قول في شعر حميد سعيد

قول في شعر حميد سعيد

إفتكاك القصيد

حسن حميد

حسبك أن تجثو، وتأخذ رأسك بيديك عصراً، إن كنت في حضرة  من استولدته الأنهار وأشجار النخيل، وحسبك أن تقف وتتأمل مراراً ما تخطه وصايا الأنهار والنخيل والأرض الممتلئة بأنفاس الأساطير التي تشيع شعراً في قصيدة !

وحسبك أن تتمهل وأنت تدنو من مدونته الأدبية التي تشبه الأنهار بضفتيها، الشعر والنثر، لكي ترى ما يسرك من إبداع وتجليات لخيال عصي طروب  طرود كالخيول، وحسبك أن تتقفى البهجة والجمال وأسرار النصوص وأنت تتهجى اسمه، حميد سعيد، كما تتهجى الطيور رحابات البراري وما انطوت عليه من جمال شرود.

*

في تجربة الشاعر حميد سعيد  نرى أنفسنا في مرآتين اثنتين، واحدة للحياة، وأخرى للأدب، وكل منهما تحاكي الغابات امتلاء وسعة وأسراراً، مثلما تحاكي الحذق في التعبير والجمال الكامل، والدهشة  الكاملة والخيال الذي لا يلحق به وصف أو تصوير.. لكامله!

موضع دهشة

حميد سعيد شاعر نايف في مدونة الشعر العراقي، مثلما هو شاعر نايف في مدونة الشعر العربي، وهذا الأمر يبدو وكأنه في موضع دهشة لأن حميد سعيد لم يكن مفرَّغاً لكتابة القصيد واستلاله من عالم الغيوم، وإنما كان مهموماً بالصحافة وشؤونها، وما فيها من صخب وضجيج وأسئلة  وأخبار وعقابيل، مثلما كان مهموماً بالتخطيط لثقافة عراق ما بعد الاستقلال، ثقافة النهوض على تاريخ أبي، وأحلام طوال، ومع هذا كله.. تجلى شعرياً منذ نصوصه الأولى لأنه وارث ثقافة العراق الماجدة بأساطيرها وعمرانها ومعارفها ومعانيها وأهلها الأعلام..

لم يكتب حميد سعيد قصيداً ماضوياً يرحل برحيل الأيام ، ويتوارى بتواري الأحداث مثلما لم يكتب قصيداً يذوب بالراهنية فتمحوه أو يمحوها، وإنما كتب قصيداً تشقت به الأرواح وانهمت، وقصيداً حلمت به تشوّفات العقول فصار روحاً تعبيرية عن الحياة العراقية منذ الثلث الأخير من القرن العشرين وحتى يومنا الماثل هذا، وهو بذلك يناظر لقصيده، قصيد أجداده الأوائل الذين جلتهم العصور الماضيات، وإن ذهبت تلك العصور فإن القصيد بقي حافظاً لنبلها، وحاضراً جليلاً بما يؤيدها من أنباء، ومأثورات ، وحكايات، وأساطير،  وسرديات فيها من الغرائبي والعجائبي والذاهل الكثير.. !

*

حميد سعيد، عاش في حال صخّابة يتنازعها اثنان:

الأول، هو روحه الشعري الذي راح يطارد القصيد المعلى بالجمال والبناء والغني ، والثاني هو روحه الثقافي الذي وعى أهمية رسم الدروب التي تمجد البلاد عمراناً، وتاريخاً، وبشراً، ومعاني خالدات. لقد افتك حميد سعيد الشاعر قصيده من بين تشابكات الحياة، وشواغله وهي في صخبها ودواماتها ونقاشاتها ورؤاها التي تقابلت وتواجهت إلى حد التحارب والطي والتغييب، لا ليخلد اسمه فحسب، وإنما ليخلد القيم الزواهي التي كادت، لولا الحياء، تبطش بها تغولات الحياة، ولكي يضيف الجدير بالنبل والجمال إلى مدونة الشعر العربي..

منفى جميل

ومثلما هو قصيده أنيس، رهيف، منقّى، صاف، جميل، باد، عال وبهّار.. هي شخصية حميد سعيد الشاعر والمثقف الذي قابل أحلامه بالصبر عليها مرة، وبالعتاب مرة، وبالرضا عنها مرة أخرى، مع أن الخسائر كانت كبيرة، وكبيرة جداً،  ومن يعرف حميد سعيد يعرف كم ريَّث غضبه الشعري وغضبه الوطني طوال سنوات شالت بها المرارة والغصات.. ومن يعرف حميد سعيد ، يعرف كم تناسى وتجاهل وغض الطرف عن اندفاعات الأزمنة الباردة عليه وما في هبوبها الشيطاني من آثار رجيمة ، وكم آخى وحدته وعزلته وأسئلته الصعبة الصارخة في برية الله الواسعة: كفى ويلات، كفى دم، كفى أذيّات أيها الغياب المر!

ولي أن أستدرك وأنا أناقش نفسي وأحاورها، فأقول: ليس حميد سعيد وحيداً حتى ولا في عزلته، وقصيده ليس وحيداً حتى ولا في عزلته، فهو المنادى من أهل الطيب كرجل وسم الحياة بطابعه، وشعره هو المنادى حين تعلو هتفة القائلين، أين هو الشعر الجميل، فحميد سعيد شقيق أسئلة الناس  ، شقيق نداءاتهم وأحلامهم في آن، وهو إن احتاج الوحدة والعزلة فهو يشتقها بنفسه شأنه في ذلك شأن البراري التي تشتق ينابيعها وتحافظ على صفائها وجمالها، فحميد سيعيد كثير الغنى والحضور بشعره وفنه مثلما هو كثير الغنى والحضور بمواقفه وسيرة حياته التي جعلها تماشي أشواق الجمال وأشواق أهل القضايا الكبرى وأحلامهم، وللمرء أن يعجب العجب كله لانضباط إيقاع قصيد حميد سعيد، وانضباط إيقاع حياته التي لم تعرف الميلان والحيدة على الرغم من كثرة أشراك الحياة وأفخاخها وما فيها من ومض كذوب.

بلى، وحدها مراكب البحر الثمينة هي التي تعرف ما إن كان هذا الومض.. ومض منارات أم لا ! يلحق به وصف أو تصوير لكامله!