التراث العربي في الأندلس والأحواز

      

 

يوسف عزيزي

 

 

 

 

أتطرق هنا إلى ما شاهدته في جنوب إسبانيا وولاية الأندلس بالتحديد من تراث عربي وأقارنه مع مثيلها في الأحواز في إيران، خاصة وإني أزور إسبانيا للمرة الثانية خلال خمس سنوات، وذلك من السابع والعشرين من آب- أغسطس إلى الثالث من أيلول- سبتمبر ٢٠٢٤ .

محطتنا الأولى- أنا والعائلة- كانت مدينة اليكانتي ومن ثم زرنا مدينة مالقة (مالاكا بالإسبانية) وكل مقاطعتها وكذلك مدينة غرناطة وأهم معالمها العربية، القصر الحمراء. اليكانتي (أو لَقَنْت بالعربية) تعد عاصمة مقاطعة لقنت التي تتبع منطقة بلنسية (قسطلونة بالعربية)، إذ إن اللغة الأولى والرسمية لهذه المدينة وكل منطقة بلنسية هي اللغة القطالونية (كاتالان) تليها اللغة الإسبانية. وتقع مقاطعة اليكانتي في جنوب منطقة قطلونية وعاصمتها بارسلونة التي تتمتع بالحكم الذاتي وحاول أهلها للاستقلال عن أسبانيا في ٢٠١٧ غير ان المحاولة فشلت. يذكر ان أسبانيا التي كان اسمها أندلسيا في عهد الحكم العربي كانت تتكون من عدة ممالك- منها مملكة غرناطة- التي تحولت بعد سقوط الديكتاتور فرانكو إلى ١٧ إقليما، تتمتع حاليا بالحكم الذاتي، ولكل إقليم لغته الرسمية وعلمه الخاص به. فأبرز هذه الأقاليم التي تضم شعوب غير أسبانية مثلا: قطلونية وعاصمتها بارسلونة، إلباسك وعاصمتها فيتوريا- غاستايز، وجيلقية (غاليسيا بالأسباني) ولغتيها الرسمية الجاليقية والإسبانية.

في إسبانيا تحولت الممالك إلى أقاليم وبلدان (Country) فيما تحولت في العام ١٩٢٥، الممالك المتصالحة في بلاد فارس إلى محافظات- الأقل شأنا من الأقاليم والبلدان- في دولة إيران التي حلت مكان بلاد فارس. في إسبانيا وبعد إسقاط الحكم العربي فيها، قاموا وبعنف بتغيير دين الناس من الإسلام إلى المسيحية فيما لم يتم تغيير أسماء المدن والأماكن الطبيعية العربية- كالأنهر مثلا- إلى الإسبانية وهذا ما شاهدته في زياراتي لها، فيما تم في الأحواز تغيير التركيبة السكانية لمصلحة غير العرب والعملية مستمرة حتى اللحظة، والأمر لم يقل خطورة من تغيير الدين، وقد تم بالعنف في معظم الأحيان، كما شاهدناه في المجازر التي ارتكبت بحق الأحوازيين خلال القرن المنصرم وآخرها ما حصل في عهد رفسنجاني خلال مصادرة أراضي القرويين العرب على ضفتي كارون من تستر مرورا بالأحواز ووصولا بالمحمرة، وإقامة الشركات الزراعية- الصناعية وزرع المستوطنات الاستعمارية. وقد تم تغيير معظم أسماء المدن والأحياء والأنهر والأهوار العربية إلى الفارسية بل حل مكانها أسماء شعراء وشخصيات عنصرية إيرانية، -على سبيل المثال- تم تغيير اسم هور الدورق إلى “تالاب شادگان” أي هور شادگان وهناك شارع “الفردوسي”- الشاعر الفارسي المعادي للعرب- الواقع بين أحياء الناصرية وجسر الأسود، وشارع “بور داود” في حي ” كمبلو ” بالأحواز، وهذا باحث عنصري معاد للعرب واسم حي “زردشت” نبي المجوس، غرب حي سيد خلف. لقد حافظ الأسبان على التراث المعماري للعرب، منه قصر الحمراء في غرناطة الذي يجلب لهم سنويا ملايين السياح ويدر لهم ملايين من الدولارات، فيما قامت إيران بتخريب ما تمكن لها من قصور أحوازية، منها تخريب قصور حاكم الأحواز الأمير خزعل بن جابر في مدينتي الأحواز والمحمرة كي تمحي ما يمكن ان تمحيه من التراث العربي في إقليم الأحواز. كما أنهم غيروا- حتى- نوع الأسماك والأغنام العربية المحلية إلى أخرى إيرانية. فلاننسى ان العرب احتلوا الأندلس في القرن الثامن الميلادي ومكثوا هناك حتى القرن السادس عشر، فيما العرب يقطنون الأحواز (عربستان) منذ ثلاثين قرنا أي جذورهم أقدم وأقوى من بنى جلدتهم في الأندلس. ويمكننا القول إنه، لو لم تكن المقاومة الثقافية والسياسية واللغوية التي أبداها الشعب العربي في الأحواز لتحولوا إلى فرس خلال الأعوام المئة المنصرمة.

