

إستذكار وتوقيع كتاب عن التشكيلي الراحل
جميل حمودي رجل الإغناء يتحدث – علي إبراهـيم الدليمي
على قاعة عشتار، نظمت دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والسياحة والأثار، جلسة إستذكارية للتشكيلي الراحل جميل حمودي، أدارها الفنان علي الدليمي، وتحدث فيها الناقد ماجد السامرائي، فضلاً عن توقيع كتاب عن بدايات مسيرته للكاتبة وداد إبراهيم، بعنوان جميل حمودي رجل الإغناء يتحدث، تنتقل بنا صفحات هذا الكتاب بين موضوعات شتى نشأته وعوالمه وأحلامه ومشاهد سفره ودخوله البوزار إلى متحف اللوفر والعودة إلى الوطن والهروب ثانية إلى باريس ومعارضه ومؤلفاته… ففي 30 من حزيران من عام 2003 طوى الموت، بكل هدوء وصمت صفحة مضيئة من صفحات حياة أحد التشكيليين العراقيين البارزين.. وهو الفنان والناقد جميل حمودي من الفاعلين المتميزين في حركتنا الثقافية الفنية. لقد كان لحمودي دور ريادي فاعل في تأسيس روحية خاصة للوحة العراقية المعاصرة المتجددة، كما أنه من المؤسسين لجماعة البعد الواحد، مع نخبة من فنانينا الآخرين من أمثال.. شاكر حسن آل سعيد ومديحة عمر وآخرين.. فقد أكتشف مبكراً كيف يمكن إستلهام الحرف العربي في بناء اللوحة الفنية..”ليصبح أحد الرواد الحروفيين العرب.. “حيث وجه أنظار الكثير من الفنانين العرب بإدخال حرف الياء والجيم والعين والتلاعب في أشكالها.. بتقصيرها وتطويلها مرتكزة على إستلهام الموروث الحضاري..”، حيث زاوج مفردات اللوحة الزيتية مع جمالية وأمكانية تطويع طاقة الحرف العربي.
سمات وخصوصيات
ورغم أنه قد قضى أكثر من عقدين من الزمن في فرنسا، إلا أنه كان بحق سفيراً للوحة الفنية العراقية هناك، التي حملت معها سمات وخصوصية تراثنا وفلكلورنا الشعبي الأصيل. فقد سافر الراحل جميل حمودي، إلى فرنسا عام 1947 بهدف متابعة الدراسة، وبحثاً عن معرفة في مجالات الفكر والفن والإستنارة الجديدة في المشهد التشكيلي العالمي، لا سيما أن باريس كانت في تلك الفترة، بعد الحرب الكونية الثانية، ملتقى ومبعث الحركات التشكيلية الجديدة والمبتكرة، لكنه قبل ذلك كان له نشاطات فنية وثقافية عديدة في بغداد، فقد كان من مؤسسي “جمعية أصدقاء الفن” عام 1941. كما أصدر عام 1945 مجلة “الفكر الحديث” التي كانت من المجلات الرائدة الأولى في إهتماماتها بالفنون والنقد الفني.. وكان في الوقت نفسه أستاذ في التربية في دار المعلمين ببغداد.
