من يوميات سائق الـ .. تك تك – سلمان داود محمد

قصة قصيرة

من يوميات سائق الـ .. تك تك – سلمان داود محمد

( منبه – سوط – )

*****************

تك . تك .. تك ..

هذه نبرة الساعة الصفرية لبدء الختام .. ،

فـ .. ثمة في الحوض الخلفي بقايا طماطة فائتة

امتزجت مع دم الذين آثروا حمرة القربان على رمادية اللغة ،

فكان رقم تكتكي قانياً كـ .. لون الأصيل .. هكذا :

من 1 / 10 / 2019 وحتى الخلاص ..

يزول الرماد وتبقى البلاد ….

( محروسة ” وحيد أمه ” )

*****************

( علج .. علج … أبو السهم يا علج ….)

ثم توارى الولد في قيامة الدخان ،

فهرعتْ اصابعي لتنتزع صباه من سفسطة القنابر …

يا الله ..

لقد فزتُ به  بعد سيول عارمة من الشدّة وها هو يردد بإعياء :

– علج .. عـ … لـ …… ج .. –  و … صَمَتَ ….

هل مات الولد ؟؟!!! …….

 سؤالي يتيم مضمّخ بالسخام  ،

ومثل أي مُعَلّم جغرافيا موغل في القِدَم

انتهى به المطاف الى ( بائع فراراة )

أهزّ ورق أطلس العالم بغية الحصول على هواء .. هواء جيد

يزيل الضيق عن أنفاس الفتى ،

ورحتُ أطبطب على تفاحتي خديه وأهمس في مسمعه :

( – أين يقع العراق .. ؟ ) ..

تململ قليلاً ، ثم قال :

( – العراق لا يقع …. ) … ،

وانفَضَّ الموت من الساحة …

( قبو الخنازير )

****************

الخراطيم تثرثر بفصاحة مياه فائرة ..،

– يا لها من فرصة ثمينة لسلق البيض .. الشبان جائعون – .. قالت العجوز الحلوة وهي تمسح  صباح دمعتها بأردان الليل ….. على صيحات ( الأوغاد بره بره …. البلاد تبقه حرّة ) فرت النمور المنقوشة على بطانيات الإعتصام نحو قبو خنازير يجثم في الصوب الآخر من الجسر ..  و …..  اختبأ الأرق بين ريش الوسائد وطار تنّين الخوف من مخيلة الصبية ، بينما إسفنج الأفرشة يثمل بالدم وأرغفة الخبز أيضاً … الرصاص الحيّ يتناغم مع أبخرة عبوات مسيلة لرحيق العيون ، وأب يزأر بوحيده المضمخ بالإرجوان :

– ( لتموت واتيتمني … ولك لتموت ….   ) ….

كان همس الحنين الى بلد أعلى من عواء قنابل صوتية وأقرب الى معجزة ،

فلا سماء هنا ، لا سماء ، غير راية تعلو وأولاد يرفرفون ….

( جورج اورويل وإبن ثنوة القرباني )

*******************

سرب من صغار البط يتبع أمه البطة الكبرى على مسار من نهر حزين وجثامين زنابق ونسائم تشرين الجريحة وتربّص صيادين هناك ، في الجهة المقابلة  ، هكذا كان سرب التكاتك يتبع السيارة الكبيرة ، تلك المتوّجة بجثمان الفتى القرباني صفاء بن ثنوة السراي ، كان الفتى منهمكاً بحلمه ساحتئذٍ على الرغم من هدير المتظاهرين وهسهسات (الدعابل) المائية المنهمرة من عيون المشيعين ، على مرأى من وجوه ملثمة بـ عتمة انبثقت من سراديب شاهنامة مدججة بسهام  قنص تتضور جوعاً لصيد آخر …

لا زال إبن ثنوة يحلم ، والجهة المقابلة تسعى لتصميم مسمى له ، فلم تكن تسمية ( المُنْدَس ) كافية ولا صفة ( الإنغماسي ) هي الأرجح ، فهرع المستشار الإشهاري للولاة  مردداً عبارة ( جورج اورويل ) : من يمشي على أربعة فهو صديق ومن يمشي على إثنين فهو عدو … و …. قاطعه جريح من نينوى : وماذا عن الذي يمشي على واحدة ويتعكّز على غصن .. ؟!……. صمت ……

اتجهتْ السيارة مع النعش نحو الغروب وتفرّقت طفولة البط لتواصل تنقية الهواء من ملوّثات المارقين  وظل دم صفاء القرباني في الميدان يبصم على صهيل الجواد الجامح في  – نصب الحرية –  هكذا : ( محد يحب العراق بكدي ) أي أن بمقدور نجّار العروش أن يصنع النعوش أيضاً  … و …….. غاب ..