في لقنت وملقة وقصر الحمراء

سبحت وحفيدي بالبحر الأبيض المتوسط في لقنت (اليكانتي) وملقة كل يوم تقريبا واللافت أن حفيدي- أدونيس ذو العشر سنوات- كان يرافقني حتى عندما كان البحر يشهد أمواجا .

ذات مرة عندما كانت الأمواج خفيفة والأطفال والكبار يسبحون بالقرب من الشاطئ، رافقني أدونيس إلى عمق البحر حتى بلغنا النقطة الحمراء التي تمنع السباحة بعدها وتقدر مسافتها من الشاطئ نحو ١٥٠ مترا، وبذلك أبلى بلاء حسنا وأصبح سباحا أحوازيا بامتياز.
وعند سيرنا في أحياء ملقة الجديدة- التي تختلف مع الأحياء القديمة- دخلنا إلى حانوت كبير لبيع الحلويات وقد وقعت عيني على علبتين فارغتين، الأولى تحمل صورة عربي- بالعقال والكوفية- ومكتوب عليها بالإنجليزية “أبو ظبي” وعلى الأخرى مكتوب “قطر”. سألت الحانوتي عن سر ذلك، فقال لي: إنها للزبائن الخليجيين الذين يفدون بكثرة إلى المدينة خلال شهري حزيران وتموز. وعندما سمع أننا نتكلم عربيا سألني: “هل أنتم خليجيون؟” قلت له “نحن أحوازيين والأحواز كانت دولة خليجية حتى قبل مئة عام لكن حاليا يجب أن تبحث عنها في جنوب غرب إيران”. وبحث في الغوغل حتى عثر على الأحواز. وقد طلبت منه أن يعمل علبة باسم الأحواز رغم أني أعرف أن الأحوازيين لا يزورون ملقة إلا نادرا.

وفي غرناطة زرنا قصر الحمراء الذي شيده مؤسس دولة بني الأحمر “الغالب بالله” أبي عبد الله محمد الأول في القرن الثالث عشر الميلادي. ويعد قصر الحمراء قصرا أثريا وحصنا، وأحد أهم صروح العمارة العربية الإسلامية في الأندلس.

ويقع القصر فوق تل يقع بدوره تحت جبل نيفادا، التي أعطى اسمه إلى ولاية في أميركا بعد استكشاف القارة الجديدة. وتفد الملايين من السياح إلى زيارة هذا القصر العربي العظيم والجميل من كل بقاع العالم.

وبعد زيارة القصر ذهبنا بسيارة تاكسي إلى وسط المدينة الواقعة في سفح الجبل، أسفل القصر، وهناك شاهدت تمثال الملكة إيزابيلا الأولى (١٤٥١-١٥٠٤) وزوجها فرناندو الثاني. وقد وحدت إيزابيلا، ممالك إسبانيا بعد أن قضت على مملكة غرناطة، وفي عهدها انتهت حروب الاسترداد بسقوط غرناطة، وأقرت بإجبار مسلمي ويهود إسبانيا على اعتناق المسيحية أو القتل أو الرحيل، وكانت من دعم رحلة كريستوفر كولمبوس في رحلته الاستكشافية التي أدت إلى وصوله لأميركا.
وعند خروجنا بالسيارة من غرناطة نظرت إلى أحد التلال خارج المدينة وكأنها تلك التلة التي تطل على أراضي غرناطة، ودار في خلدي ما قالته الأميرة عائشة الحرة، أم أبو عبد الله الصغير عندما وقف على تلك التلة، بعد تسليم غرناطة، يبكي ليسمع أمه تقول: “ابك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه مثل الرجال.”