عيدٌ‭ ‬غارقٌ‭ ‬بالدمع – حسن النواب

صباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬استيقظتْ‭ ‬العائلة‭ ‬المنكوبة‭ ‬عند‭ ‬الفجر‭ ‬لزيارة‭ ‬قبر‭ ‬والدهم‭ ‬الحنون؛‭ ‬والدهم‭ ‬الإعلامي‭ ‬المعروف‭ ‬الذي‭ ‬فارق‭ ‬الحياة‭ ‬قبل‭ ‬ليلتين‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬عجز‭ ‬الأطباء‭ ‬على‭ ‬علاج‭ ‬كليتيهِ؛‭ ‬تحملُ‭ ‬العائلة‭ ‬المفجوعة‭ ‬جرار‭ ‬الماء‭ ‬وسلَّة‭ ‬برتقال‭ ‬وتحثُّ‭ ‬الخطى‭ ‬إلى‭ ‬مقبرة‭ ‬المدينة،‭ ‬وهناك‭ ‬عند‭ ‬قبرهِ‭ ‬الندي‭ ‬تضع‭ ‬باقة‭ ‬وردٍ‭ ‬وتشعل‭ ‬الشموع‭ ‬والبخور‭ ‬وترشُّ‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬كوم‭ ‬التراب‭ ‬وتوّزع‭ ‬البرتقال‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬الزائرين‭ ‬لقبورٍ‭ ‬أخرى‭ ‬وسط‭ ‬نحيب‭ ‬جارح‭ ‬ودموع‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬دماً‭ ‬تخشع‭ ‬لها‭ ‬قلوب‭ ‬الملائكة‭ ‬وطيور‭ ‬السماء‭. ‬وصباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬وفي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء،‭ ‬تستيقظُ‭ ‬عائلة‭ ‬المسؤول‭ ‬السياسي‭ ‬الرفيع‭ ‬من‭ ‬فراشها‭ ‬الوثير،‭ ‬وهي‭ ‬مبتهجة‭ ‬بغبطةٍ‭ ‬وحبورٍ‭ ‬بينما‭ ‬يرزم‭ ‬أفراد‭ ‬الحماية‭ ‬حقائب‭ ‬السفر‭ ‬على‭ ‬عجلٍ‭ ‬وفي‭ ‬سيارةٍ‭ ‬فارهةٍ‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬حيث‭ ‬هناك‭ ‬طائرة‭ ‬خاصة‭ ‬بانتظارهم‭ ‬ستحملهم‭ ‬إلى‭ ‬منتجع‭ ‬خليجي‭ ‬أو‭ ‬أوربي‭ ‬يقضون‭ ‬فيه‭ ‬مرحهم‭ ‬ولهوهم‭ ‬طيلة‭ ‬أيام‭ ‬العيد،‭ ‬أمَّا‭ ‬كلفة‭ ‬تبضع‭ ‬الحاجيات‭ ‬الثمينة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬فقد‭ ‬تمَّ‭ ‬استحصال‭ ‬دولاراتها‭ ‬بصفقة‭ ‬سريعة‭ ‬ليلة‭ ‬أمس‭ ‬وبعقد‭ ‬مزيف‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬وهمية‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬خدمي‭ ‬لأهالي‭ ‬القرية‭ ‬النائية‭ ‬والذي‭ ‬سينفَّذُ‭ ‬بالمشمش‭. ‬وصباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬هناك‭ ‬طفلٌ‭ ‬بوجه‭ ‬شاحبٍ‭ ‬وعابسٍ‭ ‬يشرئبُ‭ ‬بعنقهِ‭ ‬من‭ ‬فتحة‭ ‬الخيمة‭ ‬التي‭ ‬تقطنها‭ ‬عائلته‭ ‬المهجَّرة‭ ‬عند‭ ‬أطراف‭ ‬المدينة‭ ‬وهو‭ ‬يرقب‭ ‬بعينين‭ ‬حزينتين‭ ‬مواكب‭ ‬السيارات‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الأطفال‭ ‬بملابسهم‭ ‬الملونة‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬مدينة‭ ‬الألعاب؛‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬يتمنى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬كسرة‭ ‬خبز‭ ‬مع‭ ‬كوب‭ ‬من‭ ‬الحليب‭ ‬يسدُّ‭ ‬به‭ ‬رمقه‭. ‬وصباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬يستيقظ‭ ‬إرهابي‭ ‬من‭ ‬غفوته‭ ‬القلقة‭ ‬ويشدُّ‭ ‬حزاماً‭ ‬ناسفاً‭ ‬حول‭ ‬صدره‭ ‬لينطلق‭ ‬صوب‭ ‬هدفه‭ ‬الأعمى‭ ‬والحقدُ‭ ‬يشتعلُ‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬والزعاف‭ ‬يسيل‭ ‬على‭ ‬شفتيه‭. ‬وصباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬نسمع‭ ‬صوت‭ ‬ترتيل‭ ‬للقرآن‭ ‬من‭ ‬كهل‭ ‬يسند‭ ‬ظهره‭ ‬إلى‭ ‬شجرة‭ ‬سدر‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬عامة‭ ‬ويدعو‭ ‬بقلب‭ ‬خاشع‭ ‬أنْ‭ ‬يحفظ‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬أطماع‭ ‬الغزاة‭ ‬والساسة‭ ‬الحمقى‭ ‬والذين‭ ‬بلا‭ ‬ضمائر‭ ‬وشرور‭ ‬الجيران‭. ‬وصباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬نرى‭ ‬الناس‭ ‬الفقراء‭ ‬تفرُّ‭ ‬أفواجاً‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬الصفيح‭ ‬إلى‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬نسمة‭ ‬هواء‭ ‬عليلة‭ ‬بسبب‭ ‬انقطاع‭ ‬الكهرباء‭ ‬المستمر‭. ‬وصباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬يفد‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬فجٍّ‭ ‬بعيد‭ ‬في‭ ‬شعاب‭ ‬البلاد‭ ‬لزيارة‭ ‬مراقد‭ ‬الأولياء‭ ‬والصالحين‭ ‬وهناك‭ ‬عند‭ ‬ضريح‭ ‬مقدس‭ ‬نبصر‭ ‬امرأةً‭ ‬فقدت‭ ‬صبرها‭ ‬وبصرها‭ ‬تمسك‭ ‬بشباك‭ ‬القبر‭ ‬الذهبي‭ ‬وهي‭ ‬تنوح‭ ‬كمداً‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬ولدها‭ ‬في‭ ‬مجاهيل‭ ‬الغربة‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬منه‭ ‬أي‭ ‬نبأ‭ ‬منذ‭ ‬رحيله‭ ‬عن‭ ‬البلاد‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬نرى‭ ‬مواكب‭ ‬من‭ ‬العوائل‭ ‬الحزينة‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬الطابور‭ ‬عند‭ ‬بوابات‭ ‬سجن‭ ‬الحوت‭ ‬وسجن‭ ‬المطار‭ ‬وسجون‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬ينتظرون‭ ‬على‭ ‬أحرِّ‭ ‬من‭ ‬الجمر‭ ‬لحظة‭ ‬السماح‭ ‬لهم‭ ‬بالدخول‭ ‬لرؤية‭ ‬أبنائهم‭ ‬الذين‭ ‬اعتقلوا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بتهم‭ ‬كيدية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أناس‭ ‬لا‭ ‬رحمة‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬ولا‭ ‬ضمير‭ ‬عندهم‭. ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬تخرج‭ ‬مليشيات‭ ‬الظلام‭ ‬من‭ ‬كهوفها‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬أوامر‭ ‬وصلتها‭ ‬من‭ ‬شيخ‭ ‬جامع‭ ‬ترشح‭ ‬الطائفية‭ ‬من‭ ‬جبَّتهِ‭ ‬وعمامتهِ‭ ‬وصوته‭ ‬المسموم،‭ ‬يخرج‭ ‬زبانيته‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬أسلحة‭ ‬كاتمة‭ ‬للصوت‭ ‬وبشوق‭ ‬ولهفة‭ ‬نراهم‭ ‬يمارسون‭ ‬هوايتهم‭ ‬الدموية‭ ‬في‭ ‬اغتيال‭ ‬هذا‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬الطبيب‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬المثقف‭ ‬غدراً‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬النهار‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الظلام‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬نرى‭ ‬وبمشهد‭ ‬يثير‭ ‬الشفقة‭ ‬والضحك‭ ‬معظم‭ ‬الكتل‭ ‬والأحزاب‭ ‬تتنافس‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬الرشى‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬البسطاء‭ ‬أملاً‭ ‬بشراء‭ ‬أصواتهم‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬المحلية‭ ‬القادمة،‭ ‬تلك‭ ‬الرشى‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مدفأة‭ ‬نفطية‭ ‬أو‭ ‬مروحة‭ ‬أو‭ ‬بطانية‭ ‬صوفية‭ ‬أو‭ ‬حزمة‭ ‬دنانير‭ ‬أو‭ ‬رطل‭ ‬لحم‭ ‬فاسد،‭ ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬هذا‭ ‬العيد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أصدر‭ ‬أوامره‭ ‬العاجلة‭ ‬لاغتيال‭ ‬كاتب‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬فوراً؛‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬سكناهُ‭ ‬جزر‭ ‬الواق‭ ‬واق‭.‬

حسن‭ ‬النواب‭ ‬