أجيال مختلفة تلتقي في المرسم الحر

أجيال مختلفة تلتقي في المرسم الحر
الطائي يختار الهواء الطلق لفتح حوار فني ثقافي
رزاق ابراهيم حسن
توجد في الكثير من مدن العالم ساحات وحدائق مكرسة للرسم الحر يلتقي فيها الفنانون مع ادواتهم لرسم ما يرغبون برسمه من اشياء ووجوه وشخصيات ولعرض نتاجاتهم في الهواء الطلق والدخول في حوارات عن هذه النتاجات مع المواطنين وبرغم تطور الفن التشكيلي العراقي الا ان العراق يفتقر الى وجود مثل هذه الساحات وقد مورست في العراق تجارب للرسم والعرض في الهواء الطلق ولكنها كانت مؤقتة لانها ارتبطت بمناسبات معينة ولان الساحات والاماكن التي مورست فيها لم تكن مخصصة لمثل هذه الممارسات ولم يتم توفير المستلزمات التي تجعلها ساحة دائمة للرسم الحر والعرض في الهواء الطلق.
وقد اتيح للفنانين العراقيين امتلاك المكان الصالح لذلك، وهو من اكثر الاماكن صلاحية لمثل هذه الممارسات اذ يقع في شارع المتنبي الذي يعد من الشوارع الثقافية البارزة والفريدة من نوعها عربيا وعالميا وهو يقع في نهاية المركز الثقافي البغدادي الذي يحتضن كل يوم جمعة عددا من النشاطات الثقافية التي تجمع بين الاصبوحات الشعرية والمحاضرات الادبية والثقافية والاجتماعية وبين المعارض والعروض السينمائية والمسرحية كما يحتضن بين مدة واخرى معارض ومهرجانات تتركز على تقديم صور ومقتنيات عن فئات معينة وشخصيات معينة ومراحل معينة اذ شهد المركز الثقافي البغدادي معرضا لطقوس وادوات العاشر من محرم واعياد الميلاد والطائفة المندائية والتركمان والعائلة المالكة والمجالس الثقافية البعدادية والرؤساء الثلاثة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف.
منظر جميل
وفي هذه النشاطات تقام معارض للكتب والصور الفوتوغرافية والفنون التشكيلية كما يشهد المركز الثقافي البغدادي معارض للفن التشكيلي في الكثير من الاحيان ويأتي الرسم الحر ليعزز من هذه النشاطات وليعزز العلاقة بين الفن التشكيلي وبين مختلف النشاطات الاخرى ويقع المرسم الحر على نهر دجلة في منظر غاية في الجمال يتيح للرواد مشاهدة عملية رسم وعرض اللوحات وتنسم الهواء العذب وممارسة الغناء والعزف الموسيقي والجلوس على سطح سفينة متوقفة استغلت مكانا لاستراحة الرواد على مقربة من نهر دجلة والركوب في الزوارق.
والمرسم الحر مفتوح امام كل الفنانين من مختلف الاجيال فهناك شباب يمارسون بداياتهم الاولى في المرسم الحر، وهناك فنانون قد اعتادوا الرسم وعرض اللوحات كل اسبوع.
ويقول الفنان كريم الواسطي: لقد اتاح لنا هذا المكان ان نلتقي بجمهور المثقفين الذي يحتشد كل اسبوع في شارع المتنبي وهو جمهور متذوق للأعمال الفنية ويمكن ان نتحاور معه حول ما نرسم من لوحات وان نستفيد مما يبديه من ملاحظات وانطباعات ويوافقه على ذلك الفنان حسن الصباغ مضيفا: ان هذه الساحة يمكن ان تكون مكانا لتلاقي وتفاعل التجارب المختلفة، لاسيما وانها تتسع لمختلف التجارب والمشاركات ولا تضم اي حدود واشتراطات على الفنانين والعلاقة بين الفنان والجمهور وحرية الفنان في الرسم والعرض.
