بمناسبة فوز العلاق بجائزة عويس

بمناسبة فوز العلاق بجائزة عويس

إستبدال الزمن بالمعنى

جبار النجدي

تكشف نصوص الشاعر ( علي جعفر العٌلاق ) في مجموعته ( هكذا قلت للريح ) عن ممكنات الشعر الكائنة في غيره ، أملا فـــي أن يحرز الشعر ما لايستطيع أن يدركه ، وذلك يتطلب من الشاعر انهماكاً متواصلاً لإظهار الزمن بصورته المصنوعة من مشاهدات مرئية ، في محاولة لنقل حراك الزمن إلى مجموعة من الكائنات والأشياء الراسخة في وجودها منذ الأزل ، وطبقاً لهذا فأن بوسع الزمن في نصوص (العلاق) أن يلعب دور المرآة التي تكرر نفسها ، في ضروب من المشاهد المرئية سعياً من الشاعر في إتاحة الفرصة لتواري الإحساس بتعدد الوحدات الزمنية وتفرعاتها ، وبالطريقة التي تؤمن نقلها إلى كائنات وأشياء مرئية ماثلة في عالم الظواهر، الذي يستبطن الزمن ولايظهر سوى أثره ، وبموجب ذلك يتحرك الوقت ليحاذي مادة الحياة فلا يعلن عن نفسه بصورة القدر أو الفجيعة ، أوالاحساس بهما ، بل يُظهر نفسه بصورة المشاهدة المعتادة ، بمعنى إن الشاعر ( العٌلاق ) يستبدل الزمن بكلمات تعادل تماماً ما ينوي إخفائه عن فكرة الزمن ذاتها فكلمات مثل ( الر يح والحجر والرمال والنار والمطر ، والغبار والدخان والمرآة … الخ ) كفيلة بان تجعل الزمن ينصرف إلى فضاء افتراضي محاولاً قيادة نفسه إلى خارج متغيراته الزمنية ، وهو تجويز مرده التوسع في نطاق التخٌييل الشعري ، الذي ينطوي على رغبة الشاعر في إنفاق الزمن ودفعه إلى غير مراميه، فيبدو الزمن وكأنه ناقلاً لدلالة الحياة ومخبوءاً في انشغالاتها ، وبالنتيجة فان الفرصة تسنح لظهور المعنى في صورة اثر بديل عن الزمن ، ما يسمح للشاعر ( العٌلاق ) محاولة تغيير مفهوم المعنى وإعادة توضيحه للدرجة التي يتحول فيها إلى نوع من الإحداثيات المتحركة التي توثق خطى اليوم بالغد لذا فانه يذهب إلى القول:

دائماً

كان في الليل متسع

للنهار

وباتجاه آخر يبوح الشاعر في النص المعنٌون ( الزمان ) بأقصى ما يتاح للزمن أن يهبه لنا :

كم جُننٌا به ،

كم أباح سباياه للغير ،

كم حبٌ خمرته

ومباهجه

                              لسوانا ….

وحين كبرنا ، أشاخ

أتيناه ، أو جاء

لافرق :

نسأله خُشعٌا ، عن فظاظته ،

ويسألنا ، نادماً ،

عن هوانا …

من الأجدى إذن أن يدرك الشعر ما لا يستطيع أن يدركه فيسمح للزمن أن يصبح معنى متداولاً ، وفقاً لمتغير هام يتمثل في استبدال الزمن بالمعنى وإحٌلال الموائمة بين القيد والحركة لتمكين وظيفة التعليق من تدارك وطأة الزمن ، فلعٌبة الشعر هنا تداني في الشبه طريقة اللعب للاٌعب لعبة ركوب الأمواج الذي يوثق قدميه بالألواح ، لكي تمنحه الأمواج العاتية الحرية القصوى في الحركة ، ومع ذلك فان الأمر يتعلق بالنأي قليلاً عن شبح فكرة الوصول إلى اللحظة الزمنية المفزعة :

كان كلانا

يغني ليصفو ،

ويصغي ليزداد قرباً

من اللحظة المفزعة

ينبغي بالأحرى أن نفهم ما يصبو إليه اللعب الشعري حينما يقرن الشاعر مع كل ظاهر للمعنى دلالة مخفية للزمن هي أقل بوحاً بقساوة الزمن وشناعته ، لذا فان الزمن الذي نعطيه أعمارنا سيعطينا شيباً بالمقابل ، بوسعنا أن نراه فحسب بما يودعه الخريف من صورة الشيب في الأشجار :

فجأة ، والخريف يُهيئ أشجاره

للمشيب

إن المعنى المالك لقدرة الافتراض بوسعه أن يسترسل ويتواصل مع الزمن تماماً كما هو الوهم الذي يتولد منه وهمٌ آخر :

أينا كان من حصة الريح

تمضي به كل ثانية

صوب وهم جديد ..؟

إذا كان المشهد الشعري يعج بالمعاني المرئية فأنه سيوفر بالتأكيد مقداراً من السهو عن شيء لا يحضر في مساحة المشاهدة ، ألا وهو تركات الزمن وبالتالي يتيح لبعد آخر من الشعر أن يحضر على صورة حلم :

–         قال لي :

كم جمعت من الأرض ؟

كم بعت من خمرها ؟

كم شربت ؟

-قدر مزرعة ، وقطيع

من الغيم

قال : وماذا جنيت ؟

-حلٌماً ما أزال أطارده ، وغديراً

يحن إلى الماء ….

