الدب الكبير – حيدر علي الجبوري

قصة قصيرة

الدب الكبير – حيدر علي الجبوري

عامٌ مضى

في الاعلى ،  عند بداية السلم المتحرك شاهدتها وهي ترتفع بهدوء مع السلالم وتتجه نحوي ،  كانت الاجمل كما عهدتها عيناي ،  وكل جوارحي . تحمل طفلا جميلا يشبهها بجنون ،  طفل بعمر العام الذي انقضى وذهب كلُّ في طريقه في الحياة ،  ولم يعد احدنا يدري بأخبار الاخر ،  واين هو ،  او كيف هو الان . عام مضى وهي نفسها هي : تلك الجميلة . رأيتها تقترب صاعدة عبر السلم نحوي ،  تبتسم وتوزع انظارها بيني وبين الطفل هامسةً بإذنه وتشير إلي . كنت ادري انها تخبره عني ،  وتريد لفت انظاره التائهة في صخب المكان وكثرة المتبضعبن والأضواء والألوان . ثم نجحت حينما ادرات رأسه الصغير بإصبعها المضيء ،  وبنفس الإصبع اشارات الي وهي تبتسم ،  تقول له : انظر امامك ،  في الاعلى حيث نقترب . أما أنا ،  فقد كنت ابتسم ايضا ،  لاني اراها وقد صارت الاجمل ،  بعد عام مضى دون ان نلتقي ،  ولا حتى ان نودع بعضنا . كنت ابتسم لاني لم اجد غير ذلك كما لو ان عاصفة بلاهة كونية ضربتني ،  ولاني ادري ان لا احد يراني ابتسم .كان الطفل يمعن بوجهي ،  برأسي الكبير ،  بيدي الناعمتين . وكان خليطا من الرعب والدهشة والاكتشاف يحكمون بقبضاتهم عليه ،  ويخرجون من عينيه اللتين تشبهان عيني امه علامات استفهام كثيرة . بينما كنت انا أؤدي واجبي نحوه ،  ولا اكثر . احمله ،  لكن بشعور غير كل طفل حملته واحمله كل يوم ،  اشعر من بين حاجز الفرو الناعم نعومته ،  حرارته ،  الجاذبية الغريبة التي تباعد بيننا تارة وتقربنا تارة حد اننا ربما كنا بيوم شيئا واحدا ،  شيء لا يمكن لكل قوانين الحياة ان تباعد بيننا ،  الا اذا تكسرنا ،  وصرنا هشيما في مهب الافتراق . ولدقائق جميلة ،  وجدته يبعد عنه هالات الرعب والدهشة ،  ويحتفظ لنفسه متعة الاكتشاف بلمسه انفي الكبير ،  ويطلق لأمه حينما التفت لها ضحكة لكم اسعدتها ،  ثم اخرجت من حقيبتها هاتفا بشاشة كبيرة تظهر عليها قطة ذهبية صغيرة بعينين زرقاوين ،  وطلبت مني ان تلتقط لنا صورة ،  كانت تقف امامي ،  بقربي جدا وهي ترفع الى الاعلى هاتفها ،  بينما كان طفلها يمسك بأنفي ،  وانا مستغرق بشعرها ،  واحاول الا ياخذني الاغماء ،  من كل شيء امامي ،  هي ،  الطفل ،  السلم المتحرك القادم نحوي ،  ثم يكتشف الجميع ،  من يكون ذلك الدب الكبير .

