سينوغرافيا الرواية في وردة النيل لعزة دياب
أجيال تتشابك لتفترق في واجهات المدن
ثائر العذاري
يمكن أن تعدّ وردة النيل الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، 2011، على الرغم من قصرها، رواية أجيال. فهي، في أقل من تسعين صفحة، تعرض صورة تفصيلية لحياة ثلاثة أجيال تمتد على ما يقرب من ثمانين عاما ابتداء من أحداث ثورة عرابي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى ما قبل نكسة حزيران بقليل. وهذا ما يؤدي إلى أول سؤال يمكن أن يتبادر إلى الذهن عن ماهية التكنيكات المستخدمة في الرواية للتوصل إلى هذا الشكل السردي المكثف الذي يقدم أكبر قدر ممكن من المعلومات بأقل ما يمكن من الكلمات، ونحاول في هذه الدراسة الكشف عن المضمرات الفنية التي تصلح إجابة لهذا التساؤل. وقد اخترنا عنوان سينوغرافيا الروائية للدراسة للإشارة إلى أهم تلك المضمرات، فهذا المصطلح الشائع الاستخدام في المسرح مع عدم الاتفاق على دلالته، لأنها قد تضيق فتدل على الديكور فقط، وقد تتسع فتشمل كل شيء على خشبة المسرح عدا أجسام الممثلين، لكن المتفق عليه إلى حد كبير هو أن السينوغرافيا هي فن تصميم المناظر بما في ذلك الحركة والديكور والاكسسوار والإضاءة والمؤثرات الصوتية يصلح للتعامل مع هذه الرواية التي تعتمد كثيرا في بنائها على تكنيكات تدخل في مفهوم السينوغرافيا.
تتألف الرواية من اثني عشر فصلا، وينقسم كل فصل على وحدات نصية سنسميها من الآن مشاهد يتراوح عددها بين 2 و 5 ، تعرض خلالها صورة تفصيلية للحياة الاجتماعية والسياسية المصرية أبان المدة التي تغطيها الرواية، عبر ثلاث شخصيات رئيسة تعيش في مدينتين عريقتين غرب الدلتا هما إدكو و رشيد ، والشخصيات هي علي الصياد العصامي وزوجتيه؛ أنس وضرتها الصغيرة عزيزة ، وبعيون هذه الشخصيات نرصد تاريخ مصر الحديث ابتداء من ثورة عرابي مرورا بالاحتلال الانكليزي وانتهاء بثورة يوليو والعدوان الثلاثي. والرواية تذكرنا بإشكالية العلاقة بين الرواية والتأريخ التي تحدث عنها جورج لوكاش في كتابه الشهير الرواية التاريخية ، فهي تقدم شكلا من التاريخ يختلف عن التاريخ الرسمي المدون، إذ تركز على الأحداث التاريخية كما هي في الوعي الشعبي، ومدى تأثيرها على الحياة اليومية للإنسان العادي.
عند الشروع بقراءة الرواية يبدو أنها مكتوبة بأسلوب السارد العليم
ألهب الصهد اللافح لفرن الخبيز وجنتى حُسنة،وأنبت العرق من تحت عصبتها المشبحة بهبوات الدقيق، بعصا الفرن الحديدية مثنية الطرف، وجهت الأرغفة النيئة تجاه النار المؤججة عند الشاروقة والناضجة إلى الحرف الطينى عندالحلق.
ولكن سرعان ما يكتشف القارئ، بعد صفحتين أو ثلاثة، أن الرواية توقعه في حبائل نمط مخادع من السرد، في الكثير من الاشتغال على زاوية النظر اعتمادا على استعارة تقنيات من فنون أخرى من مسرح وسيناريو تلفزيوني أو سينمائي.
في هذا المدخل الذي هو المشهد الأول من الفصل الأول يروي السارد انشغال حسنة بالتفكير بالعريس الذي رشحه أخيها لابنتها عزيزة
راجل زين ومصطفى ابنك عارفه ، متجوز ؟… وإيه يعنى، نفسه فى عيل …أجيبه يشوفها؟ وعلى رأي المثل اخطب لبنتك .
هنا تفاجئنا عبارة بعد كلام الأخ مباشرة تبدو غير منسجمة مع السياق
دار أبويه فى شارع البنط، أيام الفيضان يوصل النيل عندها ويعدى وكالة الباشا، أطلع مع البنات قبل الفجر نملأ جـرار المياه، وفى أيام الفيضان تمتلئ الآبار لوحدها.