نشر قصائد
وفي باريس تابع الفنان الراحل، دراساته وبحوثه الفنية والأدبية، فقد نشر عدة قصائد في المطبوعات الفرنسية، كما أصدر ديواني شعر باللغة الفرنسية هما: “أحلام من الشرق” عام و”أفاق” عام 1957 كذلك أسس داراً للنشر، أصدر عنها مجلته “إشتار” بالفرنسية، وكانت تهتم بالثقافة والحضارات والفنون. عام 1949 أشترك في “صالون الحقائق الجديدة” الخاص بالفن التجريدي، إلى جانب الفنانين.. هيرمان وهارتونك وشوفير وغيرهم في متحف الفن الحديث في باريس، وفي عام 1959 أقام أول معرض شخصي له في باريس، وقد كتب الناقد جاك لاسين مقدمة دليل المعرض.. كما شارك في المؤتمر الثاني عن “الحضارات المتوارثة” الذي أقيم عام 1951 في السوربون، بمناسبة مرور ألف سنة على تأسيس مدينة باريس، وكانت مشاركته باسم مدينة بغداد. يتحدث الفنان حمودي، عن بداية مسيرته الطويلة وتجربته الفنية المعمقة، للصحافة، وقد أجملت بعضاً منها بصيغة موحدة: “لقد أفتتنت بالخط العربي منذ طفولتي، وكنت خطاطاً وأنا أعتز بذلك لأسباب قدسية ذات طابع روحي وديني.. وبعدما بلغت مستوى معيناً في تجربتي الفنية، أدخلت الحرف العربي إلى لوحاتي، لا لإضافة قيمة جمالية إليها فحسب، بل لتضمينها معاني مختلفة تسهم في بنائها أيضاً.. الحرف العربي إذن كان يعيش معي منذ الطفولة، وقد توضحت بعدئذ الأدوار التي يمكن أن يؤديها في التكوين التشكيلي.. رسماً وتكويناً ونحتاً وعمارة.. أستفدت من مرحلة “الكتاتيب” حيث تعلمت الخط بالقلم المقطوع من القصب وبالحبر الأسود، وكنت أحاول تكوين أشكال غريبة أو هندسية أو معمارية، مثل أشكال المساجد والمنائر وغيرها.. في الصف الثالث الإبتدائي تحولت من الإبداع العشوائي إلى نقل اللوحات الملونة، وفي عام 1936 نقلت بنجاح صورة الشاعر الإنكليزي “شيلي للرسام كينزبورد”.. كما تعلمت في طفولتي الحياكة والتجليد والنقش على القماش “الباتيك التقليدي” والنجارة، وكانت مسألة هامة وجوهرية، حيث أعطتني الفرصة لممارسة فن النحت على الخشب.. تعلقت بالكتابة والأدب، ودفعني هذا التعلق إلى تحرير مجلة بإسم “عشتروت” كنت أكتبها بخط يدي، وساهم فيها جواد سليم وعطا صبري وغيرهم.. وفي بغداد، كان لي في المسرح هوايات عابرة فقمت بإخراج مسرحية “مجنون ليلي”.. كما قمت بإخراج مسرحية يابانية بعنوان “هاكورومو – ثوب الريش” على مسرح حدائق مدرسة الفنون الزخرفية في باريس عام 1960. ان اللحظة التي وثبت فيها الى ذهني فكرة استحياء الحرف العربي في العمل الفني كانت في ساعتها نوعا من الابتهال، والصلوات لنفس افزعها الفراغ الذي ملأ الحياة الاوربية التي كنت حديث العهد بها. و.. يظل الفن عندي بلورة تنعكس عبرها الحياة بما فيها من نبض يشمل المادة والروح، وبما فيها من تجليات تتصاعد سموا فتبلغ ارفع القيم، وتتهافت هبوطا فلا تتجاوز حدود ما اراد الله تعالى لنفس الإنسان ان تبلغه من درجات التهافت. ويظل فني، وهو الذي يستوحي الحياة في ثناياها التعبيرية والتجريدية ، يتحرك بين القيم الانسانية معتمدا جمالية الحرف العربي تعبيرا عن انتمائيته لحضارتنا وقوميتنا وانطلاقا على طريق زمننا المعاصر.
