على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬‭(‬3‭)‬- حسن النواب

لكيلا‭ ‬أثقلُ‭ ‬عليكم‭ ‬بتداعيات‭ ‬أخي‭ ‬الحبيب‭ ‬الراحل‭ ‬الإعلامي‭ ‬علي‭ ‬النواب،‭ ‬أكتفي‭ ‬بنقل‭ ‬خواطره‭ ‬الشجيَّة‭ ‬بهذه‭ ‬الحلقة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وعزمي‭ ‬جمع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كتبهُ‭ ‬على‭ ‬صفحتهِ‭ ‬في‭ ‬الفيس‭ ‬بوك‭ ‬لإصدارها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬بعنوان‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬الله،‭ ‬إذا‭ ‬ظلَّ‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬بقيَّة‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬‮٢٦‬‭ ‬شباط

صباحُ‭ ‬الخير‭..‬

وسطَ‭ ‬مدينةٍ‭ ‬حسناء‭ ‬بعيون‭ ‬نجلاء‭ ‬وجدائل‭ ‬ذهبية‭ ‬تغفو‭ ‬برقةٍ‭ ‬على‭ ‬ضفة‭ ‬نهر‭ ‬الفرات،‭ ‬عشتُ‭ ‬طفولتي‭ ‬في‭(‬أبوصخير‭) ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الفردوس،‭ ‬سأتحدث‭ ‬بعجالةٍ‭ ‬عن‭ ‬أهمِ‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬زاولتها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬العمر،‭ ‬ففي‭ ‬مرحلة‭ ‬التعليم‭ ‬الابتدائي‭ ‬عملتُ‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ (‬جبار‭ ‬الثور‭) ‬كان‭ ‬معظمُ‭ ‬روادهُ‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الشباب‭ ‬ومنهُ‭ ‬ابتدأت‭ ‬محبتي‭ ‬للقراءة‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة،‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الطفولة‭ ‬والمراهقة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بدافع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المال‭ ‬ولكن‭ ‬والــدي‭ ‬ووالدتي‭ ‬ــ‭ ‬المجتمع‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬آنذاك‭ ‬ــ‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬العاطل‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬عيباً‭ ‬كبيراً‭ ‬يكاد‭ ‬يقتربُ‭ ‬من‭ ‬وصمة‭ ‬العار‭. ‬وعملتُ‭ ‬أيضا‭ ‬ً‭ ‬عاملا‭ ‬ً‭ ‬في‭ ‬مخبز‭ ‬بصفة‭ (‬بادو‭) ‬وهو‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬تنظيف‭ ‬المخبز‭ ‬والأواني‭ ‬والأدوات‭ ‬ونقل‭ (‬الشنگ‭) ‬قرب‭ ‬التنور‭ ‬وبيع‭ ‬الخبز‭ ‬على‭ ‬الزبائن‭.. ‬ومن‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬زاولتها‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬المتوسطة‭ ‬والإعدادية‭ ‬عاملاً‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬ومُشغِّل‭ ‬مكائن‭ ‬في‭ ‬معمل‭ ‬للطحين‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬الشباب‭ ‬عملت‭ ‬ُنصف‭ ‬أُسطة‭ (‬خِلفة‭) ‬في‭ ‬تسليح‭ ‬البيوت‭ ‬وعاملاً‭ ‬بعربة‭ ‬تبيع‭ (‬بيض‭ ‬بالدهن‭) ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الطيران‭ ‬بمشاركة‭ ‬أخي‭ ‬حسن‭ ‬النواب‭ ‬ونادلاً‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬وفي‭ ‬بيع‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬وحارساً‭ ‬وكاتبا‭ ‬ً‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬بيع‭ ‬الأغنام‭ ‬مدة‭ ‬سبعُ‭ ‬سنوات،‭ ‬ومراسلا‭ ‬ًلجريدة‭ ‬العراق‭.‬

قضيت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬العَلم‭ ‬بين‭ ‬الخدمة‭ ‬الإلزامية‭ ‬والاحتياط،‭ ‬لم‭ ‬أنتمي‭ ‬ولن‭ ‬أنتمي‭ ‬لأي‭ ‬حزبٍ‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭.. ‬إلاَّ‭ ‬إذا‭ ‬اعتبرَ‭ ‬انخراطي‭ ‬في‭ ‬فريق‭ ‬الكشافة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬انتماءً‭..‬