فلمن تعود هذه العبارة التي جاءت بضمير المتكلم؟ ونفهم فيما بعد أنها أفكار حسنة ، ومثلها ما يأتي في الصفحة التالية
مسحت صاجة الفرن بقطعة ثياب مهترئة مبللة بالماء لفتها على طرف عصاة الفرن، ثم زجت بالرغيف المفرود.
أخواتى تعلمن الخياطة واخترتُ السجاد، تأتى صحيباتى كل يوم معهن لفائف الغداء، النول بخشبه وخيطانه صفحة أنقشُ عليها بالأصواف المصبوغة…
كيف يتحول السارد هنا من الرؤية الخارجية إلى رؤية داخلية تتحدث فيها الشخصية الروائية عن نفسها من غير أن تكون هناك إشارة أو علامة ترقيم تنبؤ بالانتقال؟
تمثل هاتان العبارتان، في الحقيقة، مفتاحا لفهم الشكل البنائي للرواية، فهذا التكنيك لن يستخدم بهذا الشكل على امتداها إلا في صفحاتها الأولى، كأنه علامة إرشادية وضعت للتنبيه إلى الطريقة التي ينبغي أن تقرأ بها الرواية.
ولعل أفضل مصطلح يمكننا استخدامه لتوصيف بناء المشاهد في وردة النيل هو بؤرة السرد . فكل مشهد يضع واحدة من شخصيات الرواية في مركز تلك البؤرة، ويجعلنا نرى العالم بكاميرا تضع تلك الشخصية وسط الكادر بلقطات كبيرة أو بعيدة كما تسمى بمصطلح كتابة السيناريو. وفي المشهد السابق الذي اقتبسنا منه النصوص، تظهر حسنة في مركز الصورة، بينما تتحول الشخصيات الأخرى إلى شخصيات مساعدة ليست وظيفتها سوى تركيز الضوء الكاشف على شخصيتها. وتتبادل الشخصيات الأدوار في كل مشهد من مشاهد الرواية بحيث تتقدم إحداها لتكون في بؤرة السرد بينما تنسحب الشخصيات الأخرى لتصبح شخصيات مساعدة في خلفية المشهد.
غير أن الرواية تثير إشكالية العلاقة بين ضمير السارد وزاوية النظر، فمع أن السارد يستخدم ضمائر الغائبين في عرض الشخصيات، يستطيع النفاذ إلى وعيها مما يكسبه صقة الراوي العليم، لكن هذا الحكم سرعان ما يسقط عندما نكتشف أن السارد غير قادر على النفاذ إلى وعي الشخصيات كلها، بل لا يستطيع سوى معرفة أفكار تلك الشخصية الواقعة في بؤرة السرد حسب. وهو،إذن، ليس راويا عليما بل محدود العلم بشخصية واحدة في كل مشهد، أو، بمعنى آخر، تعمل الرواية، في كل مشهد، على أن ترينا العالم بعيني شخصية بؤرة السرد وكشف تفاعلها النفسي مع تلك الرؤية. أو أن السارد يتلبس شخصية بؤرة السرد ويحولها إلى كاميرا تصور العالم بوعيها. بينما لا نرى من الشخصيات الأخرى في الكادر سوى مظهرها الخارجي.
جمل البداية
تبدأ المشاهد غالبا بجملة فعلية تؤدي وظيفتين تقومان بتسريع جريان تيار السرد
الأولى سحب إحدى الشخصيات إلى بؤرة السرد مباشرة، إذ سيتعود القارئ مع تنامي تعرفه على عالم هذه الرواية أن من تركز عليه جملة البداية هو من سيمثل الوعي المركزي في المشهد، فمثلا في المشهد 3 من الفصل 1
صعد علىّ وزوج أخته الأتوبيس ، أوصلهما الخال محمد ومصطفى شقيق عزيزة، تحرك من فوره مع تلويحهما لهما ، ركن كلاهما إلى النافذة القريبة….
سنلاحظ أن المشهد كله مبني على رؤية علي ، حيث سنتعرف من خلال تيار الوعي على شخصيته كما يراها هو، وكيفية رؤيته العالم حوله. وفي المشهد 4 من الفصل 4
أُنس بأشراقة وجهها وخفة ظلها تطمئن قلب علىّ بأن الحياة ستفرد له ذراعيها…..
تضع جملة البداية أنس في بؤرة السرد. وكذلك في المشهد 2 من الفصل 6
أجلست أنس الصغيرة فى قفص مصنوع من جريد السُّمانى ومن حولها ِوسادات صغيرة محشوة بالقطن…..
وهذه السمة، وإن لم تنطبق على كل البدايات، فإنها تنطبق على أغلبها بحيث يمكن عدها قاعدة عامة.
