خاطرتان في ضوء قنديل قديم

د.مازن موفق الخيرو

قنديل شرقي  

كثيراً ما كانت صورهم تتراءى أمامي في كل مكان أرتاده ، حتى في غرفتي محكمة الاغلاق ، وكلما كنت احاول الفكاك منهم ازدادت قبضتهم ومطاردتهم لي خلف سطور الكتابة ، إنهم يقبعون في عمق مهزلتهم التي صنعوها ، محيطهم ينفث نحوي دخاناً أسوداً خارج من فوهة قنديل ، ذلك القنديل قادهم إلى جمع الجرار واحتضان روائحها ، كانوا يسمون مولودهم الجديد لا سيما إذا كان وحيداً باسم قبيح خشية عليه من الحسد ، المولود الجديد ، حصيلة صبر طويل استغرقته تلك المرأة الحديدية ، اعتاد أن يقبل يدها قبل خروجه من منزله ، ولا يقف عند هذا الحد كان يقبل جبين والده المجعد وإن كان كارهاً له ؛ لأنه أحياناً يراوغه ويقتطع جزءاً من راتبه الشهري ، ضريبة التربية التي لم تكن عفوية بل كانت مقصودة ، وهما بدورهما كانا يدعوان له بسلامة العودة ، وتستكمل أمه الطقوس برش قليل من الماء خلفه إيذاناً بتحصينه من شرور الأشرار، وبالقرب من منازل الحي تتراصف الجدران العازلة التي تحول دون وصول أصوات العائلة للجيران ؛ لأن أصداء الشجار كانت تتعالى ، لم تكن غرفة العائلة تعج بالضيوف،

أراد الابن طلاء زواياها بطلاء العيد ، لكن والده رفض هذه الفكرة قائلاً : ” جهلكم سيقودني قريباً إلى المقبرة يجب أن نملأ بطوننا أولاً ” رد عليه: ” لم اقصد ازعاجك لكن إلى أي مدى سيبقى تفكيرنا سطحياً ؟ ” رد الأب : ” أنت جبان ومخيب للآمال ” أدرك بأن قنديل حياته سيبقى ساذجاً تحفره مقولة : ” ابنك طفل في عينك وإن كان كبيراً عند غيرك ” خمسون عاماً ولم يغادر قنديله المعلق ذاكرته المحفورة في التراب .

مسافات الغضب  

كانت تبث ضوءها في إناء منزلها المترامي الأطراف ، تتجمع نحوها الأرواح من كل حدب وصوب ، مائدة القطارات ، كان يكتب بكل أنفاسه فجرها وأصوات دخانها المشتعل ارتجافات ، هنا صاح قائلاً : ” جفت مياه الرمل وريق الشمس احتبس النهايات ” متى الوصول ؟ أشلاء الغابة تعبدها لفافات يلف بها سواد الريق ، مصنوعة من جرائد صمته وبقايا مقالات ، كلمات تجرها حبال ، وكلمات قضبان مقطعة الأشلاء،

إنه خالد ذلك الشاب معاق منذ ولادة صرخته في البكاء ، بائع لحبات عباد الشمس ، ينتقي رزقه اليومي من بقايا صحافة وكرسات مدرسته الغراء ، تداعب حياته سطور أقلام وتحرق حرارة نارها وجوه الحياة،

بقعة جديدة تفترش الإبداع بشكل عفوي ، لم يكن لها ممول أو تجار ، سلال فارغة تملأها الحروف والأحبار ، مدينة تصنع بلديتها النفايات ، فجأة تراءت صورة محبوب ، إنه عبد الرحمن منيف في لفافة عباد الشمس، مهزلة، مسافات الغضب بدأت تتقلص ، تعتصر الأبصار، تسارع نحو لفافة سجارتها، تتفجر في عمق فمها معوجة ، تطارد ظلالها فوق أسطح بنايتها مبللة بماء الانتقام ، تغلق أبوابها وتعبد سلالمها بالعتمة والظلام ، علها تصطاد صورته الجديدة وهي متلاشية القياسات .