الدراويش ويا محلى الحياة – لطيف دلو

الدراويش ويا محلى الحياة – لطيف دلو

خلال الاعوام الخمسينيات القرن الماضي كنا اطفالا لا نعرف من الحياة الا اللهو واللعب بالاحجاروالاعواد واشياء اخرى نصنعها بانفسنا ومنها لعبة سباق ركوب البراق التي تعلمناها من الدراويش حيث كان من المعتاد ان يزورون القرى في وقت قريب من جنى المحاصيل بفترة قليلة برئاسة رجل ديني وقار دون ان يعرف احد من اهل القرى مقصدهم إلا لاغراض دينية ولربما كانت لاغراض دعائية للتنبيه لارسال زكات االمحاصيل الزراعية والحيوانية إليهم وكنا بانتظارهم وملهوفين لرؤية شعائرهم الدروشية .

قبل وصولهم الى القرية باكثر من 2 كم كانوا يقومون باداء شعائرهم الدروشية بصيحات حي الله وضرب الطبول والدفوف وعند سماعنا لاصواتهم كنا نتقدم لإستقبالهم والترحيب بهم بلهفة ، نراهم بان الشيخ راكب حصانا مزينا بكراكيش من الخيوط الملونة وسرج في غاية من الاناقة ودرويشا ماسكا رسنه ويمشي  امامه والدراويش الاخرين راكبين اعواد القصب مزينة بكراكيش من الخرق الملونة  وهم في سباق حميم  يتراكضون حول حصان الشيخ وقسم يمشون وراءهم بصيحات ( حي الله ) ويدقون الطبول والدفوف الى وصولهم وسط القرية مع وقفة قصيرة من اداء شعائرهم ثم يتوزعون على اهل القرية والشيخ مكانه معروف في اكبر مضيف في القرية وحصانه له معلف خاص والشيء العجاب لدينا عندما نسألهم عن ركوب القصب يقولون هذا براق ركوبه افضل واعلى سرعة من الحصان وعند مرافقتهم اهالي البيوت للمبيت يوصونهم بان  يجعلوا راسه في عنابر الشعير لياكل منها ويبارك الله فيها  .

بعد الغداء او العشاء كانت لهم حلقة ذكر على شكل دائرة يقومون باداء حركات سريعة في الركوع والقيام بشعرهم الطويل بصيحات حي الله على انغام الطبول والدفوف وضرب السيوف والدرباشة باشراف شيخهم وبانتهاء الحلقة يقوم الشيخ بالقاء موعظة على الحاضرين  مع الوداع الى السنة القادمة ويغادرونها اذا كان نهارا ويقصدون القرى الاخرى وتعلمنا منهم ركوب القصب والسباق بها كبراق والرابح والخاسر هو من الراكب لاغيره .

نعم كانت تلك الخمسينيات عصرا شبه جاهليا ، الامية والامراض منتشرة تهتك بالبشر والمواشي والحياة صعبة بسبب الفقر المادي ولكن حلاوتها كانت ظاهرة على الوجوه لوجود الامن والاستقرار ، لاغش ولا حيل ولاسرقة ولا كذب ولا خداع ولا اثنية ولا طائفية ولا رشوة ولا قاتل ولا مقتول فيها وكبيرهم خادمهم وإن سقطت قطرة دم اي إنسان على الارض تنقلب الارض والسموات عليها وإذا مات احد في القرية تحرم عليها الافراح بجميع اشكالها لمدة سنة ومن ثم إلا بإن المفاجعين من اهله واجزم إن كانت القرية اكثر خمسين عائلة كانت بمثابة اسرة واحدة ويا محلى الحياة انذاك لان لم نستفاد من العلم والتكنلوجيا وكثرة الجامعات إلا للاحتيال والغش والنهب وملائكة الرحمة شيطانا والحارس سارقا والمؤتمن خائنا والحاكم مسلطا والكبير سارقا والمثقف محتالا وسفك الدماء اسلوبا إعتياديا إلا ما رحم الله  وقانون الغاب سيد المواقف .ونترحم على تلك السنوات التي قضيناها على ركوب القصب وصياح حي الله ومرواح شعرات الدراويش  ، لان كانت النيات صافية والضمائر مرتاحة ولا خوف على الغد لان لقمة العيش كانت مضمونة فيما بينهم  والقناعة كنز ولو على فتات خبز.