
حب في المريخ – فراس عبد الحسين
تنظر إلى السماء الحمراء بدهشة وإعجاب، تشعر بالحماس والفخر لكونها واحدة من أول المستوطنين البشريين على المريخ، فقد حلمت بالسفر إلى الفضاء منذ طفولتها، وحققت حلمها بعد سنوات من التدريب والتضحية. أصبحت تعمل كطبيبة في قاعدة “مريخ1”، التي بنيت في وادي مارينيريس، أكبر وادي في المجموعة الشمسية. تضم القاعدة حوالي مائة شخص من مختلف الجنسيات والمهن، يعملون معاً لإجراء البحوث العلمية والزراعية والهندسية هناك.
كانت نورا تقوم بجولة طبية على المستوطنين، عندما سمعت صوت انفجار قوي. نظرت خارج القاعدة، ورأت دخاناً أسود يتصاعد من مكان بعيد.
شعرت بالرعب والقلق، سارعت إلى مركز الاتصالات، حيث كان زملاؤها يحاولون معرفة ما حدث. تبين أن الانفجار ناجم عن هجوم إرهابي على إحدى المركبات الفضائية التي كانت تنقل مواد ومعدات من الأرض إلى المريخ.
كان الهجوم جزءًا من حملة عنيفة ضد المشروع الفضائي، التي تقودها جماعة متطرفة تدعى “الأرض أولا”. تدعي أن المشروع الفضائي يهدر الموارد والأموال التي يجب أن تستخدم لحل المشاكل البيئية والاجتماعية على الأرض.
كانت وزملاؤها في حالة من الصدمة والحزن، فقد كانوا يعرفون بعض الضحايا الذين كانوا على متن المركبة. كما كانوا يخشون أن يكون الهجوم، بداية لسلسلة من الهجمات التي قد تستهدف قواعدهم وحياتهم مستقبلاً.
بعد العدوان، تلقت قاعدة المريخ1 رسالة من القيادة المركزية للمشروع الفضائي، التي توجد في محطة فضائية تدور حول الأرض. قالت الرسالة إن الوضع على الأرض أصبح خطيرًا، وهناك احتمالًا باندلاع حرب عالمية ثالثة. ونظرا لهذه الظروف، قررت القيادة المركزية أن توقف جميع الرحلات الفضائية، وتطلب من المستوطنين هناك أن يستعدوا للبقاء هناك فترة غير محددة.
كانت الرسالة صادمة ومفجعة لها ولزملائها، فقد شعروا بأنهم محاصرون على كوكب بعيد، بدون أي أمل في العودة إلى أهلهم وأحبائهم.
في الأيام التالية، حاولوا التكيف مع الوضع الجديد، والاعتماد على أنفسهم تمامًا. والحفاظ على الهدوء والتفاؤل. كانوا يعملون بجد لتأمين احتياجاتهم من الماء والغذاء والطاقة والأوكسجين، والترشيد في استهلاكها إلى أدنى حد. وإصلاح أي أعطال تحدث في المعدات والمركبات. يتواصلون مع بعضهم البعض بواسطة الراديو والإنترنت، ويشاركون أخبارهم ومشاعرهم وآمالهم. يحاولون أيضا الحفاظ على صحتهم الجسدية والنفسية، بواسطة ممارسة الرياضة والترفيه والتعلم.
كانت نورا تقود فريقًا طبيًا يراقب حالة المستوطنين، ويقدم لهم العلاجات والنصائح اللازمة. وتستخدم مهاراتها وخبراتها لمساعدة زملائها على التغلب على التحديات التي تواجههم.
بعد مرور شهرين، كانت تقوم بجولة طبية على المستوطنين، عندما سمعت صوت رنين في جهازها اللوحي. نظرت إلى الشاشة، وفوجئت بأنها تلقت رسالة من الأرض. كانت من والدها، الذي يعيش في بغداد، يعمل كأستاذ جامعي في الفيزياء. وهو أحد مؤيدي المشروع الفضائي، يفخر بابنته وإنجازاتها. وهي تحبه وتشتاق إليه. فتحت الرسالة بسرعة، قرأت ما فيها:
“عزيزتي نورا، آسف لأنني لم أستطع التواصل معك منذ فترة طويلة. أعلم أنك تمرين بظروف صعبة، وتشعرين بالوحدة والخوف. أفكر فيك دائمًا، لأنك مصدر فخر وسعادة. أدعو لك بالسلامة والنجاح دائماً. أريد أن أخبرك بأن الوضع على الأرض أصبح أسوأ مما تتخيلين. جماعة “الأرض أولا” قامت بحملة إرهابية هائلة، استهدفت كل شيء. قاموا بتفجير محطات فضائية وصواريخ وأقمار اصطناعية، قتلوا عشرات الآلاف من الأبرياء. اغتالوا شخصيات سياسية وعلمية مؤيدة للمشروع الفضائي، بما فيهم صديقي العزيز د. عبد الله، الذي كان يعمل معك في قاعدة المريخ1. هذه الجماعة لديها دعم واسع من الجماهير، التي تؤمن بدعواتهم المضللة والمتطرفة.
