

ليث عقراوي
فن الخيط والمسمارstring art ، ليس لعبة بل هو فن يشد انتباهنا بحرفيته العالية، ولما فيه من جلد ومثابرة، وهو يستحوذ على إدهاشنا لأنه خارج عن كل ما هو تقليدي، بدءً من خاماته فهو لا يتعامل مع الزيت ولا البنتلايت ولا الأصباغ المائية ولا الفحم ولا حتى الكولاج.
الفنان لا يستخدم معه فرشاة ولا سكين ولا حتى أصابع يديه في تكوين اللوحة وتحديد معالمها عبر التلوين.
واللوحة التي نقف أمامها بتقدير لفرادتها تسرب إلى إحساسنا شيئا فشيئا قدرة الفنان على التصوير ولفت الانتباه. ما يثير الاستغراب أن اللوحة ليست نسيج خيوط عبر ما يعرف بمنظومة السجاد اليدوي والمتمثل (بالجومة) وما يتبعها من خيوط تتقاطع طولا وعرضا بانتظام، لتصنع نسيجا متماسكا كالذي يبدو لنا عبر ما تعودناه بأي سجاد أو قماش، هنا نبدو أمام عشوائية ملفتة للنظر من خلال خيوط تمتد وتكتسب قوامها الفالت إلا من خلال تمريراتها التي تتخذ من المسامير مرتكزات انطلاق للعبور من مسار إلى آخر، فينتج عن ذلك تقاطع في مسار الخيوط والألوان باتجاهات وزوايا عدة لا تتقيد سوى بإطار تنتظم على حافاته مسامير على ابعاد متساوية من بعضها تتيح للخيط تغيير مساره عبر زوايا حادة وقائمة ومنفرجة ينتج عن ذلك آلاف التقاطعات بألوان مختلفة تستطيع بالنتيجة أن تحدد ملامح اللوحة. هذا الفن تجاوز تجارب الماضي في انتاج ملامح اللوحة وأسس له تجربة تختلف بالمرة عن كل ما أُسس للفن التشكيلي وخاصة فن (البورتريه). هو يتجاوز كل الخامات ليخرج بإضافة حقيقية على مستوى الخامة بل هي جذرية في اختلافها وفق ما نحصل عليه من نتائج.

وهذه الدقة والحرفية لا تأتي من دون الاستعانة بفنون أخرى، وأهم ما يتكأ عليه الرسم بالخيط والمسمار هو الفن الفوتوغرافي الذي يمثل الأرضية الأولى للوحة فكلما كانت اللقطة متقنة ومعبرة وذات دقة عالية استطاعت الخيوط عبر التقنيات التي تستدعيها والتي تعتمدها، أن تثير ما يعترنا من دهشة حتما. يبدو الأمر ملفتا للنظر فثمة عشوائية ضاربة بقوة للوهلة الأولى، لكنها تتفتح عن لوحة تستمد قوتها منما استطاعت أن تبثه من جمال أو تخليد للشكل الذي تتعامل معه، عندها لم يبقَ الا الاستعانة بالخوارزميات والتي ستقود خطى ومسارات الخيوط في عملية معقدة من التقاطعات التي تشكل بالنتيجة نفس معنى ما يظهر أمامنا عبر عدسة الكاميرا فكلما كانت الفرصة أمام الخيط بالمرور والتقاطع مع مسارات الخيوط السابقة أكثر كلما استطاعت اللوحة أن تظهر تفاصيل اكثر، ودقة اكثر.
بعض اللوحات تتجاوز الستة الاف تمريرة للخيط الرابط ما بين أي مسمارين على طرفي اللوحة وما يمكن ان يحدثه هذا المرور أو العبور فوق باقي الخيوط الممتدة سلفا والتي ستمر فيما بعد لتصنع تقاطعات جديدة في المسار. كل تقاطع يمثل نبض ما، ونقطة لتشكيل ملمح من زوايا النظر كما قلنا في شاشة أي كاميرا تعتمد نظام البيكسل فيقال أنها 8 او 12 او 20 ميكا بيكسل. كل هذا يمر عبر خارطة خوارزمية تعين على تحديد ملامح اللوحة في نهاية الأمر.
ما استحق الالتفات أن الفنانة ضحى اعتمدت التعبير في تنفيذ لوحاتها استخدامها خامتي الخيط والمسمار بتنفيذ العمل وتطويعه بشكل بدى مقنعاً وفق آلية البيكسلات إضافة إلى أنها على قدر من الحساسية تجاه اللون وتحليله. فأنجزت ما تعبر عن لحظة حاسمة في تشكيل أي لوحة عبر توظيف اللون لخلق الانطباع المرجو عند المتلقي وما ينتج عنه من استفزاز بصري يخدم العمل ويتحقق من خلال تقاطع الخيوط العابرة بألوانها لتصل إلى مزج لوني خيطي إن صح التعبير وبغض النظر عن ما ذكر فضحى تتفرد بما تنجزه على مستوى نينوى بأقل تقدير على الرغم مما تزخر به المدينة من حركة فنية تشكيلية نشطة تقودها جمعية الفنانين التشكيلين فرع نينوى بقيادة الدكتور خليف محل وفريقه من اعضاء الجمعية الذين أحدثوا ما يستحق التقدير لما يبدوه من استقطاب لكثير من هذه الاضاءات في سماء المدينة الناهضة من رمادها لما تحمله من تجارب واعدة والمتشكلة عن وعي متقدم انتبهت له هذه التشكيلات الراعية، ومثل هكذا تجارب تتخذ من وسائل التعبير الفني عموماً ما هو مبتكر ومختلف فاتحة الباب على مصراعيه نحو تجارب تكتسح العالم برؤها وتجاربها محاولة ترسيخ الاختلاف وتجاوز الماضي. اذن نحن أمام محاولات للمواكبة بإصرار ملحوظ يفصح عنه المعارض النوعية التي تتصدر المشهد في المدينة، دون أن ننسى أننا أمام تجربة نسوية تنفتح بشكل علمي ومدروس فيه الكثير من الرغبة على المواكبة لما يجري في العالم والاضافة.

