
لكيلا أثقلُ عليكم بتداعيات أخي الحبيب الراحل الإعلامي علي النواب، أكتفي بنقل خواطره الشجيَّة بهذه الحلقة الأخيرة، وعزمي جمع كل ما كتبهُ على صفحتهِ في الفيس بوك لإصدارها في كتاب بعنوان على باب الله، إذا ظلَّ في العمر بقيَّة.
على باب الله ٢٦ شباط
صباحُ الخير..
وسطَ مدينةٍ حسناء بعيون نجلاء وجدائل ذهبية تغفو برقةٍ على ضفة نهر الفرات، عشتُ طفولتي في(أبوصخير) هذه المدينة الفردوس، سأتحدث بعجالةٍ عن أهمِ الأعمال التي زاولتها في رحلة العمر، ففي مرحلة التعليم الابتدائي عملتُ في مقهى (جبار الثور) كان معظمُ روادهُ من المثقفين الشباب ومنهُ ابتدأت محبتي للقراءة حتى اللحظة، عملي في مرحلة الطفولة والمراهقة لم يكن بدافع الحاجة إلى المال ولكن والــدي ووالدتي ــ المجتمع بصفة عامة آنذاك ــ كان يعتبر العاطل عن العمل عيباً كبيراً يكاد يقتربُ من وصمة العار. وعملتُ أيضا ً عاملا ً في مخبز بصفة (بادو) وهو المسؤول عن تنظيف المخبز والأواني والأدوات ونقل (الشنگ) قرب التنور وبيع الخبز على الزبائن.. ومن الأعمال التي زاولتها في مرحلة المتوسطة والإعدادية عاملاً في البناء ومُشغِّل مكائن في معمل للطحين وفي مرحلة الشباب عملت ُنصف أُسطة (خِلفة) في تسليح البيوت وعاملاً بعربة تبيع (بيض بالدهن) في ساحة الطيران بمشاركة أخي حسن النواب ونادلاً في مطعم وفي بيع المواد الغذائية وحارساً وكاتبا ً في سوق بيع الأغنام مدة سبعُ سنوات، ومراسلا ًلجريدة العراق.
قضيت أكثر من عشرة سنوات في خدمة العَلم بين الخدمة الإلزامية والاحتياط، لم أنتمي ولن أنتمي لأي حزبٍ أو جهة سياسية أو دينية.. إلاَّ إذا اعتبرَ انخراطي في فريق الكشافة في المرحلة الابتدائية انتماءً..
خارج المتن: نحنُ نخشى العيب َأكثر من الحرام، ونقدِّسُ رجل الدين أكثر من الدين نفسه، ونُخفي حقائقنا خلفَ الأقنعة.
الصورة: نهر دجلة، المتنبي، استمتعْ بالأشياء واللحظات الصغيرة.. قدْ يأتي يومٌ ستدركُ فيه أنها كانت الأشياء الكبيرة واللحظات الكبيرة.
على باب الله 28 شباط
مساء الخير..
(على نيتي، وياك ضيعت العمر، وأجمل سنيني.. على نيتي، نطيتك أغلى ما عندي،
تاليَّكْ غدر يا ناسي تضحيتي) عندما تحب لا تفكر بالنهايات، هكذا جرّبتُ وهكذا عشت، هي من بدأت قصة الحب التي أخذت سنين من حياتي.. تعودت أنْ أزور بيت قريب لي لا يبعد كثيرا عن بيتنا، كانت تراقبني من خلال النافذة، في البداية لم أتبين ملامح وجهها بشكل دقيق، لأنها كانت تخفي معظم وجهها خلف الستارة. في يوم ٍ صيفي كنت أمام باب قريبي أداعب أحد أطفالهم، سمعت صوت ستارة النافذة وهي تزاح، التفتُ، كان وجهها الأبيض المائل للحمرة وشعرها الأشقر يطلُّ من خلف النافذة وثمة شبح ابتسامة مرسوم بعناية على محيَّاها الرقيق.. في هذه اللحظة تماما لسعني قلبي وتجمدت للحظات، ثم انسحب الوجه المشرق وغاب خلف الستارة، لكن إحساسي أبلغني أنها لا تزال واقفة قرب النافذة. هكذا بالضبط بدأت الحكاية، وهكذا بالضبط بعد سنين انتهت الحكاية.. وهل انتهت فعلا كما أحاول أنْ أوهمَ نفسي، كانت رغبتي أنْ أكمل بقية القصة لكنَّ وضعي الصحي حال دون ذلك، سنرى إنْ كنتُ سأكمل القصة في القابل من الأيام، أمْ أنّي سأنسى كل شيء..
الصورة: في إحدى مطاعم بيروت
الكلمات في بداية النص هي من أغنية “على نيتي” جلال خورشيد.
على باب الله 12 آذار
صباحُ الخَير..
الفتى الذي احتفظ َبرأسهِ حرَّاً برغم الضغوط المرعبة، أنْ تكون مستقلاً فأنت ضدَّ الحزب والثورة، وتقامر ُ بحياتك، الشاب الذي تجاوزَ حرب طاحنة امتدت أكثر من عشر سنوات، تجاوز فيها ملايين الرصاص وآلاف القذائف وسرايا الإعدامات والسيطرات والمفارز الحزبية، التقارير السرية، المخبرين السريين، صبر على موت عشرات الأصدقاء والأقارب، والذي اجتاز أكثر من عشر سنين من الحصار القاسي والمرير، وتجاوز بعد ذلك بُرك الدم التي انتشرت على خارطة والوطن والقلب، لا يمكن أنْ تقتلهُ علَّة عابرة أو متوطنة وإنْ داعبت بخوف أغلى عضو في جسده الستيني، نعم تداعيت بشكل خطير، لكني لنْ أسقط، دعونا نحتفي بالحياة كما ينبغي، حتى يحين موعد الفرمان الإلهي.
الصورة: يوم أمس كنتُ منتعشاً بعض الشيء، (بس اليوم گعدت مچسّي، لا يهم القابل من الأيام سيكون أفضل، باب الطاگ، أمام أحد أقدم الأبواب في المحلّة.
عدسة: علاء شاكر الصالحي الذبحاوي.
على باب الله 15 آذار
صـباحُ الـخير..
أدرك ُمنذ زمن طويل أنه لم يعدْ بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف رحلته البائسة، لم يكن هناك سوى مقاومةٍ وحيدةٍ ممكنةٍ، ألاَّ أأخذهُ على محمل الجد.
الصورة: الحياةُ لغزٌ كبير لم تُحَلْ طلاسمها بعد.
على باب الله 16 آذار
صباحُ الخير..
بالحبِ نستطيعُ قهر كثير من المنغّصات والمعوّقات بما فيها الإفلاس المادي والفكري، أحببْ من كل قلبك، تصبح غنياً بأشياء كثيرة، احتمال (راح تُگلي شنو هاي الأشياء، راح اگلُك عليك اكتشافها بنفسك.)
الصورة: وحدكَ، مع السماء الزرقاء الشاحبة، والهواء الطلق، صافي النفس، نقي السريرة، بالتأكيد ستكون أقرب إلى الله.
حسن النواب
