اندلعت حرب عالمية؛ بسبب هذه الحملة الإرهابية، شارك فيها كثير من الدول والجماعات المسلحة. استخدمت فيها أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية، خلفت دمارًا هائلًا وقتلا مروعًا. أثرت على كل جوانب الحياة، من البنية التحتية إلى الصحة إلى التعليم. أدت إلى تغير المناخ والبيئة بشكل كارثي؛ جعلت الأرض مكاناً لا يصلح للعيش.
أكتب لك هذه الرسالة من مخبأ سري، حيث أحاول النجاة من هذه الفوضى، لا أعلم كم أستطيع الصمود، الخطر يحيط بي من كل جانب. أخاف على حياتي، وقلق على حياتك. أريد أن أراك مرة أخيرة، أعانقك وأقبلك وأقول لك كم أحبك.
لكني أعلم أن هذا مستحيل، فالاتصال بكم قد انقطع تمامًا. ربما هذه الرسالة الأخيرة التي أستطيع إرسالها إليك، فقد استخدمت جهازًا خاصًا، لإرسال رسائل مشفرة عبر ترددات مخفية، وهذا خطير، إذا اكتشفته الجماعة، سوف يقتلوني دون رحمة. لذلك، عليّ أن أتخلص منه بعد إرسالها.
عزيزتي. أنا آسف لأنني لم أستطع حمايتك ومساندتك في هذه المحنة. لم أحقق حلمك بالعودة إلى الأرض. ولم أقضي المزيد من الوقت معك.
لكني أرجوك أن تصبري وتثابري. لا تفقدي الأمل ولا تستسلمي لليأس. كوني قوية وشجاعة وإيجابية. افتخري بما تفعلينه على المريخ. افتخري بأنك جزء من التاريخ والمستقبل. أحبك، وأتمنى لك كل التوفيق والسعادة. وداعًا، والدك”
بعد قراءة الرسالة، انهارت في البكاء. شعرت بالحزن والألم والغضب، بأنها فقدت كل شيء، بقت وحيدة ومنسية على كوكب بعيد، لا تستطع الاستمرار في الحياة.
لحسن الحظ، كان هناك من سمع بكاؤها وجاء إلى مساعدتها.
زميلها وصديقها المقرب همام. يعمل مهندس في القاعدة، يشاركها حبها للفضاء والمغامرة، يحبها سرًا، لكنه لم يجرؤ على إخبارها بمشاعره. كان يقف بجانبها ويساندها في كل الظروف، يحاول إسعادها وتشجيعها.
عندما رآها تبكي، احتضنها بحنان، مسح دموعها، وسألها عن سبب حزنها. أخبرته بالرسالة التي تلقتها من والدها، وبالأخبار المروعة التي جاءت فيها. استمع اليها بصبر وتفهم، وحزن معها على ما حدث. ثم حاول أن يواسيها ويطمئنها، وقال لها: عزيزتي، أشعر بما تشعرين به، وأشاركك حزنك وألمك. وأفتقد أهلي وأحبائي على الأرض مثلك. وأخاف على مصيرهم ومصير الإنسانية هناك.
لكن أرجوك أن لا تفقدي الأمل، وإيمانك بالحياة وبالفضاء. لا تفقدي ثقتك بنفسك وبإمكاناتك. لديك الكثير من الأشياء التي تجعلك تستحقين الحياة. أنت طبيبة ممتازة، تساعدين المستوطنين على الحفاظ على صحتهم وسلامتهم. وباحثة رائعة تساهمين في اكتشافات علمية هامة هنا. مستكشفة شجاعة توسعين آفاق المعرفة والمغامرة في الفضاء. أنت جزء من مشروع فضائي تاريخي، يهدف إلى خلق مستقبل أفضل للإنسانية. جزء من فريق فضائي موحد. فرد من عائلة فضائية محبة، تدعمك وتحترمك وتقدرك. ولديك شخص يحبك كثيرًا.
أحبك من كل قلبي، ومستعد لفعل أي شيء من أجلك. ومشاركتك الحزن قبل الفرح، والفشل قبل النجاح. مستعد للبقاء معك على هذا الكوكب، أو محاولة العودة إلى الأرض. مستعد للموت أو للحياة معك. أرجوك أن تقبلي حبي، وتسمحي لي بأن أكون حبيبك بجانبك دائمًا مثل ظلك.
بعد سماع كلامه، شعرت نورا بمشاعر متناقضة بين الدهشة والارتباك، فهي لم تكن تعلم أنه يحبها بهذه الطريقة. وبالسعادة والامتنان أيضًا، فهي كانت تحبه، لأنه يحمل شخصية مميزة ورائعة، لكنها لم تجد الفرصة لإخباره بمشاعرها. وبالخوف والقلق، فهي لم تعلم ماذا سوف يحدث لهما في المستقبل.
