
الحاجة إلى هوية مجتمعية
الفن ودوره في تجديد الخطاب الثقافي – محسن العلي
تعد الفنون الجميلة بكافة أشكالها وأصنافها وطبيعتها ، نتاجاً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً راقياً يعبر عن الواقع ، ويتجاوزه إلى الأفضل ، بفعل تأمل وفكر وجهد وتجربة الإنسان , وظروف بيئته المحيطة به والتي وجدها على الطبيعة ، أو تلك التي ساهم هو في إنشائها أو تطويرها ، من خلال التفاعل الحياتي اليومي بينه وبين العالم عبر التجربة الإنسانية المعقدة منذ أول التاريخ حتى يومنا هذا ..نكاد نقول إن الفن هو الإبن الشرعي للثقافة بتعدديته واتجاهاته الإنسانية .. وما يحمله بأقسامه وألوانه منفرده ومجتمعه ..
مفاهيم الفن المتعدد . ما هو الفن؟ .. وما أطلق عليه من تسميات ؟
الفن .. هو الحياة في كل أشكالها المتعدده ..
الفن .. ضرورة لحياة الإنسان كما قال أرنست فيشر ..
وهناك من يذهب الى أنه الجانب الحسي في الوعي للنشاط الإنساني في المجتمع .. وهو نتاج إحتياجات الإنسان للجماليات في الحياة ..الجماليات التي تتحول إلى ضرورات حيوية كلما ازداد التفاعل ما بين الطبيعة والأنسان لخلق الثقافة المستمرة .الفن إذن هو في الأخر نتاج ثقافي بكافة أشكاله .. الفنون التشكيلية مثلاً بأشكالها الإبداعية مكتشفة الجمال في الطبيعة , ومستعيرة إياه لبناء جماليات اللوحة , كي تنشط الإدراك البشري وتبعث على التأمل في البحث عن البناء الجوهري لماهية الأشياء وإنطلاقتها .. كذلك المسرح ، تكوين مستمر لتجارب الانسان ومصيره , وكذلك الموسيقى والرقص لغة الشعوب قاطبة والتي لا تحتاج إلى ترجمان سوى نبضات الروح .حتى جاءت السينما العصرية في لترسم الصورة المدهشة في لغة متحركة صامتة وناطقة تعبر عن بانوراما إنسانية ابداعية كما في المسرح في رسم الصورة مستعيضة عن الحوار في بعض الأحيان وبديله عنه في أحيان أخرى متحوله إلى نص أدبي وثقافي .وقد أنتج الفن أيضاً نشاطا ثقافيا هو النقد الفني شمل الدراسات والبحوث للأعمال والنتاجات الفنية في إطار حركة جديدة هي تعددية التخصصات في النقد من مجاميع ثقافية أهتمت وتخصصت في هذا الجانب لمختلف الفنون وأصبح التأثير تقويمي وتنافسي ..ولقوم هذا النقد بتقويم الجهد الابداعي وما اذا كان يعبر عن الخطاب الانساني الجديد المتجدد دائما , ام انه يعبر عن القيم الماضية البائدة المتخلفة . لقد ظلت الفنون الجميلة جزء لا يتجزأ من مسيرة البشر في كل مكان ولدى كافة الشعوب ، وظلت تسهم في تنوير حياتهم وتطويع الطبيعة لخدمة أهدافهم في الرقي والتقدم البشري فلم تكن الفنون وسيلة تسلية وترفيه فقط ، إنما كانت من أهم وسائل المعرفة والثقافة والمدنية التي شكلت ليس فقط أشكالاً متنوعة من النتاج الثقافي الإنساني ، إنما صنعت حضارات ومدنيات عظيمة عبر التاريخ .
