
كتاب الحياة وقصص أخرى 2-1
فصول من زمنّي الصمت الإجباري والإختياري
ليث الصندوق
(كتاب الحياة) هو المجموعة القصصية الخامسة لعبد الأمير المجر ، وعبرها يرى إلى العالم بمنظار يخترق الجلد السميك إلى حيث تُختزن الأسرار ، وتتوارى المسروقات ، وتحتجب الفضائح ، ويُنفخ من الخارج الفارغون من الداخل . بيد أن الرصد لا يكفي وحده لتحويل الخلل إلى فضيحة ما لم يقترن بصوت جهير وشجاع ، وبلغة ضدية تشخص من يقف وراء الخلل ويستثمره . لغة تُعيد عرض ما تراه العيون بعد استبدال الوقائع الصورية بالرموز تمويهاً لما هو مموّه أصلاً ، وتشويهاً لما هو مشوّه أصلاً ، وفي الحالين يظلّ ما وراء اللغة ، وما وراء الصورة حاضراً في ذاكرة القاريء ، وناطقاً عما يمور في أعماقه من حُرقة على خسائر يُعاد تدويرها وإنتاجها في كل الأزمان ، ومع كل العهود . أنها مشاكسة يتسلح لها العقل الواعي بالجنون المحسوب والمبرمج ، وتُسخّر لها الأيدلوجيا صرخاتها المؤجلة من زمن الصمت الإجباري إلى زمن الصمت الإختياري . كل تلك الإستعدادات القتالية هي نوع من المقاومة الإبداعية لفضح ما يقترفه الأقوياء والمتنفذون بحق الضمير والمستقبل من دون أن تترتب على الفاضح تبعات قانونية أو أخلاقية أو عرفية .
وبالرغم من التقنيات الشكلية الحديثة التي استعان بها الكاتب ، إلا أن السرد ظل رسالة يتبوّأ الإنسان مكانه منها في الصدارة محاطاً بمعضلات هو فيها السبب وهو فيها المسبب ، وهو الذي بيده ، ومن أجله الحلول . ومن أجل تيسير إبلاغ تلك الرسالة ، وتيسير استيعابها ، يُجرّد الكاتب نصوصه من التفاصيل الشكلية واللوازم البلاغية ، مبقياً رؤيته الأيدلوجية محتفظة برموزها وبرمزيتها معاً وهي تطفو على السطح .
راو مشترك
تضمّ المجموعة ثماني قصص قصيرة ، ست منها يسردها راوٍ مشارك بصوته وبضمير المتكلم ، وعبره يتمّ التبئير ، باستثناء قصتي ( المؤرخ ) و ( عودة الإنسان ) اللتين تردان على لسان راوٍ مفارق وبضمير الغائب ، ويتقاسم فيهما هو التبئير مع بعض الشخصيات الأخرى . وفي حين يبدو دور الراوي المشارك جلياً وفاعلاً في القصص الست التي تدور على لسانه ، إلا إن قصة واحدة منها هي ( الإرث ) يجانب فيها دوره الجلاء والفاعلية ، فهو دور إشكالي لا يتعدى النقل عن أبيه الذي كان بدوره قد تلقى القصة عن جدّه . وبذلك فإن صوت المتكلم ، أو الراوي الذي يتأرجح دوره ما بين المفارقة والمشاركة ، لا يكاد يُسمع سوى في السطرين الأوليين من بداية القصة ( حدثني أبي ، نقلاً عن جدّي الذي روى له الحكاية ، وقد أوصاه بأن ينقلها إلينا ، نحن أبناءه . ص / 53 ) وبتجاوز هذين السطرين ، أو هذا الإسناد المتواتر تراتبياً ، يغيب الراوي المشارك ، أو ضمير المتكلم ، ويتحول السرد إلى ضمير الغائب الذي ينقل ما يتمّ تبئيره من خلال الورثة الثلاثة .