لقد تميز فناننا جميل حمودي باستلهامه المتجدد للحرف العربي في أعماله الزيتية والتخطيطات بالحبر والمائيات، المتلامسة ما بين الإنطباعية تارة والتكعيبية و التجريدية تارة أخرى، فضلاً عن إرتباط الفنان حمودي، بقيمة الحرف كموروث حضاري وشرقي حيث تدل ألوانها الحارة على إقترابها من السجاجيد والبسط الشعبية والفلكلورية العراقية، مما جعله يستثمرها بشكل إبداعي وأصيل على مدى مسيرته الفنية، كما ان لثقافته الواسعة بالفن والأدب العالمي كانت دافعاً فكرياً قوياً ومتمماً بإتجاه نشر الفكر وصنع الخصوصية وطرح الأفكار المبدعة، لقد أوجد، حمودي، أسلوباً خاصاً به تميز عن باقي الفنانين الرواد بموضوعاته وتقنياته في العمل، كما تميزت أعماله بالواقعية التجريدية من مكونات اللوحة وألوانها الزاهية والجريئة، كما تميزت ألوان لوحاته ببريقها الذي يحن الى الماضي العريق والمتجسد بفكر متوارث من البيئة التي كانت لتأثيراتها الواقع الكبير والملموس من خلال أعماله. وقد مرت التجربة الجمالية لتوظيف الحرف العربي في رسوم حمودي، بعدة مراحل بحثية متواصلة، ففي العقد الخمسيني إتجه أسلوبه نحو التجريدية والإختزالية، إذ أحتوت أغلب أعماله على أشكال هندسية متعددة، ولتظهر حروف الخط الكوفي بشكل واضح وشاخص، وهي لا تخلو من التأثر الواضح بالمدرسة التكعيبية ويظهر ذلك من خلال تكسيره للاشكال التشخيصية وتبسيطها وجعلها على شكل مكعبات صغيرة، فضلاً عن إعتماده على الشكل الدائري او الهالة السرمدية وحاول تكرارها بالوان مختلفة مختلفة مناسبة. ثم بدأ، حمودي، يقترب من فن العمارة والآثار الشاخصة.. إذ شكل الحرف والزخرفة الآرابسك ثنائية في لوحاته.
فان جمالية توظيف الحرف في أعماله نحت نحو التجريد ليصبح الحرف لديه حاملاً لعدة مضامين إجتماعية ودينية من خلال تضمين النص لعدة كلمات مثل البسملة، وآيات قرآنية. ويتضح المفهوم الجمالي للحرف العربي في لوحات الفنان جميل حمودي، وخصائص أسلوبه. لها مرجعياتها الفكرية والدينية والتاريخية والميثولوجية في العلاقات السائدة بين العناصر التصويرية وتطبيقاتها في التقنية لتكشف الجماليات الموظفة لصورة الحرف العربي، في الشكل الخارجي واللون والفضاء والملمس والحجم والسيادة الأتجاه والتكرار.
الفنان الراحل جميل حمودي
– ولد في بغداد سنة 1924.
– تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد.
– عضو في جمعية أصدقاء الفن وأنتخب سكرتيراً لها سنة 1946.
– اشترك في جميع المعارض الفنية التي أقيمت في بغداد.
– أصدر في بغداد سنة 1945 مجلة الفكر الحديث ثم أصدر رسائل ستوديو.
– عين مدرساً للفن في دار المعلمين ببغداد.
– سافر إلى باريس لمتابعة دراسته ونشاطاته الفنية ومكث هناك عشرين عاما.
– أقام معرضا شخصيا في صالة الواسطي ببغداد عام 1965.
– ساهم في المعارض الفنية وخاصة البعد الواحد الاول عام 1970.
– عمل مديراً في وزارة الثقافة والإعلام ومنتسباً للمركز الثقافي العراقي بباريس حتى عام 1985.
– أسس قاعة إينانا للفنون في بغداد ومديرها المسؤول.
– كرم بأعلى وسام للفن التشكيلي في فرنسا- المعهد الثقافي الفرنسي ببغداد عام 2001.
– أقام معرضا للفنانين الشباب في قاعة إينانا للفنون خصصت لتقديم جائزة جميل حمودي للشباب حيث قام بتوزيع ثلاث من لوحاته للفائزين الثلاثة من الفنانين الشباب 2001.
2001- حصل علىى وسام الشرف من دولة فرنسا.
1986- و سام الثقافة و الفنون من فرنسا.























