للباحثين عن التغيير – محمد زكي ابراهيـم

محمد زكي ابراهيـم

لقد اعتدنا في بلادنا المشرقية أن نطلق على النزاعات السياسية، التي تنجح بتغيير نظام الحكم، وتشرع بوضع أركانه في السجن، ثم تأتي بنظام آخر بديل، اسم الثورة. وفي الغالب، تحظى هذه الثورة بمؤيدين، يجعلونها قادرة على البقاء سنوات تطول أو تقصر حسب الظروف. في ما تتفاوت النتائج من واحدة لأخرى سلباً أو إيجاباً. فقد كان بعض هذه التجارب نموذجاً جيداً، والبعض الآخر سيئاً، وهكذا.
إن الوصول إلى سدة الحكم، والتربع على كرسي السلطة، أمران يستهويان الكثير من ذوي الطموح الكبير، والهمم العالية. ويكاد تاريخ البشرية في معظمه أن يكون انعكاساً لرغبات هؤلاء في الإمساك بمركز القرار، والصعود إلى القمة، بشتى الوسائل، ومختلف الأساليب.
بيد أن الواقع يثبت أن الثورات الحقيقية ليست هي التي تتغير فيها الوجوه، أو تتبدل فيها السحنات، أو التي يحل فيها اتجاه سياسي محل آخر. بل تلك التي تحدث طفرة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. وقد عد بعض المفكرين آراء العالم البولندي كوبرنيكوس (ت 1543) ثورة كبرى أنتجت العصر المعروف بالنهضة. فقد أحدثت تغييراً جوهرياً في المفاهيم التي تبنتها الجهات الدينية في حينه، القائمة على مبدأ الثبات، والمستمدة من آراء بطليموس. وكان من المتوقع أن تكون ردود أفعال الكنيسة عنيفة جداً تجاه هذا الرجل. لكنه كان محظوظاً إلى حد ما. فقد توفي يوم صدور كتابه الذي ضمنه مجمل بحوثه، ونجا بذلك من المصير المحزن الذي لقيه خليفته غاليلو غاليلي (ت 1642) أمام المحاكم الكنسية!
أي أن المفاهيم الجديدة، التي تحدث تحولاً أساسياً في التفكير، وتكون مقدمة لإضافات علمية واقتصادية واجتماعية، هي التي يمكن أن يطلق عليها اسم الثورة. لكننا اعتدنا على إطلاق هذه التسمية على الانقلابات العسكرية والحزبية، التي تقوم لأسباب مختلفة بتغيير أنظمة الحكم. وترافقها في العادة أعمال عنف وتصفيات جسدية. فهي حركات آنية قائمة على انفعالات شخصية أو فئوية، غير قادرة على إحداث هزات فكرية في المجتمع. ولا يتعدى تأثيرها حدود البلد الذي تحدث فيه، أو تتجاوز زمنها الذي تنتسب إليه.
وإذا كنا نعيش الآن في بلادنا، والبلاد المشرقية الأخرى، في نوع من الاستقرار السياسي، فإن حدوث أي ثورة على الطراز الشائع (أي قلب الأنظمة الحاكمة بالإكراه) يعني الدخول في متاهات لا يمكن الخروج منها بسلام (وقد حدث مثل ذلك مؤخراً في بلدان عربية أخرى مثل السودان وليبيا)، فإن المطلوب هو التفكير في ثورات من نوع آخر، تتولى عملية تغيير العقول وتطوير المجتمع. وهي أمور يمكن أن ينهض بها فرد مثلما فعل كوبرنيكوس وغاليلو، أو مجموعة مثلما حدث في جنوب شرقي آسيا. فبناء معمل صناعي صغير، أو إنشاء مزرعة متوسطة الحجم، هما أنفع للبلاد من حركة تقوم بها ألوية من الجيش تحت جنح الظلام، لإزاحة حكومة والإتيان بغيرها، أو احتجاجات يقوم بها شبان صغار، يغلقون فيها الطرق، ويعطلون فيها الحياة.
بخطوة كهذه نستطيع أن نتحدث عن ثورة حقيقية، تنتقل بنا من حال لحال، ومن وضع لوضع. وتخلق تنمية حقيقية في المجتمع والدولة. فمثل هذه الثورة هي التي يحتاجها الناس. وهي التي تجعلهم يعيشون عصرهم هذا، ويسيرون فيه إلى نهاية الشوط. ولا يتخلفون عن سواهم من الشعوب، التي باتت تتقدم كل يوم خطوات ثابتة إلى أمام.