طاقة خفية
وحين شعر الإنسان البدائي الأول بحاجة حقيقية لمساندة الطاقة الخفية للفنون التي لم يكن يعرف لها إسماً ، ولحتجته الى المزيد من الشجاعة للإنتصار على وحوش الغابة رسم على جدران الكهوف نفسه / رجلاً يقتل وحشاً برمحه الحاد الصقيل ، وحين تفجر حنان الأم الأولى بعاطفتها الجياشة تجاه طفلها أخذت تغني له أغاني التدليل ، ثم لما كبر قليلاً أخذت تقص عليه حكايات ما قبل النوم والإغفاء .. وحين عشق المغني حبيبته غنى لها أحلى القصائد إلى أن أكتشف فن الكتابة العظيم .وكلما تقدم الإنسان في مضمار الحضارة كان لابد أن تتقدم وسائل التعبير الفني مرافقة للنهوض المستمر للحياة إلى آفاق جديدة أرقى وأجمل وأكثر عدالةً وإنسانيةً وإبداعاً .. حتى شهدنا الفنون تأخذ حيزاً واسعاً في خدمة الإنسانية عبر كل أشكالها في الفنون التشكيلية والأدب شعراً وسرداً والرقص والموسيقى والغناء والمسرح والسينما والأزياء والآثار والفنون الإذاعية والتلفازية والفنون الشعبية المختلفة .نحن نمتلك هذه الوسائل العظيمة لتطوير حياتنا ، فهل نحن فعلاً قادرون على الإستفادة منها في دفع الحياة إلى الأمام بعيداً عن التخلف الجاثم على قلوب أبناء أمتنا وشعبنا العربي .. وهل نحن واعون إلى خطورة ما نملك من قدرات ثقافية تخدم مجتمعاتنا ، وتطور إنساننا ، وتضيف إلى إنجازات حضارتنا التي امتلكت زمام المبادرة التاريخية ، بعيداً عن كل أشكال التعصب والطائفية والعنصرية والفرقة والتخلف .هذا ما نسعى اليه في ايجاد سبل حقيقية قابلة للتنفيذ ، بمساندة من الهيئات الرسمية والشعبية وهيئات المجتمع المدني وكذلك من إدارات جامعة الدول العربية .إن المجتمع العربي بشكل عام يحصل على المعلومات من خلال وسائل التكنولوجيا المتاحة الآن بكل منظوماتها المتطورة والبسيطة التي توفر الجانب المعرفي والتواصل السريع .. الذي من شأنه أن يأخذ إتجاهين سلبي وإيجابي .. علينا الآن أن نركز على الجانب الإيجابي بتطوير الثقافة المجتمعية .. وبشكل خاص ما تعانيه مجتمعاتنا ومنطقتنا من تنام خطير وإجرامي لدور التخريب والإرهاب الفكري وإستغلال الدين بعملية التطرف .. لأن الحرب القادمة هي حرب فكرية تقسم المجتمع إلى مذاهب وطوائف وأعراق .
خطاب اعلامي
إن لم ننتبه إلى ضرورة تجديد الخطاب الإعلامي والثقافي .. سنشهد مستقبلاً ينحدر صوب مجتمعات مقفلة ونحو هويات فرعية ..وستنشأ أفكار ومعتقدات تأخذا الدين غلافاً لها .. وترسم لدى الشباب مسارات واجتهادات خاطئة .. وتصادر حركة شعبنا وأمتنا , وتشرعن وحدها إهداف حركة أجيالنا القادمة ..
إن ما نعانيه اليوم من أزمات وجودية شاخصة ناجم في كثير من الأحيان عن سوء خطابنا الثقافي وقصوره وتشتته وعبثيته ولا مسؤوليته وكذلك الخطاب الديني المتطرف الذي وجد له منابر من خلال قنوات فضائية تكاد تكون تعليمية .. تدعو للتخلف والتمسك بالوهم ، وهذا من الأولويات التي يجب أن ننتبه لها بصورة جادة لأنها لا تتعلق فقط بحياتنا بل بمستقبل أجيالنا القادمة . ولذلك فإن علينا أولا تحديد مواقع الخطاب الثقافي القديم ، وخصوصا في منتجنا الفني العام، وإلى أية هاوية ينزلق بنا إليها ، وما هي الأولويات التي ينبغي أن نعيد مناقشتنا مرة بعد مرة حتى نصل إلى المنهج الفني القويم الذي يخدم ثقافة المستقبل .