الثانية عرض الشخصيات في حالة فعل حيث تظهر شخصية بؤرة السرد نتيجة لاستخدام جملة فعلية منذ البداية في حالة حركة، وهي هنا تستعير من سينوغرافيا المسرح فكرة تصميم الحركة، فالشخصيات على خشبة المسرح يخطط لها أن تشرع بالحركة فور ظهورها على الخشبة. شخصيات وردة النيل لا توصف وهي ساكنة أبدا بما يشبه تقنية الوقفة كما يسميها جينيت ، لأنها تطالعنا في بداية كل مشهد وهي تقوم بفعل ما بينما تتسرب صفاتها إلى القارئ عرضا من خلال أفعالها. في المشهد 2 من الفصل 1
أرضعت زوجة الابن طفلها وتركته يحبو وراءها…
بسبع كلمات فقط تمكنت جملة البداية من رسم صورة مفعمة بالحركة. ومن المهم أن نلاحظ الكم الكبير من المعلومات الذي تقدمه جملة البداية في كل مشهد عبر طرق متعددة للتكثيف
سلكت حُسنة طريقها إلى جامع الخلعى بعد زيارتها لعزيزة فى الصباحية ورؤيتها لها منورة بيتها…
هنا تحديد للمكان ورسم لمعالمه، وتحديد للزمان، وفعل مسند إلى شخصية البؤرة، وفعل آخر يحدث الآن. وفي هذه البداية
أبقى شحاتة طربوشه فى يده، حتى يجف شعره، بعد الحمام الذى أخذه فى حمام عزوز….
نرى الشخصية وهي في حالة فعل، بينما يفيد الطربوش رسم الهيئة الرسمية لشحاتة، كما تخبرنا الجملة بوجود حمام عمومي في المكان وتحدد اسمه.
لغة السارد
أشرنا سابقا إلى أن السارد يتلبس شخصية بؤرة السرد، غير أن بناء الرواية يذهب إلى أبعد من ذلك، ففي أغلب المشاهد تكون لغة السارد مستعارة من لغة شخصية بؤرة السرد ذاتها، فيستخدم مفرداتها ومصطلحاتها ومفاهيمها اللغوية
يخلع قفطانه ويبقى بالصديرى واللباس أبو قمر والشملة الحمراء على الوسط، يفترش رصيف المحكمة وجنبه كوم الغزل يرتقه بالمنقاش الخشب ، يرفع عينيه إلى الشيش الموارب ، لا يتبين من ورائه ، قلبه يحدثه عينى أُنس الباسمتين ترمقانه فى حنوّ . .
هذا الحشد من المفردات العامية هو من لغة علي كما لو كان هو يصف نفسه.
تتقلب أُنس فى الفراش، الأشواك منغرسة فى مرتبتها، ما إن يلمس جنبها حتى تنقلب على الجانب الآخر؛ الذى لا يتحمل هو الآخر وخز أشواكٍ كالإبرة الصدئة…..
أشواك الغيرة هنا ليست سوى الإحساس بها كما تعرفه أنس والسارد ينقلها عنها. وهذا الأسلوب يشبه كثيرا ما يعرف في البلاغة الإنكليزية بالكلام غير المباشر Indirect speach . وقد استثمر إلى أقصى حد في الرواية بوصفه صيغة من صيغ تنمية الشخصيات.
المؤثرات الصوتية
كما في المسرح والسيناريو توظف الرواية المؤثرات الصوتية لبناء المشاهد وتكوين الانطباع النفسي المراد إنتاجه منها
تخدش قرقرة الجوزة سكون الليل ، يصاحبها صوت كروان يرفرف قرب علىّ…. .
أدى هذا الوصف السريع للأصوات إلى بناء خلفية تدل على الصفاء والحميمية سيتحرك عليها المشهد فيما بعد. وفي مشهد آخر
سمعت همهمة، ابتعدت عن الباب لاحظت طرقعة قبقابها، التقطته فى يديها، أسرعت إلى غرفتها، اندست فى فراشها، تبث الوسادة دموعها، يتسلل إليها آذان الفجر وزقزقة العصافير المستقبلة بشائر النور…
نستطيع ببساطة هنا أن نقدر مدى الاعتماد على المؤثر الصوتي لتوصيل مشاعر شخصية بؤرة السرد وهي هنا أنس . فقد كانت تحاول التقاط أية أصوات من داخل غرفة العريس زوجها في أول ليلة له مع ضرتها، لكنها تخاف أن يكتشفها من طرقعة قبقابها ، وما بين الهمهمة والطرقعة وبين الأذان والعصافير ساعات الليل التي لم تستطع أن تنامها. والتحول من فضول الغيرة إلى الاستسلام لإرادة الله.
