
نفاق مليشيات – عماد مكلف البدران
عندما كنت مراهقاً كنت اُطالع بعضاً من الكتب التي تتحدث عن الكفاح المسلح والنضال، فحينها وقع جيلنا تحت تأثير الاعلام القومي وبشدة، فضلا عن التأثر بمعطيات القضية الفلسطينية وأحداثها التي كانت تصلنا عبر الاثير المسموع والمرئي ونحن نتحمس لخوض الكفاح الى جانب اخوتنا العرب هناك على ارض فلسطين ضد الصهاينة وكلنا عنفوان ولم نكن نتداول مفردة جهاد مطلقاً بل لم ترد في اذهاننا ؛لأن الاعلام قدم لنا مفردة كفاح ونضال فهما لصيقتان للاتجاه القومي الذي كان سائداً ،وكنا نجد هذا الكفاح متجسداً بالمنظمات الفلسطينية وما التحق بها من تشكيلات على الرغم من وصف بعضها بالمليشيات المسلحة، وقد عرفنا انها قوى شعبية غير رسمية ومنظمة مثل الجيش الوطني إنما هي مجاميع مقاومة وكفاح تريد تحرير أرضها وتتبع حرب عصابات وتخوض معارك على شكل تجمعات تضرب في المدن والقرى حتى في الطائرات، وكذلك كنا نقرأ عن المليشيات الوطنية التي خاضت النضال في فيتنام وكوبا وعموم امريكا اللاتينية تحت مسميات مختلفة وطنية وشيوعية، وهكذا كان تصورنا عن المليشيات وما ان سقط النظام السابق في عام 2003 حتى ظهرت في الشارع تجمعات عسكرية متنوعة الاتجاه والارتباط والايدلوجية ورحنا نتفحصها جيداً ونحن نبحث في داخلها عن تلك التي عرفناها، فإذا ببعض منها لا تنتمي للمفهوم الوطني وبعيدة عن تلك التي اُريد منها أن تحرر الارض ثم تلقي سلاحها لتبني دولة يكون قرارها هو السائد وقانونها هو الحاكم والنافذ لا ان تتقاسم السيادة معها فبدلاً من أن تذوب في الدولة اصبح لها اليد الطولى لنجدها تتدخل حتى في صنع القرار وادارة ملفات الدولة الحساسة مثل المخابرات والأجهزة الأمنية مستغلة الشكل السائد والمرغوب فيه، وهو ان تكون لنا دولة ديمقراطية تتيح للشعب تنظيم نفسه في احزاب سياسية تتداول السلطة سلمياً لا ان يكون لها أجنحة عسكرية تنهب ثروات البلد وتستغل شبابه لان يكونوا درعاً واقياً لها وبهم تكبر وتزداد هيمنة، وها نحن اليوم أينما نلتفت نرى صور جماعاتها وشعارتها تنتشر لتُذكرني بما قرأته في إحدى القصص القصيرة لأديب عربي مشهور قد شطبت ذاكرتي اسمه ليس عن عمد إنما بسبب تراكمت السنين وضغوطاتها ،فقد كان يصف الحرب الأهلية في لبنان وكيف تشابكت الأحداث واختلطت بدعم خارجي دولي ادى الى ظهور مليشيات ذات اعتناقات دينية وطائفية وسياسية مختلفة متقاتلة ضاع بين رماد معاركها معنى الوطن وقُتل عمداً ،فقد صور بدقة ومن زاوية مختلفة تماماً عن سابقيه من كتاب أدب المعارك والسياسة، الواقع المرير وكيف حولوه الى أداة عاطفية تحشيّدية ارتكزت عليها اغلب المليشيات لجذب جماهيرها وكسبهم وشدهم بقوة إليها ليكونوا حطب معارك أهلية طائفية وسياسية ،فذاكرتي تجود ببقايا حادثة من تلك القصة عن واقع معيش ،إذ جاء احدهم يخبر قائده المليشاوي بانه والحمد لله وضعت الحرب أوزارها وسيحل السلام وقد اتفق القادة الكبار على نهائها ، ليقف قائده وهو يبحلق ويمعن النظر بصور شهداء المليشيا ويرمقها وكأنه يعدهم ويحصيهم وقال: يا هذا كم عدد شهدائنا ، اجابه: يا سيدي لقد بلغنا تسعمئة وتسعاً وتسعين شهيداً ،الفاً إلا واحداً ، قال القائد المليشاوي وبقية قوات الاحزاب كم بلغ عدد قتلاهم ، اخبره : بعضهم تجاوز الألف وأخرون أكثر من ذلك ، فطلب منه أن يذهب بمعية مقاتلين آخرين ليغيروا على احد الاحزاب ولا يرجع أحد منهم الا وقد استشهد منهم ما ينقصه ألفهم ليصبح عدد شهداء حزبهم الفاً ، تعجب المقاتل ليخبره قائده: لكي يكون لنا مثلهم وجود في الدولة المقبلة فستُحدد المناصب على عدد الشهداء وكذلك سيكون مجدنا.























