ما يتجوهر في الرؤية والمعنى –  هيلانة عطا الله

قصيدة الصلب للشاعر عبد المنعم حمندي

ما يتجوهر في الرؤية والمعنى –  هيلانة عطا الله

نعلم أن اللغة الشعرية تتكئ على الرمزية ما يجعل المتلقّي يحسُّ بالشعر ويستمتع ويُدهّشُ أكثر مما يفهم تفاصيل القصيدة ، ويمكنني مقاربة هذه الحالة مع ما نستمتع به من منظر الوردة وشذا عبيرها ، أو مع ما نشعر به من ضوء الشمس ودفئها دون أن نمسك بالوردة ولا بالشمس .

هكذا هي لغة الشاعر حين يبتعد عن اللغة المباشرة والمسطحة فيستخدم اللغة المكثفة والمقتضبة من خلال الرمز ليحرّك خيال المتلقي وليحفزه على التأويل ليتمكن من التقاط تجربة الشاعر ومشاركته في عوالمه الشعورية فيفرحان معاً ويبكيان معاً … إلخ

ويؤدي الرمز تواشجاً تكاملياً بين المستوى المحسوس وبين المستوى المعنوي وبالتالي فإن الدلالات والإيحاءات تنبثق من داخل القصيدة وليس من خارجها ؛ أشار أدونيس إلى ضرورة أن يتجاوز الشاعر لغةَ الكتابة إلى لغة جديدة لأن اللغة العادية المحدودة تعجز عن احتواء العالم اللا محدود .

تقودني هذة المقدمة إلى قصيدة الشاعر عبد المنعم حمندي الزاخرة بالرموز المستوحاة من مخزونه الثقافي والروحي والتاريخي الثرّ، فيبدأ القصيدة بعنونة لافتة ” الصّلْب ” ، مفردة واحدة هي عبارة عن مصدر ونعلم أن المصدر يدل على حدث مجرد من المكان ومن الزمان ، استحضرها الشاعر من الموروث الديني في العقيدة المسيحية التي يؤمن أتباعها بأن السيد المسيح عليه السلام تعرض لعذابات الصلب حتى أسلم الروح على يد المتشددين والمستكبرين من بني اسرائيل ثم قام بعد ثلاثة أيام من دفنه وصعد إلى السماء ، ويحتفل المسيحيون سنوياً بعيد قيامته ” الفصح ” ، وكأني بالشاعر يريد القول إن وطنه ” العراق ” في مرحلة عذاب كعذاب الصلب وستُكتب له القيامة من جديد ..وكانت حالات القهر تعتصره ألماً على وطنه نتيجة ما رآه من تكرار حالة الموت حتى ارتبك الموت نفسه في زحمة الضحايا يقول في مطلع القصيدة :

الظلامُ … الظلام

الذي أيقظَ الحلمُ أشجَانَهُ

شارعٌٍ من همومْ

يكتسيهِ الوجومْ

يربكُ الموت

في وطنٍ نازفٍ لا ينام

ابتدأ الشاعر بمفردة الظلام وليس الليل ، فلليلِ وجوه متعددة للأفراح وللأتراح ، في حين أن الظلام يرمز إلى العتمة وما يحيط الإنسان فيها من تبعات ، وقد سيطرت أحلام الشجن على ” ظلام ” القصيدة واكتظت فيه الهموم حتى تحولت إلى شارع واجم من كثرة الدماء والأشلاء ، ويصف الشاعر حزنَه بالنبيل ، وهل هناك أنبل وأعمق وأشد تأثيراً من الحزن على الوطن ؟ فقد يحزن المرء على حبيبه أو أهله أو .. أو .. ولكن الحياة تستمر ، أما إذا فقد الوطن فلن يتبقى له شيء إطلاقاً . فكيف ووطن الشاعر قسموه وضيعوه ” بين ليل وليل ” كناية عن استمرارية الليل فلا فجر آت ولا بصيص نور وأبناؤه مشتتون في البلاد :

قسّمَ الوحشُ أعضاءَهُ ،

بين ليلٍ وليل ..

ما تَخثَّرَ من دمهِ ،

ضائعٌ بين تلك العواصم ،

وبصورالشاعر مشاهد الموت الأليمة :

صرخت نخلةٌ في أعالي الفرات

: ان يوم القيامة يومٌ أليفٌ هنا

فلا الراسياتُ صمدنَ ولا الطيرُ طار

ولا تستطيع السماء الهبوط ،

ولا الغيمة العاليهْ

لقد صار للقيامة سيرورة مستدامة في المشهد اليومي التراجيدي ، ولم ينجُ منه البشر ولا حتى الجبال الراسيات ولا الطيور التي يمكنها الفرار بالطيران ، وحتى السماء والغيوم عجزت عن إنقاذهم ، بهذه الحقيقة المرة صرخ نخيل العراق على أعالي الفرات ، فالنخيل يصرخ والنهر تفور مياهه لتعلو إلى النخيل وهما الجاران الأبديان وأهم أسباب استمرار الحياة .