عامٌ آخر

ما زلت افكر ،  وقد مر شهر على اطلالتها تلك وهي تحمل طفلها . مر شهر وانا احاول تجميع شتاتي ،  وافكر دوما ،  بل اتمنى الا يظهر كل ذلك التشتت في هاتفها ،  تمنيت حقا بأن اكون الدب الكبير ،  الناعم ،  الذي يتحرك ببلاهة ،  أو ببراءة بين الزبائن ،  والا تمعن هي جيدا ،  بعد كل فترة ملل وهي تقلب صور جوالها ،  وتكتشف من عيني اني كنت استغرق بقفاها ،  أشاهد امتداد يدها اللا متناهي وهي تمدها نحو السماء من اجل صورة ذكرى بمركز تسوق كبير ،  تمعن جيدا لعينيّ وهما يتمواجان في حيرة من اكون ،  وانا الدب ،  او المحب الذي انفق السنوات العذاب مع حبيبة ،  المحب الذي اراد ان يثبت غلط فرضيات عاشق خاسر حينما قال : ان المرأة الشرقية بامكانها ان تتحدى الكون كله ،  الا الزمن ،  فهو الهاجس المخيف الذي يسطو عليها كل حين ،  وكلما منحها عاما آخرا من حياتها ،  تمالكها الخوف في انها تدنو من النهاية ولم تحقق شيئا ،  وأخذ شيئا منح مقابل ذلك المنح ،  ولن تبالي ابدا اذا تقدم لها احد للزواج منها ،  اي احد ،  يعرفها او لا ،  تعرفه او تجهله ،  لن تبالي في هجر حبيبها من اجل اخطر مجازفة في حياتها .اردت برهنة العكس واثبات ان الحب مقدس ،  ولن يتجاوزه الا من ألحدَ به ،  او من لم يتذوق حلاوة لوعته . لكنها اثبتت بطريقة المنهج العلمي الذي درسناه معا ،  وان خريج كلية العلوم ،  مثلي ومثلها ،  لم يعد له وجود ،  وان الفيزياء التي درسناها معا ،  لم تفسر بأي حال اي معنى للحب بطريقة العلم ،  وكل الثقوب السوداء ،  خصائص المعادن ،  درجات الحرارة ،  ونظريات الضوء هي محض افتراضات في عالم الواقع ،  واقع ان يتذوق من امضى اربعة اعوام حلاوة تعلمه ،  فيكون سعيدا ،  ثم يتزوج التي يحبها ،  ولتذهب كل الطبيعة الى الجحيم اذا لم يكن ذلك . هي أثبتت ترهات ذلك الخاسر حبه ،  واختصرت كل المسافات باعتذار هاديء متحضر : انها ليست بالمستعدة ان تمضي عليها مسافات الزمن وانا بلا عمل ،  بينما ثمة عروض مغرية هي قريبة منها ،  ومن الغباء التضحية بها من اجل حب يقاسي الزمن الصعب . مر زمن وانا بداخل ثقبي الاسود ،  شهر ،  شهور ، عام واكثر حتى رأيتها مع طفلها الجميل الذي يشببها بمركز التسوق الكبير ،  بداخل الدب الذي يبهج الصغار ،  يلتقط معه الكثير صورا للذكرى ،  في مهنة الغت وجودي بالتمام والكمال ،  واحتجزتني بجسد دب كبير ،  بُنّي اللون ناعم الفرو مبتسما بغباء . مر عام آخر ولم ارها مطلقا ،  ولست ادري ،  اكنت ارغب في رؤياها مرة اخرى ،  ام ان الدب الذي يعتريني يريدها هي ،  يريدها تقترب اكثر ،  تأخذ الصور الكثيرة ،  تمسك يده دون ان تشعر بحراراته . ولا تدري ،  من يكون ذلك الدب الكبير .

عامٌ ثالثٌ

قلت فيما بعد ،  بأني برئت ،  والزمن قد تكفل بطمر الذكريات في حوادث اخرى ،  حوداث مضحكة واخرى غير ذلك ،  اذكر منها فتاة الاداب ،  حينما رمتها الفلسفة علي وارادت ان تعرف اكنت فتاة ام رجلا . الحت كثيرا دون ان تدري بأني ممنوع من التكلم مع الزبائن ،  وان جل ما اعمله تلك الحركات الساذجة مع المتضبعين واطفالهم . كان سؤالها للمرة الاولى ،  طبيعيا : أأنت ولد ام بنت ؟ . أجبتها في اشارة باصبعي : انظري الى عيني . لكنها لم تكن متيقنة ،  وتشككت في من اكون بعد كثر المحاولات وهي تحدق من خلال فتحتي عيني الدب . وفي المرة الثانية : أجبتها بأني شاب بإيماءة من رأسي بعد أن افترضت بأني كذلك . و لم تصدق . في الثالثة ،  جازفتُ وأعطيتها رقم هاتفي بورقة صغيرة الصقتها على دمية و قلت لها : العاشرة مساء ،  ستعرفين من يكون ذلك الدب الكبير . كانت بلا عمل مثلي ،  واكتشفت منها ،  ان الاداب كما العلوم ،  تخرّج الضائعين ،  وتتركهم في الشوارع يبحثون عن اي عمل ،  تخرجهم سائقي تكسيات ،  حراس مبان ليليين ،  عمال بناء ،  او تركنهم في المقاهي مخدرين بالعاب الهواتف ودخان الاراجيل . ثم اختفت كما ظهرت ،  واعتدت غيابها الطبيعي حتى لاح لي الوجه الذي احببته منذ سبعة اعوام ،  مع ولد صغير بامكانه المشي ،  تغير وصار اجمل . كان منبهرا بالسلم الكهربائي ،  ويمسك يد امه بقوة وهما يقتربان مني ،  مثل اول مرة ،  يقتربان ،  ويرتفعان نحوي . كان كل شيء تغير فيهما نحو الاجمل ،  الا انا مازلت كما قالت هي وهي تخرج من حقيبتها هاتفا كبيرا ليس كذاك الذي التقطت فيه الصورة الاولى : انك الوحيد الذي يننا لم يتغير . فحركت رأسي كمتفق مع رأيها . بينما كان رأسي الحقيقي غارقا في العتمة و بدأت لا اطيق الهواء الضئيل الداخل عبر فتحات رأس الدب الغبي . وكأول مرة ،  أعادت تدوير الزمن بصورة معها ،  كنت احمل الطفل ،  و و تقف هي بجواري كثيرا . كثيرا حد ان ذاكرتي كلها استنفرت وبعثت بي الى اماكن كثيرة اسرفنا فيها الكثير من الزمن و احالته الى عمر أمده أربعة أعوام فانيات . وليت الامر بقى على حاله . وبقيت هي تلتقط الصور الى آخر العمر ،  ارتضي فيه ان اكون الدب حتى لو بلغت من العمر الف سنة . فقد اراد طفلها ان انتزع الرأس ويثبت لامه ان من يقف معها ليس دبا حقيقيا ،  انه مجرد شخص غريب ،  شخص يعمل هنا ،  شخص يمثل ولا احد يعرف من هو . صار يبكي ،  يصرخ ،  وعلم الجميع انه يريد رأس الدب ،  و انا ادري ان رأسي سيكون لامه بعده . وتكتشف بالطبع ،  من يكون ذلك الدب الكبير .العام الأخير