إن البيئة والإنسان والأشياء في نصوص مجموعه الشاعر ( العٌلاق ) ( هكذا قلت للريح ) بما تنطوي عليه من معان مرئية هي في حقيقة الأمر بمثابة قرائن زمنية جاهدت كي تنفصل عن سياقها الزمني رغبة في توسيع نطاق التخييل ، بما يصلح مداراً لقلب علاقة ما ، فبدلاً من أن يكون الزمن عبارة عن توالي جرئي عددٌي ويتخذ له فعلاً حاضراً في هواجس النفس معبراً عن خسارة أو خيبة ما ، فانه يبدو في نصوص المجموعة وكأنه منصرفاً عن مراميه وعالقاً في حدود المشهد والمشاهدة ، وليس أدل على ذلك ما يضمره هذا المقطع من قصيدة ( لاغبار ولا أمتعة ) من بنى تعليقية تعمل استناداً إلى قدرات الوظيفة السمعية لكلمة ( ينادي ) :

كان كلاٌنا ينادي

ثم تصل القصيدة إلى الفاصل الذي يدل على فراغ أو شيء يتم تعليقه ولكن في معرض الفقدان إذ يقع بين ( الربيع الذي مضى ) و ( الهوى الذي لم يحن )

كان كلانا ينادي

ربيعاً مضى ، أو هوىٌ

لم يحن بعدُ ….

إن المناداة إشارة صوتية توجب الالتفات ، الذي من شأنه أن يفسح مجالاً للوقفة أو التعليق الذي يهيئ الفرصة لحضور زمن معلق ، يهدئ قليلاً من روعنا ، إما صيغة التعليق في قصيدة ( كذئب لا ملاذ له) فإنها ناجمة عما يودعه الزمن في الأشياء والكائنات وعلى وفق اشتغال شعري يظهر التناوب بين الممحو والمكتوب في آن ، ويعلقهما في برهتين متجاذبتين :

ماذا ستكتب عنك الريح ؟

قال : وهل لهذه الريح

غير الرمل :

تكتبه حينا ، وتمحوه

يبدو واضحاً إن الاشتغال الشعري في اغلب قصائد المجموعة يرمي إلى جعل الزمن خفيٌاً عن كونه زمناً ، في حين تكون الخسارة جزء من رحلة المعنى ، الذي يقع بين لحظتين زمنيتين متتاليتين ومتغايرتين ، احدهما تمثل نقصاً والأخرى تمثل تتميماً له ، بكلمات أخرى إن المعنى غير قادر على إتمام نفسه على الدوام ، وهو في ضوء ذلك يفترض ضياعه ، لكونه نتاج سجال تلكما اللحظتين الزمنيتين ، اللتين لا تلتقيان على أي مستوى من التكميل ، إنهما تلتقيان فحسب على إضاعة جزء من المعنى باستمرار ، ولذلك فأن المعنى ووفقاً لهذا الاعتبار ينقل لنا المزيد من الإحساس بالضياع ، الذي يلتقطه الشاعر على نحو يفوق أي إحساس آخر به ، وبالفعل فأن قصائد الشاعر ( علي جعفر العلاق ) تفاقم من وقع حدة الضياع وتقدمه باعتباره نتاج رفقة المعنى للزمن :

أكنت كمن مضى وعاد ،

أضاع الحُسنيين معاً ،

لم يلق منفاه في المنفى ،

ولا وطنه ؟

أو  تتقلب ما بين ليل وليل ،

فمن أيمٌا عشبةٍ

صاغنا اللهُ ،

من أيمٌا تهلكة ؟

للخراب أم البركة ؟

إن خلاصة ما ينزع إليه الشاعر ( العلاق ) هو أنْ يدعنا ننظر إلى الزمن من غير أن يكون مرئياً ، بينما يتوق في ذات الوقت إلى وضعه في المدى العياني للرؤية ، يجري ذلك في حدود الفضاء الافتراضي الذي يضفيه الشعر على حركة الكائنات والأشياء ، وفي لحظات تٌلبٌس الزمن لوجوه ومعاني الحياة ، حيث تتأكد حاجة الشاعر إلى المزيد من الرغبة في جعل افتراضات الشعر قادرة على احتواء قسوة الزمن ومحاولة إذابته .