بعد اكتمال اللوحة يتبدى للرائي أنه امام طبقات من الخيوط ذات عمقيه واضحة وطبقات لونية تشكلت على طول اللوحة وعرضها وكأن الفنان يحاول أن يتوغل عميقًا في جوف الشخصية أو الغوص في ملامح الشخصية المتشكلة، بمعنى أنه معنّي أو مسكون في تفكيك ما داخل اللوحة أو أنه يحاول أن يتوغل بنا وراء ما يظهره القناع إن كان لمشهد أم شخصية محاولا الكشف عن خفايا ما بين الطبقات من معاني تتأسس على ما يشفهُ اللون من تقلبات وانزياحات وامتزاج وكأننا أمام قراءة النفسية أو محاولة لسبر ما هو مخبأ خلف القناع الذي نتخفى خلفه اجتماعيا والذي يوهمنا دائما بمظهرية قد تكون في الغالب خداعة هنا الفنانة باستخدامها للخيط تتيح للرائي فرصة ايحائية تسرب موثوقية ما قابلة للتحسس عبر الرؤية البصرية أو من خلال تحسس الأصابع التي غالبا ما تتجرأ محاولة اللمس للفحص والتيقّن.
وعبر هذه التجربة التي وضعتنا امامها الفنانة ضحى فارس السردار كان لابد من السؤال عن لحظة البداية؟.
قالت: المحنة التي مرت على الموصل لعبت دوراً كبيراً بإعطائي مساحة من الوقت لأنغمس في مجالات عدة بعد أن توقفت عن الدراسة للوصول بالنتيجة إلى ما هو ظاهر للعيان أمام المتلقي. هي ردة فعل مناهضة، تجاوزتُ من خلالها كم القبح والتردي الذي اعتراني منحازة إلى الجمال والابداع.

• ولماذا الخيط والمسمار؟!
قالت: هذا ما كان متاح، فمستلزمات اللوحة التقليدية غير متاحة إن لم تكن جريمة. فضلا عن أن هذا النمط فيه مواربة فمستلزماته لا تثير الريبة. وهو يتمتع بامتصاصه لفضاء الوقت وما يقتضيه من صبر وأناة، من خلاله أردت إظهار زيف الادعاءات تجاه المرأة. وامكانية لفت الانتباه نحوها. بما يثير الادهاش.
• هل يمكن إنجاز اللوحة بالأسود والأبيض.
قالت: كانت أولى لوحاتي بالخيط الأسود مستغلة ما تعكسه الارضية الخشبية للوحة من بياض والتي تتيح للضوء بالانعكاس عبر ما ينشأ من تقاطعات الخيط وما يصنعه من فجوات . أما تعدد الألوان فهي تجربة لاحقة اقتضت مني جهداً أكبر ومحاولات أوشكت أن تقذف بي إلى دائرة اليأس لولا أنني كنت على قدر كبير من الإصرار لاجتياز تلك المرحلة.

• أخيراً ما التأهيل العلمي لضحى فارس السردار؟
قالت: انا حاصلة على شهادة البكالوريوس من كلية علوم البيئة وتقناتها قسم تقانات وأنا من العشرة الأوائل على دفعتي للعام الدراسي 2022- .2023























