ‬عقوبات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬‮ ‬

واتهمت‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬الجمعية‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬تستخدم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬كغطاء‭ ‬لإدارة‭ ‬أنشطته‭ ‬المالية‮»‬‭ ‬وليتمكّن‭ ‬من‭ ‬‮«‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‮»‬‭.‬‮ ‬

اتهمت‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬أيضا‭ ‬جمعية‭ ‬القرض‭ ‬الحسن‭ ‬‮«‬بتجميع‮»‬‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لـ»تمكين‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬داعمة‭ ‬له‮»‬‭.‬

وتضيف‭ ‬الخزانة‭ ‬أن‭ ‬الجمعية‭ ‬‮«‬وفي‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬تدعي‭ ‬خدمة‭ ‬الشعب‭ ‬اللبناني،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تقوم‭ ‬بتحويل‭ ‬الأموال‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭ ‬عبر‭ ‬حسابات‭ ‬وهمية‭ ‬ووسطاء،‭ ‬ما‭ ‬يعرض‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬اللبنانية‭ ‬لعقوبات‭ ‬محتملة‮»‬‭.‬‮ ‬