فكرت في كل هذه المشاعر في لحظات، ثم رفعت رأسها، ونظرت إليه بعينين ملؤهما الدموع والابتسامة. ثم قالت: أشكرك على كل ما قلته. أشكر حبك ودعمك وولائك؛ لكونك صديقي وزميلي وشريكي. أحبك أيضا ومستعدة لفعل أي شيء من أجلك.
بعد قول هذه الكلمات، احتضنته بقوة، وقبلته بحب. شعر بالسعادة والانتشاء، فهو حقق حلمه بأن يكون معها. وهي وجدت فيه ملاذها الوحيد. نسيا كل ما حولهما من مشاكل وصعوبات، وتفرغا للتمتع بلحظاتهما السعيدة التي لا تعوض.
بدأت بينهما قصة حب جميلة، تجاوزت كل الحدود والعقبات، وتحدت كل الظروف والمخاطر. أضاءت حياتهما، وأعطتها أملًا وهدفًا، على سطح المريخ.
استمر المستوطنون في عملهم وجهودهم، لإثبات أن الفضاء مكان للحياة والحب والسلام. تابعوا إجراء البحوث العلمية والزراعية والهندسية على الكوكب الأحمر. والحفاظ على صحتهم الجسدية والنفسية؛ بممارسة الرياضة والترفيه والتعلم.
وفي أحد الأيام، تلقوا رسالة مفاجئة من الأرض. كانت من قائد جديد للمشروع الفضائي، قالت الرسالة إن هناك تغييرات كبيرة حدثت على الأرض، وأخبار سارة. كما جاء فيها:
“أعزاءي المستوطنون على المريخ، أنا د. سامية، قائد جديد للمشروع الفضائي. أنا أكتب لكم هذه الرسالة لأخبركم بأخبار سارة. بعد سنوات من الحرب والدمار، تم التوصل إلى اتفاق سلام عالمي، بين جميع الدول والجماعات المتصارعة. هذا الاتفاق تضمن إنهاء جميع أشكال العنف والإرهاب، وإزالة جميع أسلحة الدمار الشامل، وإصلاح جميع المشكلات البيئية والاجتماعية. وإحياء المشروع الفضائي، وإظهار التقدير والإجلال لكم أنتم المستوطنين الجدد.
بفضل هذا الاتفاق، تستطيعون التواصل مجددًا مع عوائلكم وأصدقائكم على الأرض. لكم مطلق الحرية في البقاء على المريخ او العودة الى الأرض، تستطيعون أيضا استقبال زوار ومساعدات من قبلنا، والمشاركة في مشاريع فضائية جديدة.
أنتم أبطال حقيقيون، فقد صمدتم هناك، بالرغْم من كل المصاعب والمخاطر. فقد ساهمتم في استكشاف الفضاء، وخلق مستعمرة بشرية على الكوكب الأحمر. أنتم قدوة حقيقية، فقد أظهرتم للعالم كيف يمكن للإنسان أن يحلم ويجتهد ويتعاون في الفضاء. أنا فخورة بكم، وممتنة لكم. وأتطلع إلى رؤيتكم قريبًا، سواء على الأرض أو المجيء اليكم في المستعمرة. تحياتي د. سامية”
بعد قراءة الرسالة، شعر المستوطنون بالفرح والانبهار، فقد حققوا انتصارًا عظيمًا، وشهدوا تاريخًا جديدًا، أصبحوا أحرارًا ومستقلين، يملكون خيارات وفرص. باتوا أقرب إلى الأرض من الفضاء.
في ذلك اليوم، احتفلوا بالسلام واستيطان الفضاء، بطرق مختلفة. بعضهم رقص وغنى وضحك. وآخر صلى وشكر وبكى. ومن اتصل بأهله وأحبائه على الأرض، وتبادل معهم الأخبار والمشاعر. وغيرهم خطط لمستقبله على هذا الكوكب أو على الأرض، وحدد أهدافه وآماله المستقبلية.
وبين هؤلاء المستوطنين، نورا وهمام، قررا أن يبقيا معًا، سواء على المريخ أو على الأرض. كانا يحبان بعضهما، ويثقان ببعضهما، يساندان بعضهما في كل ظروفهما، ويحاولان إسعاد بعضهما وتشجيع بعضهما.
في ذلك اليوم، قاما بالزواج، في حفل بسيط وجميل. حضره جمع من العلماء والمستكشفين، الذين باركوا لهما وتمنوا لهما كل التوفيق والسعادة. حضر حفل زفافهما أيضًا أهلهم وأحبائهم على الأرض، الذين شاركوهم فرحتهم عبر الإنترنت.
أرسلت لهم د. سامية رسالة تهنئة خاصة، قالت فيها:
“أعزاءي نورا وهمام، أنا سعيدة جدًا لزواجكم على سطح المريخ. أنتما زوجان رائعان، تجسدان روح المغامرة والتعاون في الفضاء. أنتما مثاليان، تحبان بعضكما، وتثقان ببعضكما. أتمنى لكما حياة سعيدة ملؤها الحب والسلام. ومستقبلًا مشرقًا ملؤه النجاح والتقدم. أنتم مصدر فخر وسعادة”.























