

فرقان الكبيسي
عندما يتبوأ التافهون سُدة الحكم ، يُصبح الأفرادُ محكومينَ بأنظمتهم .
يُعد ( د. آلان دونو – 1970م ) مؤلف كتاب نظام التفاهة – أحد الفلاسفة الكنديين المعاصرين والمتصدين للرأسمالية المتوحشة ومحاربتها .
ويعتبر كتابه هذا من أشهر الكتب الفكرية في العصر الحديث ، والذي تم إصداره عام 2015 م ، حيث يناقش أثر النُظم السياسية والإجتماعية التي تكافئ التفاهة على حساب الحجّية ، لتُصبح بعد ذلك السلطة بعيدة عمّن يستحق توّلي زمام القيادة ، ومحصورة فقط بيد التافهين الذينَ ألغو معاني التميز والإبداع وفي مختلف المجالات الحياتية والعلمية ، فأصبحت الرأسمالية سيدة الموقف للإقتصاد .
ويتحدث هذا الكتاب عن التفاهة ونظامها كونه يسلب الحيوية من أيّ عملٍ ، سواء كان فكري ام يدوي ، وإن التفاهة من المفهوم الفلسفي تتعدى مضمونها وتُسلم البشرية لمصيرٍ كارثيّ ، أي أنها مسألة البقاء للأقوى ( أو بالأحرى للأتفه ) ويتُم ذلك وفقاً لشروط وأنظمة معقدة وسياساتٍ تولي التافهين في العالم مقاليدَ الحكم ، وفي مفاصل مهمة في الحياة الحديثة ، وهذا ما يخلُق الاشكالية العظمى ، لذا فقد إخترق التافهون معالمَ كثيرة كعالم الفن والثقافة والعلم ، متربعين في ذلك على قمم الاقتصاد الرقمي .
وقد تم ترجمة هذا الكتاب ؛ كونه يعرُض أفكاراً تكادُ تكون مطابقة لما هو موجود من فسادٍ إداريّ وتشابهٍ في الشخصيات ورأسمالية متوحشة وعطب في المؤسسات والفن الرخيص والتلوث والتخريب وما إلى ذلك …
وعليه فقد كان ذلك كافياً لتحديد المنهج الأكاديمي المتسع في أنظمة التعليم المختلفة والقائم على بيع علاماتٍ تجارية بدلاً من أبحاثٍ دراسية .
إلا أن هذا النظام يضرب بجذوره في تربة المجتمع ، ويكادُ يغرس فيها نوعاً من المنهجية والإستقرار المُرعِبيَن .
وما على المترجم سوى الألتزام بأمانة الترجمة ونقل صورة حقيقية واضحة للقارئ حول ما يقصده الكاتب
في كتابه والدقة في صياغة المحتوى ، وهنا سأتحدثُ عن نقاشٍ مُحتدِم وبجدية متصاعدة حول القواعد المنقسمة بين الرداءةِ والإنحطاط اللّذين ترعيان عملية تدهور وتدني متطلبات الجودة العالية في كافة القطاعات ، منها ما يتعلق بالادارة ومنها الاقتصاد وعلى رأس القائمة تكمن السياسة وصولاً الى الرأسمالية.
وعليه فلا بد لنا أن نبتدأ حديثنا بتحول القطاع الأكاديمي من إنتاجه للمعرفة الى انتاجه للسلع ويتم ذلك وفقاً لقوانين العرض والطلب .
والتساؤل هنا كيف سيطر التافهون على مقاليد الحياة المعاصرة حتى صاروا سادتها !
وتكمن تلك السيطرة بسلطتهم وخَلقِهِم لنظامٍ تنافسي يتجسدُ بكلٍ من الرأسمالية وسلطة المافيا متمثلةٍ بالحكومات الأخرى .
أما لو تحدثنا عن سيطرة نظام السوق على المشهد الاقتصادي العالمي بما يشبه الاستعمار الاقتصادي ، فنجد أن السوق اليوم يعمل دون تدخل العقل البشري ، وإنما يُحرّك وفقاً لخوارزميات ، وهذا ما يجعل التكنولوجيا المسيطر الأول على سوق التجارة والتمويل ويدفع الأفراد إلى الجهل في علم الاقتصاد أو ما يسمى بالاقتصاد الغبي ، والذي يحول دون اكتساب أيّ ثقافةٍ بالمعرفة الاقتصادية ويسيء استخدام الذكاء الفطري ، وهذا ما يدفع التافهين الى الجهل في الاقتصاد وتحكُمهُم في مفاصل الحياة كافة ، إبتداءً من أجر العامل وصولاً للمساعدات الانسانية التي كان يجب أن تصل من الحكومات المعنية والدول المانحة والمنظمات الى الشعوب الفاقدة لحقوقها الإنسانية والاقتصادية .
أما عن سيطرة الثقافة الصناعية ودورها في تشكيل الوعي الجمعي ، نرى أن هنالك تنوع بين الاقتصاد الروحاني الذي يَجِدُ أصله فينا كبشر وبين الاقتصاد الذي تسبب في تعطيل كبير لحركة العواطف البشرية ، حيث أن الأول يُعنى بصناعة المال من خلال تنفيس الكبت البشري بالعمل والإنجاز ؛ بينما الثاني على العكس تماماً والذي يعمل على خلق الكبت وتحريض الاعتداءات الروحية التي لا مفرَ منها في المجتمعات ، وهذا ما يحدد ثقافة القبول المجتمعي بين مختلف الطبقات .
ويرى الاثرياء والمشاهير أن نمط الحياة المترف الذي يعيشونه هو ما يعكس الثقافة الصناعية والذين أصبحوا يتقنوها ويعتقدون أنفسهم سادة اللعبة .
لذا فالخلاص يكمُن في تغيير المفاهيم والثقافات التي جعلت التافهين سادة الأمر ، بتغلب القوى العاملة على الحكومات والسياسات الرأسمالية من خلال ترسيخ العلاقات الاجتماعية للوصول الى ثورة تُعنى بإسقاط المؤسسات والسياسات التي تُدمر الصالح العام بشكلٍ خطير .
ويتطلب ذلك تغييراً جذرياً للمفاهيم والثقافات التي جعلت من أصحاب الطبقات الفقيرة عبيداً للتافهين .
فعندما يتحرر أي مجتمعٍ من قيود الرأسمالية تُصبح الحقوق العمّالية أولوية ، ويصبح الإنتاج أفضلية ويتوقف التافهون عن تقليدِ مناصب رئيسة في الدولة ، وبالتالي ستنقطع تلك الأدوات الهدّامة التي آلت بالملايين دون تحقيق مبتغاهُم .