ويعلل الشاعر بعض أسباب هذه الحرب المدمرة ليعزوها إلى ما سمّاه السخط أو الضغينة من قبل الحالمين ” بالفحولة ” :

هو السخطُ والسخطُ جنٌّ جبان

قد نُسَمِّيه كيد الضغائن ،

كيد مَنْ حلمّنَ بنُعْمى الفحولةِ ،

أغرقْنَ بالسفحِ قحط البلادْ …

مواجهة خصم

إذاً هي الأحقاد التي شبهها الشاعر بالجن من النوع الجبان ، لأن الجبان يغدر ولا يواجه خصمه بشجاعة الفرسان ولا يتورع عن ارتكاب كل الموبقات ليبقى على قيد الحياة ، وما هؤلاء الجن سوى الذين تنقصهم الرجولة فيحلمون بالفحولة التي ترمز إلى الغريزة الحيوانية ، كما يرى سبباً آخر لهذه الحرب يتجلى بالتمسك بعادات وتقاليد الجاهلية كالاصطفافات وراء آلهة صنعوها وفي المجاعة أكلوها ، وكذلك عادة الثأر التي يكون الجميع فيها قتلى : القاتل والمقتول :

عندما جاءت الظُلماتُ ،

صنعنا لكلِّ إلهٍ قبيلاْ

وانتمينا له ،

وأكلناهُ في الجوعِ ربّاً جميلاْ

وارتضينا بما ينسبون ،

وما صوّر الأولون

وما نجّمتهُ الرياحُ لنا بُكّرةً وأصيلاْ

ليس هذا إفتراء

على هامشٍ في المتونْ

ولا خلق آلهةٍ من خيالِ المُجونْ

إلى قوله :

ها هُنا ينحني النهر

قبل النخيل

ودمي ..، الماءِ

يسقي عطاشى السبيلْ.

يتنفّسُ في رئَتّينِ على حجرٍ- ،

قاتلاً أوقتيلْ

والمصائبُ مقبرةٌ ،

بهذة الشطرات أجاد الشاعر بالاعتماد على التناص تلميحاً لا توضيحاً كما أسلفتُ قبل المقطعين أعلاه . ليعود بنا إلى عصر الأضاحي والقرابين :

ما الذي يُشعِلُ الثلج في الحالمينْ؟

غَيرُ ما إقترفَ إلإثمُ

أضحيةً للسماءْ

و مَرَارَاتُنا حكمةٌ ،

وقرابين مغسولةٌ بالدماءْ

لملاقاتها،

يُولَدُ الحلم في فجرها ،

والمنايا إماءْ

دم بارد

إن قلوب المتحاربين متجمدة تجعلهم يقتلون بدم بارد كما يقول المثل العربي ، فيسأل الشاعر سؤال العارف المستنكر عن الشيء الذي يمكن أن يجعل قلوبهم ترقّ ولكن لا شيء سوى اقتراف إثم القتل حتى باتت البشر هي القرابين ، ونعلم أن ابراهيم الخليل عندما همّ  بذبح ابنه طاعةً لله ، فإن الله أبدل الابن بكبش ، أما نحن فما زلنا موغلين في القتل وكأن الدم ماء ، والمشكل أيضاً أن ماءنا متاح لعابري السبيل فأعداؤنا وحدهم المستفيدون والصاعدون على الدماء المهرقة بين الأشقاء ، في حين أنهم يستمتعون بموت الآخرين مثلما يستمتع الفجّار بالإماء .

ويعود بنا الشاعر إلى رمز ” الصلب ” ليوظفه لأغراض أخرى :

“وطني

صلبوهُ على جذعِ قرنٍ

بعمرِ الدهورْ

أكل الطيرُ من رأسهِ ،

واستوى صدّرهُ

ملعباً للنسورْ

في هذه الشطرات متتاليات من الصور التي تنم عن طاقة الشاعر التخييلية صورت لنا المشهد التراجيدي للوطن الذي صلبوه منذ مئة عام وكأنها دهور في بعدها الروحي ، وامتدت حتى صار الوطن ملعباً للطيور الجارحة التي تقتات جثامين الضحايا في الحروب كما اعتدنا أن نطالعه في تراثنا الشعري الموروث ، الحقيقة إن القصيدة حافلة بالرموز التي تماهت مع أفكارها ومعانيها لتشكل هذا المعادل الموضوعي بين المبنى والمعنى فهاهو الشاعر يستحضر أقواماً من تاريخ العرب القديم :

” -أسودٌ دمُها-

تنزفُ الكلماتِ قَذىً. ورماداً ودودْ

تلتقي

بالرؤى المُعتمات ..

بأساطيرَ من قينُقاع اليهودْ

بإشارة منه إلى أن ما يحصل في وطنه إنما هو بفعلة أقوام تشبه بني قينقاع ، تلك القبائل اليهودية التي عادت الرسول الأكرم محمد ودسّت الدسائس بين المسلمين ، وما كفانا ذلك بل ما زال في ظهرانينا اليوم ضلاليون :

مَا كان فِي أَهْلِ مَدْيَنَ جيلاْ

قد طوينا العصورَ ،

ولم نهتدِ في السبيلِ السبيلاْ

والذي اسْتَصرَخَ الأَمس

يبطشُ في النخلِ ،

هل يَرِثِونَ السمواتِ ..