قصة ( العري ) هي الأولى في المجموعة ، وتُستهلّ بشبه الجملة ( حين صحوت من النوم ) ، وهي جملة مخاتلة ، توهم القاريء ان ثمة التفاتة سردية يعدّ لها الراوي المشارك للعودة إلى وضعية ما قبل الجملة ، أي إلى وضعية النوم ، وما يرافقها من الأحلام ، وهي وضعية تتوافق مع الأحداث اللاحقة التي سُبكت بمنظور غرائبي متحرر تماماً من محددات الواقع وعقلانيته . وربما حتى السطور الأخيرة من القصة يبقى القاريء متشبثاً بقناعة موهومة نجح الكاتب في صياغتها وتسويقها إليه عبر جملته الإستهلالية تلك ، وعبر ما سيعقبها من أحداث أيضاً ، وربما ظل القاريء يتوقع أن ما يقرأ هو تداعيات حلم سينهيه الراوي باليقظة التي معها سيُنهي قصته أيضاً ، على الطريقة التقليدية التي تستعين بالأحلام لفك العُقد السردية المتشابكة والمحكمة . ولكن سيتبيّن القاريء – بعد انتهاء القصة – أنها لم تكن أضغاث حلم ، بل هي رصد لواقع مغاير لا يقل عن الأحلام غرابة وإدهاشاً ، وهاتان الصفتان لا تحتملان حصر المرئي في حدود الحواس ، بل تطلقانه خارج حدود جاذبية المعقول ، لتعبرا بذلك الإنزياح عن غرائبية الواقع وجنوحه . وبذلك تداخل العالمان معاً : عالم الواقع ، وعالم الأحلام ، ليشكلا معاً عالماً بمواصفات لا تنتمي إلى أي منهما ، يحق لنا أن نسميه عالم الكوابيس ، ولكنه عالم الكوابيس المعاشة .
بدت عوالم القصص مجرّدة من التفاصيل باستثناء قصة ( ألعظماء يرحلون بصمت .. أحياناً ) وتلك ميزة تتوافق مع الرسائل التي أراد الكاتب إيصالها للقاريء ، وهي رسائل أيدلوجية في الغالب ، ولذلك لم يصرف جهده إلى تأثيث وتزويق فضاءاته ، وإغنائها بالتفاصيل التي تُبعثر رؤيته ، وتشغله هو ، كما تُشغل قارءه عن التركيز على بؤرة تتجمّع فيها إشعاعات الفكرة / الرسالة . لقد تعامل الكاتب بذات الطريقة مع عنصري المكان والشخصيات فجرّدهما إلى اقصى ما يُمكنه من كل ما يحيط بهما من لوازم التوصيفات الخارجية ، وتعامل معهما كوحدات دالة بذاتها ، وليس بما يعلق بهما ، أو يتصل ويرتبط بهما من زوائد ومكملات . فالأماكن التي تدور فيها قصة ( العري ) محدودة وقليلة جداً ، وهي بحسب التسلسل النصّي ، وهو تسلسل يفارق التسلسل المنطقي :
1- الفندق
2- مدخل ألمدينة
3- صالة الفندق
4- ألساحة العامة
وما عدا الإنتقال من المكان الأول إلى الثاني الذي تمّ عن طريق الإسترجاع والعودة بالزمن إلى الوراء يوماً واحداً فقط عبر الذاكرة ، فإن الإنتقال من الأماكن الأخرى زمنياً تمّ تصاعدياً . ويمكن اعتبار تلك الأماكن مواقع أساسية تتفرع منها أماكن أخرى ، مثل الحمام الذي هو جزء متفرع من المكان الأول ، والإستعلامات التي هي جزء متفرع من المكان الثالث . أو على الضد من هذا التفريع يمكن اختزال الأماكن الأربعة في مكانين نوعيين هما ( الفندق والمدينة ) بيد ان هذا الإختزال المبالغ به سيؤدي إلى إلغاء الكثير من الأحداث المرتبطة بالتفرعات مما يجعل من الصيغة الرباعية هي الأكثر تمثيلاً وتوضيحاً لقصد الراوي . ومع ذلك فتلك الصيغة لا تعدو أن تكون سوى تسميات دالة ، من دون إسناد تلك الدلالة بتوصيفات تؤكدها . وفي غياب صورة دقيقة وواضحة ومدعمة بالتفاصيل ، فأن أفق توقع القاريء لا ينشأ عن أي إسناد نصّي ، بقدر ما ينشأ عن ثقته بالراوي . ويستثمر الراوي هذه الثقة في تشذيب و ( ترشيق ) نصه ، وتجريده من تفصيلاته المكانية ( تحديداً ) وبصيغة لا تفتت وتُبعثر الغاية من وراء الغلالة الغرائبية التي غلف بها فكرته . فبالإضافة إلى اختزال الأماكن الرئيسية في الحد الأدنى ، فأن توصيفات كل ركن منها ، وكذلك توصيفات تفرعاتها لن تتجاوز المستوى الثاني ، وبذلك انعكست صورة العري الجسدي الذي وصم شخصيات القصة على المكان أيضاً . أما تجاوز التفاصيل للمستوى الثاني في مكان أساسي واحد هو غرفة الفندق ، وفي مكان فرعي واحد هو الحمام عبر المكونات التي وردت على لسان الراوي المشارك مثل ( رفّ التواليت / العطور / مجفف الشعر / الأمشاط / الصابون … ألخ ) فهي لا تمت إلى الحضور بصلة لأنها من مغيبات المكان التي افتقدها الراوي .
