وفاة 1100 حاج معظمهم مصريون غير مسجلين

الرياض- الزمان- القاهرة -مصطفى عمارة
دافع مسؤول سعودي كبير عن إدارة بلاده لمناسك الحج الجمعة بعد إعلان دول مختلفة وفاة أكثر من 1100 شخص هذا العام، خلال أداء الفريضة في مكة المكرمة. وقال المسؤول لوكالة الصحافة الفرنسية في أول تعليق رسمي وحصري على وفيات الحجاج: «الدولة لم تقصر، ولكن هناك سوء تقدير من الناس الذين لم يقدروا المخاطر التي سوف تحدث لهم».
وبحسب حصيلة جمعتها وكالة فرانس برس من سلطات الدول المعنية ودبلوماسيين الجمعة، وصل عدد وفيات الحجاج هذا العام 1119، أكثر من نصفهم من مصر. وأكد المسؤول السعودي 577 حالة وفاة خلال يوم عرفة ويوم العيد الأحد.
وبحسب المسؤول فإن هذا حدث «في ظروف جوية صعبة ودرجة حرارة قاسية للغاية»، معترفا بأن الرقم لا يشمل كامل موسم الحج الذي انتهى رسميا الأربعاء. واثار الإعلان عن وفاة مئات الحجاج المصريين وفقد آخرين خاصة من كبار السن ضجة هائلة لدى الرأي العام المصري خاصة من ذوي أهالي المتوفين والمفقودين والذين طالبوا الحكومة بالتحرك لمعرفة اسماء المتوفين والمفقودين والتحقيق في ملابسات تلك الكارثة لضمان عدم تكرارها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي هذا الإطار قالت سها جندي وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المغتربين في إتصال هاتفي مع – الزمان- أنه تم تشكيل خلية عمل بالتنسيق مع وزارة الخارجية تعمل على مدار الساعة لاستقبال استغاثات الأهالي بسبب الأعداد الكبيرة من المتوفين والمفقودين من الحجاج ،اذ تم تشكيل فرق عمل بالقنصليات تقوم بزيارات ميدانية للمستشفيات للحصول على بيانات المواطنين المصريين ومطابقتها مع بيانات المواطنين الذين أبلغ ذووهم عن فقدهم والتأكد من تقديم الرعاية اللازمة للمرضى منهم.
واوضحت أن هناك صعوبة كبيرة في عمل فرق العمل لأنّ معظم الحجاج الذين توفوا أو فقدوا غير مسجلين بقوائم بيانات الحج. فيما تقدم عدد من أعضاء البرلمان المصري بطلبات إحاطة إلى رئيس مجلس النواب ووزراء السياحة والهجرة والخارجية عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في التعامل مع تلك الكارثة، فضلا عن تعرض عدد كبير منهم للمعاملة السيئة من جانب السلطات السعودية خلال تلك المرحلة. في حين ان السعودية قالت انها لن تسمح بمرور الحجاج غير المصرح لهم وهذا على جميع الدول. وقالت النائبة امال عبد الحميد في تصريحات خاصة أنها تلقت استغاثات واسعة من عدد كبير من المواطنين المصريين حول تعرض عدد كبير من ذويهم لعقبات خلال زيارته للسعودية وترحيل عدد كبير منهم خاصة من كبار السن بسبب الحر وصعوبة التنقل. واضافت أن عددا كبيرا من البسطاء وقعوا ضحية نصب من جانب بعض الشركات السياحية والسماسرة الذين اوهموا بعض الحجاج بإمكانية أدائهم الفريضة بأقل التكاليف من خلال تأشيرات الزيارة. وحملت النائبة السلطات المصرية مسؤولية ما حدث بسبب غياب الرقابة على تلك الشركات.