وما ان يبلسم النسيان ذاكرتي ،  تعود كما لو أنها تدري ،  ان خلف الدمية الكبيرة تلك ،  أنا . ولولا اقتناع الطفل في العام الماضي بأنني اخفي حقنة للأطفال المشاكسين ،  ما سكت وتركني وعلى خديه الدموع . هذه المرة عاد اكبر بنسبة قليلة كأعوامه . تعود هي لتثير كل الرماد ،  رماد حب كلما تقادم تكاثفت خمرته بين أزقة الدماغ ،  وزوايا القلب ،  ويحيلني هائما لا يجيد قراءة علامات الدروب ،  وان النسيان الذي يزيدها القا ،  يزيدني قتامة . عادت بعد عام أيضا ،  عادت لتلقط صورة ذكرى جديدة ،  وكما أول مرة ،  و ثاني مرة ،  قالت لي بأن أمنيتها بأن أكون أيقونة الذكرى لطفلها الوحيد ،  الصورتان ما تزالان كما هما ،  هي تغيرت قليلا وصارت ممتلئة بعض الشيء . الطفل ما زال ينمو ،  بينما أبدلت إدارة مركز التسوق الدب بدب آخر يشبهه ،  مع ابتسامة اكبر طفت على وجهه ،  وعنده جيب للهاتف . وبقيت أنا بداخله ،  لا احد يدري إن كنت قد تغيرت أو لا ،  ولم أجد أية وظيفة إلى الآن سوى التوغل كل يوم بزي دمية بحجمي . في اللحظة تلك ،  رفعت يدها لتلتقط الصورة الثالثة عبر أربعة أعوام ،  رن هاتفانا معا ،  كنت أشاهد رسالة على شاشتها ،  مع نغمة لمواء هادئ لقطة ،  وكان هاتفي يشعرني باهتزازه أولا ،  بينما النغمة قد غمرها الفراء السميك الجديد . وهي تقرأ رسالتها،  انتشرت على وجهها بسمة ذكرتني بكثير من الأيام الراحلة ،  ثم سحبتُ هاتفي من جيبي لأقرأ ،  واكتشف سبب ضحكتها في خبر نصي يقول : انتم يا طلاب كلية العلوم ،  دورة الأمل الجديد ،  نخبركم بلقاء أعددناه لكم في نادي الكلية بعد فراق دام أربعة أعوام ،  نريد معرفة ما صرتم أيها الأشقياء ،  ونريد أيضا بملتقاكم ،  أن ترتدوا زي الوظيفة التي رست بكم الأيام عليها .  هل سأذهب ؟ وما الداعي من ذلك اللقاء وأكثرنا ما زال عند النقطة صفر ،  لم ينطلق إلى الحياة الجديدة ،  وما زال متدل من حبل الذكريات الجميلة كما لو انه لا يريد مغادرتها . الفرق جلي بين أن تكون بعالم مليء بالأحلام ،  وعالم قاحل لا حق لأي احد فيه بأن يتمنى ،  ويحقق ما تمنى ،  ويمضي في الحياة إلى النهاية السعيدة . كانت أزياء الوظائف قد صيّرت الكثير منا أشخاصاً نلتقيهم أول مرة ،  نغم المخبولة تحققت نبوءتها بمصير ربة البيت ذات الثوب المتسخ والمبلل ليلا ونهاراً ،  مع تسريحة شعر عشوائية تشهد الصباحات الماضية كيف كانت العناية الخاصة به تحيل صاحبته إلى ملكة . نمير وجد مهنة ممتازة كما قال ،  وارانا مخدته التي يجيد قيادتها في أكثر الأماكن ضجيجا في العالم . سلوى مدرسة خصوصية في المنزل ،  رائد محاضر مجاني ،  جلال حصل على لجوء بألمانيا ولن يعود ،  أنور صار مساعد لبّاخ واعد ،  إسراء تزوجت وتوظفت عند ثلاثة أطفال . أما أنا ،  فقد وجدت إن الأوان قد حان لأن تعرف تلك التي جاءت بزيها الجامعي ،  والتي مضت عبر الزمن بدراسة العلوم إلى ما لا نهاية ،  وستكون الجامعية الأبدية المحبوبة ،  جاءت مع طفلها الذي ركض إلي بسعادة أسطورية ،  حينما رآني البس زي مهنتي ،  بينما هي بقيت مستقرة بمكانها ،  تحاول اختراق حاجز عيني الدمية الكبيرة ،  وتعرف ما قصة ذلك ،  الدب الكبير …