عزف منفرد
خلال تجوالنا في المرسم الحر التابع للمركز الثقافي البغدادي التقينا بالفنان علي الطائي الذي كان يرافق بعض اللوحات التي كان قد عرضها في المعرض الشخصي الحادي عشر الذي اقامه بعنوان (اسطورة اللون المقدس) والمعرض الشخصي الثاني عشر الذي اقيم بعنوان (عزف منفرد).
والفنان علي الطائي فنان معروف اقام اثني عشر معرضا شخصيا وحصل على العديد من الجوائز ويقول عن الاسباب التي دفعته لاقامة معرضه في ساحات المرسم الحر: لقد كنت اطمح الى اقامة معرض في مكان يجمع بين مثقفين من مختلف الاختصاصات وقد تحقق لي ذلك من خلال هذا المعرض كما ان هذا المكان يحقق حلم الفنان لان يرسم ويعرض بحرية ودون حدود واشتراطات وانني ادعو الفنانين لان يجعلوا من هذا المكان ساحة لتفاعل التجارب وتحقيق الافضل.
وعلي الطائي حسب رأي الناقد والفنان صلاح عباس منشغل على مدى ساعات يومه بالرسم والتفاعل مع الموضوعات الحيوية المثيرة لتصوره وشعوره ازاء الحوادث والمفارقات حتى كأن الفنان يسجل يومياته على سطح اللوحة عبر الالوان والخطوط باثا على قدر من تخيله وعن موقفه من الوجود والمعنى العميق في الحياة فكيف لنا استقراء لوحاته؟ ان علي الطائي رسخ تجاربه العديدة وتخير في خصائص الالوان وسبل تطويعها وتوظيفها كما انه حرص لكي يصنع الاشكال او يقوضها بحسب حاجة اللوحة وموضوعها المنتقى ولذا وجدناه، يضع تسويغا مناسبا لكل حالة كما ينتقي صيغة ملائمة للتعبير عما يجيش في خاطره ويؤجج شعوره بالحالة التي ينبغي عليه تجسيدها.
ويقول عبد الحليم المدني: عرفت الفنان علي الطائي اخا وصديقا قبل ان يكون طالبا في معهد الفنون الجميلة وازعم انني عاصرت مسيرته الفنية الحافلة بالجيد والمؤلم والتعب والمثابرة وعاصرت بداياته وتابعت مسيرته الفنية حتى اكتمل بتجربته وازدهر فنه وتألقت اعماله التي حاول من خلالها ان يسجل حضورا في كل مدارس الفن التشكيلي التي تابع حركة تطورها محليا وعربيا وعالميا وبرزت خلال ذلك مزاوجته الرائعة بين الحرف العربي على التراث والتشكيل الفني التي برزت في مجمل مسيرته الطويلة.
وتقول عنه الفنانة ايمان الوائلي: ليس لربيعه افول ولا لترنيماته امل، فلوحاته متاهات لونية غارقة في ملكوت عازف اختار ان يمتهن اهازيجه بصمت صاخب وبراعة تقنية اضافتها اليه تجاربه العميقة وابحاره الدقيق في انحناءات عوالمه الليلية المستساغة حتى استطاع ان يتسلق قمة الاكتشاف بتؤده وبهاء وجمال.
وتقول عنه الفنانة السعودية ليلى حسين: انه يرسم بكل سلاسة ودقة عالية ما اروعه من احساس وما اجمله من بوح للألوان وما اعذبها من ملامسة.
ويقول صفاء السعدون: يسعى الفنان علي الطائي في نسج هويته من خلال بحثه الدائم في اشكاله وحروفياته ماسكا بخيوط انتمائه الرافديني ولعل لغة الجمال التي يخاطب بها تتعدى حدود المكان لتحاكي الآخر، لوحاته ثمرة جهود وخبرات متراكمة تتصل بماضيها وليست غائبة عن حاضرها.
AZPPPL