ومن جانبه قال أحمد سلامة عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السفر أنّ بعض شركات السياحة قامت خلال الفترة الماضية بإصدار أعداد كبيرة من الباركود الخاص بتأشيرة الزيارة، وطالب سلامة بتوقيع أقصى عقوبة على تلك الشركات وملاحقة الكيانات الوهمية والسماسرة وإضافة توعية المواطنين بضرورة اتباع الإجراءات الرسمية عند أداء فريضة الحج وأوضح ياسر سلطان عضو غرفة شركات السياحة أن أغلب الحجاج غير المصريين خرجوا من مصر عن طريق تأشيرات زيارة واستغلهم سماسرة الحجاج واغلبهم من أهالي الريف بإصدار تأشيرات زيارة بأسعار تتراوح ما بين 110 إلى 150 ألف جنيه مع أن السعر الفعلي يتراوح ما بين 65 إلى 75 الف جنيه وللأسف فإن السماسرة تركوا الحجاج وهربوا دون تقديم اي خدمات لهم ومع تصاعد الضجة حول ارتفاع أعداد المتوفين والمفقودين من الحجاج أكد مصدر حكومي للزمان أنه سيتم فتح تحقيق مع كل شركة رتبت السفر للحجاج بعيدا عن الأطر النظامية لاتخاذ إجراءات حيالها تصل إلى سحب ترخيص تلك الشركات . وكل عام يؤدي عشرات آلاف الحجاج الفريضة بدون تصاريح بسبب احتمال عدم قبولهم لوجود حصة محددة لكل دولة وارتفاع تكاليف الحجوزات. ويحرمهم ذلك من الوصول إلى الأماكن المكيّفة التي وفّرتها السلطات السعودية لـ1،8 مليون حاج يحملون تصاريح. واضاف السعودي «نقدر عدد الحجاج غير النظاميين بحوالى 400 الف شخص غالبيتهم العظمى من جنسية واحدة» في إشارة الى مصر. وتزامن موسم الحجّ وهو من أكبر التجمعات الدينية في العالم، مرة جديدة هذا العام مع طقس حار للغاية إذ بلغت الحرارة مطلع الأسبوع الحالي 51،8 درجة مئوية في الظلّ في مكة المكرّمة.
ويتأثر الحج وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، بشكل متزايد بالتغير المناخي بحسب دراسة سعودية أفادت بأن الحرارة في المنطقة ترتفع 0،4 درجة مئوية في كل عقد. توفي 658 مصريًا خلال الحج وشكلوا بذلك أكثر من نصف المتوفين هذا العام.
وقال دبلوماسي عربي لوكالة الصحافة الفرنسية إن 630 من هؤلاء المصريين المتوفين لم يكونوا مسجلين.
وبعد سنوات من السعي عبثا للحصول على تأشيرة الحج، عقد ياسر العزم على الذهاب إلى مكة وأداء الفريضة بدون تصريح رسمي، وهو ما ندم عليه.
وإن تمكن ياسر من أداء المناسك وخرج سليمًا في الظروف القاسية الناجمة عن درجات الحرارة الشديدة خلال موسم الحج مرة أخرى هذا العام، فإنه لم ير زوجته منذ يوم الأحد ويخشى أن تكون من بين أكثر من 1000 حاج أعلنت وفاتهم وأغلبهم من المصريين غير المسجلين مثله.
قال المهندس المتقاعد البالغ 60 عاما لوكالة الصحافة الفرنسيةعبر الهاتف من غرفته في الفندق، حيث مكث قلقًا ومترددًا في حزم حقيبة زوجته على أمل عودتها وتوضيبها بنفسها، «بحثت في كل مستشفى في مكة. لم أجدها». وأضاف «لا أريد أن أصدق احتمال أنها ماتت، لأن وفاتها تعني نهاية حياتها ونهاية حياتي أيضًا». توفي 658 مصريًا خلال الحج وشكلوا بذلك أكثر من نصف المتوفين هذا العام بعد إبلاغ نحو عشر دول تمتد من السنغال إلى إندونيسيا حتى الجمعة عن أكثر من 1000 وفاة، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس. وقال دبلوماسي عربي لوكالة فرانس برس إن 630 من هؤلاء المصريين المتوفين لم يكونوا مسجلين، وهذا يعني أنهم لا يستطيعون استخدام وسائل الراحة الموفرة لتيسير أداء المناسك مثل الخيام المكيَّفة التي تقيهم القيظ مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 51،8 درجة مئوية في المسجد الحرام في مكة. وفي أول تعقيب سعودي على الوفيات، قال مسؤول سعودي رفيع المستوى لوكالة فرانس برس الجمعة إن 577 شخصًا توفوا خلال الحج في يوم عرفة السبت والعيد الأحد، وأنه لم يتم بعد تقدير العدد الإجمالي للوفيات. وقال المسؤول إن السلطات السعودية «لم تقصِّر، ولكن هناك سوء تقدير من الناس الذين لم يقدروا المخاطر التي سوف تحدث لهم».