خارج‭ ‬المتن‭: ‬نحنُ‭ ‬نخشى‭ ‬العيب‭ ‬َأكثر‭ ‬من‭ ‬الحرام،‭ ‬ونقدِّسُ‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬نفسه،‭ ‬ونُخفي‭ ‬حقائقنا‭ ‬خلفَ‭ ‬الأقنعة‭.‬

الصورة‭: ‬نهر‭ ‬دجلة،‭ ‬المتنبي،‭ ‬استمتعْ‭ ‬بالأشياء‭ ‬واللحظات‭ ‬الصغيرة‭.. ‬قدْ‭ ‬يأتي‭ ‬يومٌ‭ ‬ستدركُ‭ ‬فيه‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬الأشياء‭ ‬الكبيرة‭ ‬واللحظات‭ ‬الكبيرة‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬28‭ ‬شباط

مساء‭ ‬الخير‭..‬

‭(‬على‭ ‬نيتي،‭ ‬وياك‭ ‬ضيعت‭ ‬العمر،‭ ‬وأجمل‭ ‬سنيني‭.. ‬على‭ ‬نيتي،‭ ‬نطيتك‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬عندي،

‭ ‬تاليَّكْ‭ ‬غدر‭ ‬يا‭ ‬ناسي‭ ‬تضحيتي‭) ‬عندما‭ ‬تحب‭ ‬لا‭ ‬تفكر‭ ‬بالنهايات،‭ ‬هكذا‭ ‬جرّبتُ‭ ‬وهكذا‭ ‬عشت،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬بدأت‭ ‬قصة‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬حياتي‭.. ‬تعودت‭ ‬أنْ‭ ‬أزور‭ ‬بيت‭ ‬قريب‭ ‬لي‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬بيتنا،‭ ‬كانت‭ ‬تراقبني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النافذة،‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬لم‭ ‬أتبين‭ ‬ملامح‭ ‬وجهها‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬تخفي‭ ‬معظم‭ ‬وجهها‭ ‬خلف‭ ‬الستارة‭. ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ٍ‭ ‬صيفي‭ ‬كنت‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬قريبي‭ ‬أداعب‭ ‬أحد‭ ‬أطفالهم،‭ ‬سمعت‭ ‬صوت‭ ‬ستارة‭ ‬النافذة‭ ‬وهي‭ ‬تزاح،‭ ‬التفتُ،‭ ‬كان‭ ‬وجهها‭ ‬الأبيض‭ ‬المائل‭ ‬للحمرة‭ ‬وشعرها‭ ‬الأشقر‭ ‬يطلُّ‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬النافذة‭ ‬وثمة‭ ‬شبح‭ ‬ابتسامة‭ ‬مرسوم‭ ‬بعناية‭ ‬على‭ ‬محيَّاها‭ ‬الرقيق‭.. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تماما‭ ‬لسعني‭ ‬قلبي‭ ‬وتجمدت‭ ‬للحظات،‭ ‬ثم‭ ‬انسحب‭ ‬الوجه‭ ‬المشرق‭ ‬وغاب‭ ‬خلف‭ ‬الستارة،‭ ‬لكن‭ ‬إحساسي‭ ‬أبلغني‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬واقفة‭ ‬قرب‭ ‬النافذة‭. ‬هكذا‭ ‬بالضبط‭ ‬بدأت‭ ‬الحكاية،‭ ‬وهكذا‭ ‬بالضبط‭ ‬بعد‭ ‬سنين‭ ‬انتهت‭ ‬الحكاية‭.. ‬وهل‭ ‬انتهت‭ ‬فعلا‭ ‬كما‭ ‬أحاول‭ ‬أنْ‭ ‬أوهمَ‭ ‬نفسي،‭ ‬كانت‭ ‬رغبتي‭ ‬أنْ‭ ‬أكمل‭ ‬بقية‭ ‬القصة‭ ‬لكنَّ‭ ‬وضعي‭ ‬الصحي‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬سنرى‭ ‬إنْ‭ ‬كنتُ‭ ‬سأكمل‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬القابل‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬أمْ‭ ‬أنّي‭ ‬سأنسى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭..‬

الصورة‭: ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬مطاعم‭ ‬بيروت‭ ‬

الكلمات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬النص‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أغنية‭ “‬على‭ ‬نيتي‭” ‬جلال‭ ‬خورشيد‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬12‭ ‬آذار