( خونة رائعون )

*****************

” إذا كان العسل طيباً فالنحل من بغداد ” هكذا قال الشاعر التركي المعروف ناظم حكمت ذات يوم  ،  فهل يكفي هذا القول لمحو شبهة الإرتباط بجهة أجنبية – عثمانية مثلاً – بإعتبار أن ( المطعم التركي ) الآن مربط فرس الإحتجاجيين العراقيين الشبان على فساد أولي الأمر العابر للخيال ..؟ ، مع أن المتمترسين في هذا المبنى منذ غُرّة تشرين الأول من العام 2019  لا أطروحة لديهم سوى عبارة واحدة  هي : ( نريد وطنـ … اً ) .. فقط ، عبارة تتنفس عبق الضوء المخطوف من خلال تلك الثقوب الجبارة التي تركت الصواريخ الأميركية همجية بصماتها على قيافة هذا المبنى – كَفَنيّ اللون – الخالي تماماً من الجدران والمجرد حتماً من أبسط وسائل مكوث رغيد ، مبنى مهجور منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن وهو الرابض بالقرب من ساحة التحرير في قلب بغداد ، يحده من الشمال ( مبتدأ ) شارع الرشيد ومن الجنوب ( خبر ) شارع إزدهر في يوم ما بكأس فاضت بقصائد إبي نواس ، كما أن وجه المبنى يرنو غرباً صوب دجلة وظهره محمي من جهة الشرق بملحمة جواد إبن سليم العتيدة والدموع الرخامية المنهمرة من عيون تلك الوالدة الحنون في تمثال ( الأمومة ) في حديقة الأمة ، قُدُماً نحو مقربة ختامية تشي برفيف يمام وأكفّ سلام منبعثة من جدارية الموقر فائق إبن حسن ، هناك قبالة ساحة البنائين المحاذية لكنيسة .. على أية حال … إن الأحداث الشاهقة تخترع أسماءها العالية دائماً ، لهذا أطلق شبان ساحة التحرير أسماء عدة على هذا المبنى ، منها : جبل أحد ، قلعة الكرامة ، برج الأحرار ، ملوية تشرين ، زقورة التحرير …. . بمناسبة ذكر الزقورة هنا ، يبقى السؤال شاهراً علامات استفهامه قائلاً : ألم يتموسق شكل مبنى كهذا في تصميمه الهندسي مع شكل ( زقورة اور ) التي شَيّدها الملك السومري ( اورنمو ) قبل ثلاثة ألاف عام ؟ ، لذا من الممكن على سبيل المثال أن يتهم الإعلام الحكومي تظاهرات ساحات التحرير العراقية برمتها على خلفية ارتباطها بجهة ( سومرية ) !!؟ ، أو بذريعة أن  دعاوى الحرية تسقط بالتقادم بحسب تصريح الناطق الرسمي العاكف مراراً على اعلان حظر التجوال على الأحزان والتقليل عبر بياناته العصماء من عدد الضحايا استناداً الى فكرة – ترشيد الإستهلاك –  ومن ثم اتهام الشقيقة ( أرجنتين ) في إدخال الأُنس الآثم الى البلاد ، وليس أخيراً بالطبع ، اتهام الفرات بالتجسس لصالح دولة المنبع  …. مثلاً ..

الـ تك تك الثقافي …

******************

يُحكى – وبتصرّف –  أن رجلاً متفاقم البنية من أعيان هذا الزمان دخل مكتبة وسأل صاحبها عن أفخم كتاب يحتوي على أكبر عدد ممكن من الأوراق ، فعلى الرغم من أن صاحب المكتبة استغرب من هذا الطلب إلا أنه انهمك بجدية في تأمل الرفوف  واستلَ كتابين ينطويان على عدد غير قليل من الورق وقال :

– تفضل يا سيدي ، هذا كتاب يبحث في نظرية النشوء والإرتقاء أو ( أصل الأنواع ) لمؤلفه تشارلز دارون ، أما هذا فهو ( موبي ديك ) رواية من أدب البحار لكاتبها هرمان ميلفل ….

قال الرجل : أوووه .. هذا فاخر ويفي بالغرض ، اعطني من هذه الرواية نسختين ….

غادر المكتبة وهو يضحك في سره ، متمتماً ببضع كلمات متهكمة مفادها:

– لو عرف صاحب المكتبة أن نسخة واحدة من هذه الرواية تكفي

   لتنظيف ( بنيتي التحتية ) ولأسابيع عدة بعد قضاء الحاجة لأسرع هذا المعتوه الى تغيير مهنته من ( كُتبي ) الى ……….. كاه كاه كاه كاه …..

فيما كان صاحب المكتبة يتمتم مع نفسه بشأن الرجل المتفاقم ذاك ، قائلاً :

– يا له من زبون ثر ، لقد اقتنى نسختين من كتاب واحد من دون أن يساومني على سعر الغلاف ، مما يدل على ولعه المضاعف في إثراء خلفيته الثقافية .. بالطبع …

في حين كان ملك الملوك قد أعلن  في الوقت ذاته وعبر شاشة التلفزيون عن تأجيل إقامة معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته الجديدة والى اشعار آخر ، من أجل التفرّغ لبدء تنفيذ حزمة من الإصلاحات  ولعل في مقدمتها قطع الإنترنت حفاظاً على السلامة الفكرية للرعية فضلاً عن تعقيم الفاسدين من البلاد وإحالة حوادث القضاء والقدر الى القضاء … إلخ ….. إضافة الى مواضيع أخرى تطالعونها على صفحات  جريدة ( تك تك ) في عددها الأول والصادر الآن عن فتيان ساحة التحرير للتأليف والطباعة والنشر والتوزيع  وبتمويل من مصرف الدمع التعاوني .. بلا ريب..