اماكن محددة
وحال الشخصيات هي كحال الأماكن محدودة ، وعدا بعض الشخصيات ( الفردية ) الفاعلة مثل الراوي المشارك ورجل الفندق ورئيس المدينة ، إلا أن هناك نوعاً من البطولة الجماعية تؤدي عبرها المجاميع دوراً مشتركاً واحداً بإيقاعية فردية منتظمة وعفوية من دون توجيه من عنصر خارجي مثل :
1- الرجال الملثمون الذين يُقال أنهم دخلوا المدينة خلسة ، والذين لم تتبيّن ملامحهم ولا طبيعة أدوارهم ، فليس هناك من رآهم رأي العين ، وكل ما عُرف عنهم جاء عن طريق الرواية المنقولة عن مجهولين ( البعض قالوا أنهم رأوا أشخاصاً لهم وجوه غريبة لا تشبه وجوه أهل المدينة أبداً . ص / 12 ) وقبل هذه الشهادة المجهولة المصدر جاءت شهادة الراوي التي ستكون الأساس الداعم لها ( حين دخلت المدينة غروب يومي الماضي ، سمعت لغطاً كثيراً غير مفهوم ، وبدافع الفضول ليس إلا رحت أصغي لما يُقال ، وعرفت أن رجالاً ملثمين دخلوا المدينة خلسة . ص / 8 ) ومن الواضح أن مصدر الشهادتين واحد ، وهو المجهول ذاته ، وأن الفارق ما بين الشهادتين هو في الناقل الذي هو الراوي ، لذلك فأن الشهادتين لم تضيفا شيئاً ، بل أنهما زادتا في غموض الموقف ، ولم تساهما في كشف هوية اللصوص ، فقد ظلت تلك الهوية مرتبطة بسرقة وبمسروقات غير مألوفة ، ومن خصوصية اللصوص وخصوصية مسروقاتهم تتشكل رمزية النص ، وتتوضح رسالته . ولعل الوظيفة السردية لتلك المجموعة الملثمة التمهيد التدريجي لدور موسّع تؤديه عصابة ذات وجهين : الأول هو وجه أجنبي يمثله الملثمون أنفسهم ( وجوه غريبة لا تشبه وجوه أهل المدينة أبداً . ص / 12 ) وهذا الوجه هو الأداة التنفيذية للسرقة . والوجه الثاني هو وجه محلي يمثله رئيس المدينة الذي يمكن أن تكشف رئاسته عن محليته ، وهذا الوجه هو الغطاء المحلي الذي يستعين به اللصوص / الأجانب / الوجه الأول لإخفاء مسروقاتهم .
2- نزلاء الفندق ، ووظيفة هذه المجموعة هي إسناد وتدعيم تساؤلات الراوي إزاء طبيعة السرقة الغريبة التي طالت الجميع في ملابسهم ، وتركتهم عراة ، وبدون هذا الإسناد كانت السرقة ستبدو مقصودة لشخص بعينه ، وعندئذ ستفقد الحكاية رمزيتها ، وتبدو تقليدية ، ومباشرة . هذه المجموعة ستمهّد لظهور مجموعة أخرى في مكان آخر هو ساحة المدينة ، وهم سكان المدينة ، وسنأتي على ذكرهم فيما بعد . بيد أن الجماعتين تشتركان معاً في التعرض لذات النمط من السرقة . وهذا الإشتراك سيسهل إنضمام وتداخل المجموعتين وتحويلهما إلى مجموعة واحدة ، أو قوة مواجهة معادلة ، بل راجحة على مجموعة ، أو قوة اللصوص . ويلاحظ أن هذا التحول لم يتم داخل الفندق المغلق ، بل في الساحة العامة المكشوفة / ساحة المدينة . وبذلك تكتسب ساحة المدينة رمزيتها من ثلاثة عناصر ، هي :
– ألعنصر ألأول : إنفتاحها وانكشافها وعدم انغلاقها كقاعة الفندق وغرفه .