صباحُ‭ ‬الخَير‭..‬

الفتى‭ ‬الذي‭ ‬احتفظ‭ ‬َبرأسهِ‭ ‬حرَّاً‭ ‬برغم‭ ‬الضغوط‭ ‬المرعبة،‭ ‬أنْ‭ ‬تكون‭ ‬مستقلاً‭ ‬فأنت‭ ‬ضدَّ‭ ‬الحزب‭ ‬والثورة،‭ ‬وتقامر‭ ‬ُ‭ ‬بحياتك،‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬تجاوزَ‭ ‬حرب‭ ‬طاحنة‭ ‬امتدت‭ ‬أكثر‭  ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬تجاوز‭ ‬فيها‭ ‬ملايين‭ ‬الرصاص‭ ‬وآلاف‭ ‬القذائف‭ ‬وسرايا‭ ‬الإعدامات‭ ‬والسيطرات‭ ‬والمفارز‭ ‬الحزبية،‭ ‬التقارير‭ ‬السرية،‭ ‬المخبرين‭ ‬السريين،‭  ‬صبر‭ ‬على‭ ‬موت‭ ‬عشرات‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والأقارب،‭  ‬والذي‭ ‬اجتاز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬القاسي‭ ‬والمرير،‭ ‬وتجاوز‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بُرك‭ ‬الدم‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬والوطن‭ ‬والقلب،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬تقتلهُ‭ ‬علَّة‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬متوطنة‭ ‬وإنْ‭ ‬داعبت‭ ‬بخوف‭ ‬أغلى‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬جسده‭ ‬الستيني،‭ ‬نعم‭ ‬تداعيت‭ ‬بشكل‭ ‬خطير،‭ ‬لكني‭ ‬لنْ‭ ‬أسقط،‭ ‬دعونا‭ ‬نحتفي‭ ‬بالحياة‭ ‬كما‭ ‬ينبغي،‭ ‬حتى‭ ‬يحين‭ ‬موعد‭  ‬الفرمان‭ ‬الإلهي‭.‬

الصورة‭: ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬كنتُ‭ ‬منتعشاً‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ (‬بس‭ ‬اليوم‭ ‬گعدت‭ ‬مچسّي،‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬القابل‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬سيكون‭ ‬أفضل،‭ ‬باب‭ ‬الطاگ،‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬أقدم‭ ‬الأبواب‭ ‬في‭ ‬المحلّة‭.‬

عدسة‭: ‬علاء‭ ‬شاكر‭ ‬الصالحي‭ ‬الذبحاوي‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬15‭ ‬آذار

صـباحُ‭ ‬الـخير‭..‬

أدرك‭ ‬ُمنذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعدْ‭ ‬بالإمكان‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬تغييره‭ ‬إلى‭ ‬الأفضل،‭ ‬ولا‭ ‬إيقاف‭ ‬رحلته‭ ‬البائسة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬سوى‭ ‬مقاومةٍ‭ ‬وحيدةٍ‭ ‬ممكنةٍ،‭ ‬ألاَّ‭ ‬أأخذهُ‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجد‭.‬

الصورة‭: ‬الحياةُ‭ ‬لغزٌ‭ ‬كبير‭ ‬لم‭ ‬تُحَلْ‭ ‬طلاسمها‭ ‬بعد‭.‬

على‭ ‬باب‭ ‬الله‭ ‬16‭ ‬آذار

صباحُ‭ ‬الخير‭..‬

بالحبِ‭ ‬نستطيعُ‭ ‬قهر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المنغّصات‭ ‬والمعوّقات‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الإفلاس‭ ‬المادي‭ ‬والفكري،‭ ‬أحببْ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قلبك،‭ ‬تصبح‭ ‬غنياً‭ ‬بأشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬احتمال‭ (‬راح‭ ‬تُگلي‭ ‬شنو‭ ‬هاي‭ ‬الأشياء،‭ ‬راح‭ ‬اگلُك‭ ‬عليك‭ ‬اكتشافها‭ ‬بنفسك‭.)‬

الصورة‭: ‬وحدكَ،‭ ‬مع‭ ‬السماء‭ ‬الزرقاء‭ ‬الشاحبة،‭ ‬والهواء‭ ‬الطلق،‭ ‬صافي‭ ‬النفس،‭ ‬نقي‭ ‬السريرة،‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ستكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭.‬

حسن‭ ‬النواب