أم يرثون النخيلاْ ؟

إذاً مرت علينا العصور ولم نتعلم من تجاربنا الدروس ، فما زلنا نتناسل أقواماً كبني مدين الذين عاشوا في شبه الجزيرة العربية وكانوا يعبدون شجرة الأيك وقتلوا الرسل الذين بعثهم الله لهدايتهم ، ومع الأسف فإن اصحاب الحرب في الوطن يظنون أنهم سيرثون السماوات بتناصٍّ موفق جداً مع الكتاب المقدس والقرآن الكريم بإلماحة إلى المفهوم الجهادي ، في حين أن أعداءنا يرثون نخيلنا ويسرقون خيراتنا .

والملاحظ أن رمز ” الصلب ” تكرر في غير موضع من القصيدة مع تقليبات المفردة واشتقاقاتها من العنوان حتى الخاتمة التي قال فيها :

ولكنهم وَأَدوا الحُلمَ ،

والروح مطفأةٌ ،

و دخانُ دمي

سلّمٌ للصليبْ

بهذا الانزياح المدهش أعطى الشاعر طاقاته الحيوية للمفردات ما عمّق المعنى لدى المتلقي ، فهذه الحرب أطفأت روحه وأحرقت دمه وما بقي سوى دخان تحول إلى سلّم ليصعد إلى الصليب ، ما يذكرنا بأتباع العدمية في الحداثة الشعرية الغربية ، ولكن ليس بالمطلق بل كان في القصيدة إشراقة تنمّ عن القيامة الجديدة للوطن يقول :

اننا نحلمُ الآن ..

حين يطيب التأمّل بالشمس

قبل الغروب

بمرارات كل الحروب

تهجّد دمع النحيب

أرى أَوَّلَ الشمس، أنثى ،

فكيف يراني الذي لا أراه

الواقع إن الشاعر تمكن باقتدار من المواءمة بين محرقه الجواني وبين أدواته الفنية التي ركزتُ فيها على الرمز والتناص ، فجاء بناؤه الشعري بحلة بهية ولاسيما حين أحال التجربة الفردية إلى حالة إنسانية تلامس واقعنا العربي في عصر الصراعات الدموية ، وكأن الإنسان العربي قدرُهُ أن يموت موتين : الأول في الحياة والثاني في الممات .

إن القصيدة من مقام التفعيلة ركب بها الشاعر عبد المنعم حمندي بحرين هما الخبب ” فعلن … ” والمتقارب ” فعولن … ” كما في قوله :

نسيَ الليلُ أقمارَهُ

في الهزيعِ الأخيرِ

من الغوثِ ،

كالمُستجيرِ

من القيظ بالنارِ

أصرخُ :

أنَّ احتفالَ العصورْ

صرختان من الحشرِ ،

يومُ النُشورْ

نسي ال = فعِلن

ليلُ أق = فاعِلن

مارهُ = فاعِلن

في الهزي = فاعِلن

عِ الأخيرْ = فاعلاتن هنا أشبع فاعلن لتصبح فاعلاتن مع الوقف على حرف الرويّ الراء الساكنة ما أدى وظيفةً فنية من خلال حاجته لمدِّ نفسه بعد التفعيلات المقتضة تماهياً مع حالته الشعورية أثناء فعل الكتابة .

منَ الغوثِ كالمستجيرِ أصرخُ أنَّ احتفالَ العصورْ = فعولن مكررة سبع مرات ختمها الشاعر بتفعيلة فعولْ من جوازات فعولن مع الوقف أيضاً على حرف الراء الساكنة .

ويعود في ” صرختان من الحشرِ ، يومُ النُشورْ ” إلى الخبب .

مثل هذا التنوع في البحور كما في القوافي في القصيدة كلها منحها إيقاعات متنوعة جاءت من غير صنعة لتلبي حاجة الروح الشاعرة وحاجة المتلقي للخروج من الرتابة ، وخاصة أجواء الموت كفسحة استراحة من وقعه الثقيل على الكاتب والمتلقي معاً..ونعلم أن قصيدة التفعيلة تحتمل هذا التنوع الفني لما تعطيه للمؤلف من مساحات حرة .. وقد كتب الشاعر وهو مطعون في روحه حدَّ الغيبوبة التي نصابُ بها عادةً من صدمةِ الألم الشديد وارتفاع درجة حرارة الجسم ، وحينها قد تسيطر علينا حالة التهويم أو الهذيان ، ولكن شاعرنا مع ذلك ظلَّ قابضاً على وعيه ما يمكنني القول إن الشاعر كان في حالةِ الغيبوبة الواعية ـ إن صحَّ التعبير ـ أثناء سكبِ جوانياته على هذه القصيدة الملحمة ، ومع أن الملاحم غالباً ما تكون من نمط قصيدة العمود إلا أن الشاعر كتبها على نمط قصيدة التفعيلة ليؤكدَ قدرتها على ما كان من اختصاص العمود فقط . بكلمة حول فنية القصيدة أقول : إنها الحداثة الممزوجة مع الأصالة .