– ألعنصر الثاني : مشاعيتها ، فهي ساحة للجميع ، وليست لمجموعة نوعية معينة ، وتدل تسميتها بساحة المدينة على مشاعيتها .
– ألعنصر الثالث : أنها أرض التقاء واندماج مجموعتي الممتحنين بالسرقة ، ألمجموعة المغلقة / مجموعة الفندق ، ومجموعة المدينة / سكانها .
3- مجموعة المدينة أو سكانها ، وهي المجموعة التي نشأ تأثيرها كقوة عن تراكم وشيوع فعل السرقة الذي بدأ تأثيره فردياً بالراوي ، وتعاظم ليشمل نزلاء الفندق ، وتعاظم إلى حدّه الأقصى بشموله للمجموعة التي نحن بصددها . بيد أن هذا التعاظم القاعدي في المتضررين سببه رأسي ويمثله شخص واحد هو رئيس المدينة .
4- جماعة الحماية والحرس ، ودور هذه الجماعة هي التماهي مع رئيس المدينة من خلال الدفاع عنه من غضبة المسروقين . ووضع هذه الجماعة في بداية القصة هو ليس دورها في نهايته فهو ينقلب ما بين الموقعين إلى نقيضه ، فبينما كانت هذه الجماعة في أول القصة تتميز بكونهم كاسين عن أهل المدينة العراة ، ومن هذا الوضع اكتسبت قوتها ورجحانها ، ولكن أنقلب الحال إلى عكسه في الختام ، فصار العُري هو ما يميزها عن أهل المدينة الذين استعادوا منهم ملابسهم المسروقة . أي أن العُري واللّبس هما العلامتان الدالتان للصوص ولأهل المدينة معاً بيد أن أياً من العلامتين لم تستقرّ على أيّ منهما ، بل أنهما تبادلتا دلالتيهما ما بين المجموعتين ما بين البداية والختام .
يتضح مما سبق أن الجماعتين الأولى والرابعة تؤديان معاً دوراً مشتركاً معاكساً في الوقت ذاته لدور المجموعتين الأخريين الثانية والثالثة اللتين تؤديان معاً دوراً مشتركاً واحداً مما يجعل من المجموعتين ( الأولى + الرابعة ) من جهة ، والمجموعتين ( الثانية + الثالثة ) من جهة أخرى كتلتين موزعتين في مكانين مختلفين . هذا التوزيع المكاني سيفقد أهميته في ضوء تلاقي ، وتداخل عنصري الكتلة الأولى معاً ، في مقابل تلاقي ، وتداخل عنصري الكتلة الثانية ، لنكون في النهاية أزاء كتلتين متمايزتين عن بعضهما كلّ التمايز ، وهما كتلة اللصوص من جهة ، وكتلة المسروقين من جهة أخرى ، وبذلك فأن التوتر في القصة تكون قد تسببت فيه حالة التضاد والتناقض ما بين طبيعتي الكتلتـين.
وقد تواجهنا حالة توافق وتناظر ما بين قصة ( العري ) وقصة (دعوة لحفل المجانين ) :
– فالمكان المرجعي / الفندق في قصة العري ، يقابلة مكان شبيه له في العَلَمية هو الفندق أيضاً في (دعوة لحفل المجانين ) مع اختلاف وظيفة كل منهما عن الآخر في كل قصة من الثنتين . فهو في الأولى مكان تقليديّ لا تختلف وظيفته عن أي فندق آخر في استقبال النزلاء وتضييفهم ، ولكن وظيفته في الثانية هي لإقامة مؤتمر المجانين .
– وفي القصتين هناك مسروقات وسرّاق ومسروقون . ففي حين كانت الثياب هي المسروقات في قصة ( العري ) صارت المقالات السياسية والثقافية هي المسروقات في ( دعوة لحفل المجانين ) . وفي حين كان المسروقون في الأولى هم عموم أهل المدينة ، صار المسروقون في الثانية هم الكتاب والإعلاميون. – إن حالة الإفتراق في هوية المسروقون ما بين القصتين ، تقلل من حدتها حالة التوافق والتناظر في هوية اللصوص ، فهم في القصتين ينتمون إلى مجال وظيفي واحد ، فبينما كان رئيس المدينة في الأولى هو الشخصية الفردية الرامزة للنظام الحاكم في المدينة ، فأن هوية اللصوص في القصة الثانية هم رؤساء الأحزاب السياسية المعنيون بحفل المجانين وهم رموز النظام السياسي التعددي الذي يمثلونه .