مفارقات الصورة
في عدد من المواضع توظف الرواية صورة ما لتصوير المتغيرات الزمنية والنفسية التي تطرأ على الشخصيات. ففي هذه الصورة مثلا
يخشى أن تظهر سوالفه المصبوغة ، أكثر ما كان يخشاه أن تلاحظه أُنس ، ضبط العمامة أمام المرآة…
نفهم إقبال علي على الحياة محاولا تناسي تقدم سنه، وإرضاء عزيزة بمظهره من خلال مشاهدتنا له وهو يخفي شعره المصبوغ عن زوجته الأولى. غير أن الصورة تتكرر في مكان آخر لتعطي دلالة مختلفة تماما
وأدار وجهه إلى النيل، من هنا بدأ، والآن يتحسس سالفه الأشيب من تحت العمامة .
هنا يظهر علي بعد غرق مركبه. لم يعد يهمه مظهره، بل أصبح شديد الإحساس بعجزه وخيبته، ويصلنا هذا الفهم بإشارة سريعة إلى سالفه الأشيب ، التي وفرت على الكاتب استخدام عبارات طويلة لوصف مشاعر الإحباط لديه.
واستخدمت صورة الشباك المشيش كعتبة لإظهار الانقلابات النفسية في حياة علي ، فهي هنا لحظة تحوله إلى أب بعد عشرين عاما من الانتظار المر
وجلس على الكنبة العربى تحت الشباك المشيش
هتسميها أيه؟ اللى جابلك يخليلك.
وهنا لحظة قرار أنس ترك البيت إلى معسكر العزل بعد إصابتها بالكوليرا
قامت واقفة على صوت إغلاق باب الدار وجدت علي وراء شباك أُنس المشيش.
وهنا تصوير لأيام البداية التي كان فيها علي لا يبغي من الدنيا سوى إرضاء أنس يرفع عينيه إلى الشيش الموارب ، لا يتبين من ورائه، قلبه يحدثه عينى أُنس الباسمتين ترمقانه فى حنوّ .
تقنية الكامرتين
كثيرا ما يعتمد كاتب السيناريو على كاميرتين لإبراز البعد الزمني لمنظر معين. وفي وردة النيل توظيف لمثل هذه التقنية في مواضع عدة
استل الجار تلفيعته الصوف المفرودة على شباك السرير الحديد، ابتلعهما ظلام الشارع الضيق وعندما خرجا إلى الشارع العمومى ونَّستهما الفوانيس بضوئها الشاحب.
فليس في هذه العبارة أي تحديد صريح للزمن لكننا سنشعر به من خلال الانتقال من الرؤية من خلفهما، إلى صورتهما وهما يخرجان إلى الشارع العمومي، وبين الصورتين ظلام الشارع الضيق الذي يشبه ما يعرف بمصطلح الإظلام DIM في كتابة السيناريو.
الأمثال والمعادلات الموضوعية
واحدة من أهم التقنيات التي اعتمدتها الرواية للوصول إلى أعلى درجات التكثيف اللغوي استخدام الأمثال الشعبية والمعادلات الموضوعية، ومن الأمثال
مطرح البنات خالي
مركب الضراير سارت ومركب السلايف غارت حيث تكتشف عزيزة للمرة الأولى أنها إنما تزوجت على ضرة ، وكان كافيا لوصف شعورها تلك اللحظة.
غير أن خواتيم المشاهد في أكثر من موضع تضمنت صورة تمثل معادلا موضوعيا مكتنزا بالدلالة
تهبد على صندوق الراديو، لا يستجيب، بطاريته فى النزع الأخير، تخرجها وتضغطها من الجانبين، تعيد تشغيله، لا يكمل الأغنية، هنحارب ويقف . فالحديث عن الراديو هو من ناحية أخرى حديث عن تلك الانتصارات التي يوهمنا النظام العربي بتحقيقها، بينما هي في حقيقتها انكسارات وهزائم.
وأخيرا، لا يمكن إغفال الإشارة إلى أبرز تقنية لغوية ساعدت في التكثيف ويمكن رصدها في كل الاقتباسات السابقة. وهي الاعتماد على الجمل الفعلية القصيرة، فقد نجد أحيانا أكثر من عشرة أفعال في سطر واحد. حيث يتسارع تيار السرد دون أدنى توقف عند حدث أو منظر.
/4/2012 Issue 4170 – Date 10 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4170 التاريخ 10»4»2012
AZP09
