وأعلنت وزارة الصحة السعودية عن أكثر من 2700 حالة «إجهاد حراري» خلال يوم الأحد وحده
تُصدر السعودية كل عام تصاريح رسمية من خلال نظام الحصص المخصصة لمختلف البلدان والتي يتم توزيعها على الأفراد عن طريق القرعة. ولكن تكاليف رحلة الحج الرسمية الباهظة تغري حتى من يستطيعون الحصول على التصريح الرسمي على اللجوء إلى الطريق غير الرسمي من أجل توفير بضعة آلاف الدولارات.
صار هذا الأمر متاحًا بشكل خاص منذ عام 2019 عندما بدأت السعودية في إصدار تأشيرات سياحية عامة، وهو ما سهل السفر إلى المملكة الخليجية.
فقبل وقت طويل من بدء مناسك الحج الرسمية قبل أسبوع، رفضت بعض المتاجر والمطاعم تقديم الخدمة للزوار الذين لم يتمكنوا من إظهار تصاريحهم على تطبيق الحج الرسمي، المعروف باسم «نسوك».
وبمجرد أن بدأت المناسك وأيام الطواف والصلاة الطويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، لم يتمكن من استخدام حافلات الحج الرسمية، وهي وسيلة النقل الوحيدة حول الأماكن المقدسة، من دون دفع رسوم باهظة على نحو غير رسمي.
وعندما أصيب بالإعياء جراء الحرارة، قصد مستشفى في منى للحصول على رعاية عاجلة، لكن لم يتم استقباله، على قوله هناك أيضًا لأنه لا يحمل تصريحًا.
ومع تدهور حالتهما الصحية، فقد ياسر زوجته صفاء وسط الزحام أثناء رمي الجمرات في منى. ومنذ ذلك الحين وهو يؤجل رحلة العودة إلى مصر مرة بعد أخرى، على أمل أن تعود.
وقال «سأستمر في التأجيل إلى أن أجدها».
-»مصر كلها حزينة» -
تحدث حجاج مصريون آخرون غير مسجلين قابلتهم وكالة فرانس برس هذا الأسبوع عن صعوبات مماثلة واجهوها وعن مشاهد مقلقة على طول طريق الحج مع ازدياد وطأة الحر.
وقال محمد وهو مصري عمره 31 عاما يعيش في السعودية وأدى فريضة الحج هذا العام مع والدته البالغة 56 عاما «كنا نرى جثثًا ممددة على الأرض» في عرفات ومنى وفي الطريق إلى مكة.
وأضاف «رأيتُ أشخاصًا ينهارون فجأة ويموتون من الإرهاق».
وقالت مصرية أخرى توفيت والدتها خلال أداء المناسك، ورفضت الكشف عن اسمها لأنها تعيش في الرياض، إنه كان من المستحيل إحضار سيارة إسعاف لوالدتها، وان سيارة خدمات الطوارئ لم تأتِ إلا بعد وفاتها، ونقلت جثمانها إلى مكان مجهول.
وأضافت «حتى الآن ما زال أبناء عمومتي في مكة يبحثون عن جثة والدتي … أليس من حقنا أن نلقي عليها نظرة أخيرة قبل دفنها؟».
أما مصطفى فتوفي والداه المسنان اللذان كانا يحملان تصريحًا رسميًا بعد انفصالهما عن مرافقيهما الأصغر سنًا. وقال الشاب إن حتى بعض الحجاج المسجلين واجهوا صعوبات في الاستعانة بخدمات الطوارئ، بسبب الضغط الشديد عليها.
وقال مصطفى لوكالة فرانس برس عبر الهاتف من مصر «كنا نعلم أنهما منهكان. كانا يسيران لمسافات طويلة جداً ولم يتمكنا من الحصول على الماء، وكان الجو حاراً جداً».
كان مصطفى يتطلع إلى الترحيب بهما لدى عودتهما، لكن عزاءه الوحيد الآن أنهما دفنا في مدينة مكة المكرمة.
وقال «طبعا نحن مؤمنون بما كتب الله لهما…. لكن مصر كلها حزينة. … لن نراهما مرة أخرى».
