– وإن كانت المسروقات / الثياب في القصة الأولى هي الرمز الأغلى لدى الإنسان الشرقي ، لأنها تستر الجسد ، والجسد كناية عن العرض والشرف في المفاهيم الشرقية ، ولذلك حرص الحاكم / اللص ان يلبس كلّ الأثواب المسروقة لصق جسده في وقت واحد مؤثراً على ذلك إيداعها في خزائنه كما يحفظ المال لأن الأثواب رمزياً وعرفياً هي أغلى منه . بيد أن المسروقات / المقالات في ( دعوة لحفل المجانين ) هي أدنى قيمة لدى لصوص الثقافة والفكر / ممثلي الأحزاب السياسية ، خصوصاً بعد أن تُستنفذ حاجتهم إليها ، فتُهمل ، وتُلقى بعد انتهاء الحفل على أرض القاعة (انتبهتُ إلى الأرض التي كانت مغطاة بعشرات المقالات السياسية والثقافية والاجتماعية . ص / 23 ) . وإن كان الراوي / المشارك لا يعرف مصدر تلك المقالات ( لا أعرف بالضبط من جلبها ، أو هل هي من ضمن الرزم التي كان يتأبطها المحاضرون أو ممثلوا الأحزاب قبل إلقاء محاضراتهم ، أم جلبها آخرون من المدعوين للحفل . ص / 23 إلا أن آلية التأويل تجعل من اليسير تخمين المصدر ، وتخمين سبب تعامله المتناقض مع الثقافة ما بين فترتي بدء الحفل وانتهائه .
واللصوص الذين حضروا في صباحات الناس ويقظتهم في القصتين السابقتين ، يحضرون ثالثة ولكن في الأحلام ، أو في أحلام الأب المهموم بمسبحته في قصة ( مسبحة أبي ) أو بحسب قول الأب ( لقد صارت تأتيني في الأشهر الأخيرة أحلام مخيفة حيث أشعر وكأنّ مسبحتي انسرقت . ص / 27 ) . والمسبحة في هذه القصة هي في غلوّ الثياب في قصة ( العري ) وفي غلو الثقافة والفكر في قصة ( دعوة لحفل المجانين ) بل هي أغلى من الغاليين الآخرين ، فهي لدى الأب وبحسب ما تقول الأم ( صار يعيش من أجل هذه المسبحة . ص / 27 ) وهي كما يقول الأب نفسه ( باتت الهواء الذي أتنفسه ، ولا أستطيع العيش بدونها . ص / 27 ) .
ومن الملاحظ أن الداعم والمعين لكل اللصوص المحليين في القصص السابقة هم من الأغراب ، فالملثمون ( ذوو الوجوه الغريبة ) مهدوا لظهور لصوص الثياب في قصة العري ، وأعضاء الفرقة الموسيقية التي عزفت السلام الوطني في قصة دعوة لحفل المجانين دعماً للصوص الثقافة والفكر المحليين ، وإيذاناً بافتتاح حفلهم هم أغراب أيضاً ، فقد بدت وجوهم ( غير معروفة لإيّ منا ، ولم نسمع بأسمائهم . ص / 19 ) بل حتى السلام الوطني الذي عزفته الفرقة لم يكن وطنياً ( حين طلب منا النهوض قبل بدء عزف السلام الوطني ، نهضنا جميعاً ، وصرنا نتلفت إلى بعضنا بعد لحظات ، إذ لم نعرف إن كان هذا السلام هو السلام الوطني لبلادنا أم لغيرها . ص / 19 ) وكذلك هو الأمر مع لصوص المسابح في قصة ( مسبحة أبي ) فقد جاءت بهم العواصف والأعاصير أناساً على شكل ( عقارب كبيرة ، وإفاع يمسك كل واحد منهم بمسبحة من لون مختلف ، يداعبها بأصابع كالمخالب ، ويوزعون على المارة ابتسامات صفر . ص / 29 ) .
