
صباح هذا العيد استيقظتْ العائلة المنكوبة عند الفجر لزيارة قبر والدهم الحنون؛ والدهم الإعلامي المعروف الذي فارق الحياة قبل ليلتين بعد أنْ عجز الأطباء على علاج كليتيهِ؛ تحملُ العائلة المفجوعة جرار الماء وسلَّة برتقال وتحثُّ الخطى إلى مقبرة المدينة، وهناك عند قبرهِ الندي تضع باقة وردٍ وتشعل الشموع والبخور وترشُّ الماء على كوم التراب وتوّزع البرتقال على الناس الزائرين لقبورٍ أخرى وسط نحيب جارح ودموع تكاد تكون دماً تخشع لها قلوب الملائكة وطيور السماء. وصباح هذا العيد وفي مكان آخر من البلاد ربما هو المنطقة الخضراء، تستيقظُ عائلة المسؤول السياسي الرفيع من فراشها الوثير، وهي مبتهجة بغبطةٍ وحبورٍ بينما يرزم أفراد الحماية حقائب السفر على عجلٍ وفي سيارةٍ فارهةٍ يصلون إلى المطار حيث هناك طائرة خاصة بانتظارهم ستحملهم إلى منتجع خليجي أو أوربي يقضون فيه مرحهم ولهوهم طيلة أيام العيد، أمَّا كلفة تبضع الحاجيات الثمينة في هذه الرحلة فقد تمَّ استحصال دولاراتها بصفقة سريعة ليلة أمس وبعقد مزيف مع شركة وهمية على أمل بناء مشروع خدمي لأهالي القرية النائية والذي سينفَّذُ بالمشمش. وصباح هذا العيد هناك طفلٌ بوجه شاحبٍ وعابسٍ يشرئبُ بعنقهِ من فتحة الخيمة التي تقطنها عائلته المهجَّرة عند أطراف المدينة وهو يرقب بعينين حزينتين مواكب السيارات على الشارع العام التي تحمل الأطفال بملابسهم الملونة إلى حيث مدينة الألعاب؛ بينما هو يتمنى في هذه اللحظات الحصول على كسرة خبز مع كوب من الحليب يسدُّ به رمقه. وصباح هذا العيد يستيقظ إرهابي من غفوته القلقة ويشدُّ حزاماً ناسفاً حول صدره لينطلق صوب هدفه الأعمى والحقدُ يشتعلُ في عينيه والزعاف يسيل على شفتيه. وصباح هذا العيد نسمع صوت ترتيل للقرآن من كهل يسند ظهره إلى شجرة سدر في حديقة عامة ويدعو بقلب خاشع أنْ يحفظ هذه البلاد من أطماع الغزاة والساسة الحمقى والذين بلا ضمائر وشرور الجيران. وصباح هذا العيد نرى الناس الفقراء تفرُّ أفواجاً من بيوت الصفيح إلى الهواء الطلق بحثاً عن نسمة هواء عليلة بسبب انقطاع الكهرباء المستمر. وصباح هذا العيد يفد الناس من كل فجٍّ بعيد في شعاب البلاد لزيارة مراقد الأولياء والصالحين وهناك عند ضريح مقدس نبصر امرأةً فقدت صبرها وبصرها تمسك بشباك القبر الذهبي وهي تنوح كمداً على غياب ولدها في مجاهيل الغربة والذي لم يصل منه أي نبأ منذ رحيله عن البلاد قبل خمس سنوات. وفي صباح هذا العيد نرى مواكب من العوائل الحزينة تقف في الطابور عند بوابات سجن الحوت وسجن المطار وسجون أخرى في البلاد ينتظرون على أحرِّ من الجمر لحظة السماح لهم بالدخول لرؤية أبنائهم الذين اعتقلوا منذ سنوات بتهم كيدية من قبل أناس لا رحمة في قلوبهم ولا ضمير عندهم. وفي صباح هذا العيد تخرج مليشيات الظلام من كهوفها بناء على أوامر وصلتها من شيخ جامع ترشح الطائفية من جبَّتهِ وعمامتهِ وصوته المسموم، يخرج زبانيته وهم يحملون أسلحة كاتمة للصوت وبشوق ولهفة نراهم يمارسون هوايتهم الدموية في اغتيال هذا الأستاذ الجامعي أو ذلك الطبيب أو ذاك المثقف غدراً وفي ضوء النهار أو تحت جنح الظلام. وفي هذا العيد نرى وبمشهد يثير الشفقة والضحك معظم الكتل والأحزاب تتنافس فيما بينها على توزيع الرشى على الناس البسطاء أملاً بشراء أصواتهم في الانتخابات المحلية القادمة، تلك الرشى التي هي عبارة عن مدفأة نفطية أو مروحة أو بطانية صوفية أو حزمة دنانير أو رطل لحم فاسد، وفي صباح هذا العيد هناك من أصدر أوامره العاجلة لاغتيال كاتب هذا المقال فوراً؛ حتى لو كان سكناهُ جزر الواق واق.
حسن النواب