والمسبحة / الرمز لدى الأب ، هي غير المسبحة في ذات القصة لدى البشر / العقارب والثعابين ، فقد اقترنت الأولى بالتوهج والعبق المسكر كلما فُركت بالأكف ، بينما اقترنت المسابح الأخرى بابتسامات أصحابها الصفر . كما أن حميمية العلاقة ما بين الأب ومسبحته ، هي غير العلاقة ما بين البشر / العقارب والثعابين وبين مسابحهم . فمسبحة الأب كانت محط فخره واعتزازه إلى حدّ أنه لا يسمح لغير يديه بلمسها ، أو كما يقول الراوي المشارك / الإبن ( لم يسمح أبي لأحد أن يعدّ خرزاتها ، أو يلمسها ) أو ( أما شكلها الجميل فيجعل أبانا منتشياً دوماً وهو يعيش ساعات فخره المتجددة وسط المجالس ، حيث تكون كلّ الأبصار متجهة إليه وإلى مسبحته . ص / 26 ) انها علاقة المرء بجزء غال وعزيز من جسده ، بينما علاقة البشر / العقارب والثعابين بمسابحهم فهي علاقة الوحش بفريسته ، فهم ( يداعبونها بأصابع كالمخالب . ص / 29 ) .
هكذا انجلت القصص السابقات عن لصوص محليين لا تربطهم علاقة قربى مع ضحايا سرقاتهم ، بل هي في أحسن الأحوال علاقة مواطنة ، ولعل تلك العلاقة البعيدة تُجنب اللصوص الإحساس بوطأة ما يسرقونه على مالكيه إن كان للصوص ثمة قدرة على الإحساس . بيد أن قصة ( الأرث ) تشذ عن قانون النسب هذا ، فاللصوص هم ذاتهم المسروقون وهم ثلاثة أخوة ، يسرق بعضهم ميراث الآخر الذي يرى نفسه أجدر به من أخويه . أنها قصة العقائد التي تنتمي إلى جذر واحد ، نمى عبر الزمن ، وتفرّع إلى اغصان شتى . قصة لا تنتهي أبداً على امتداد التاريخ الإنساني ، بل تتكرر بنفس فصولها وأحداثها عبر الأجيال المتعاقبة ، وفي حيوات الأبناء كما كانت هي ذاتها في حيوات الآباء والأجداد ما دام كل واحد من الورثة لا يقرّ بحدود حصته من الميراث ، ولا يقرّ كذلك بحق أخوته منه .
اول ورشة
وإن كان المروي عنه في القصة وهو أول الورثة يخشى على ميراثه من أن يسرقه الوريثان الثاني والثالث ، اللذان يخشى كل واحد منهما على ميراثه من أن يسرقه الآخران ، من دون أن يدرك الثلاثة أن ميراثهم جميعاً هو ميراث واحد ، وأن لكل واحد منهم حصة متساوية فيه ، وأن خشية كل واحد من الثلاثة من أن يسطوا الآخران على ميراثه هي خشية موروثة من الآباء والأجداد الذين عاشوا نفس هاجس الخشية من قبل ، من دون أن يدركوا جميعاً أن الخلاص منه يكمن في الإقرار بحق كل واحد منهم بحصة متساوية في ميراث الجد الأول.
إن هاجس الاستحواذ على الميراث من جهة ، والخوف عليه من السرقة من جهة أخرى كفيل بتحويل الأجيال اللاحقة إلى لصوص يسرق أحدهم الآخر ، ويحرمه من حصته في الميراث . وتبعاً لهذه الرؤية يمكن من الناحية التأويلية إدراج الورثة الثلاثة في قصة ( الأرث ) ضمن صف اللصوص ، لينضم بذلك لصوص الميراث في قصة ( الإرث ) إلى لصوص الثياب في قصة ( العري ) ، وإلى لصوص الثقافة والفكر في ( دعوة لحفل المجانين ) ، وإلى لصوص المسابح في ( مسبحة أبي ) . لكن الفارق أن الكاتب في قصة ( الإرث ) عالج ميراثه بقدر كبير من الجرأة والتحدي اللذين يحسبان له في ظروف تحدّ من حرية التفكير والتعبير معاً تشبه إلى حد بعيد الظروف التي كتب فيها نجيب محفوظ رائعته ( أولاد حارتنا ) والتي بدا أثرها واضحاً على قصة الأرث ، مع فارق أن جهة التهديد في مصر كانت أكثر متابعة من مثيلتها العراقية للشأن الثقافي بصورة عامة ، وللثقافة المختلفة بصورة خاصة ، كما أنها الأقدر ( أي الجهة المصرية ) على الإبصار في الظلمة ، وعلى فك الرموز والشفرات الحذرة .























