وجه في عتمة الذاكـرة – قاهر الفكيكي

قصتان قصيرتان

وجه في عتمة الذاكـرة – قاهر الفكيكي

 كان منير الاكثر تميزا من بين زملائه اثناء مرحلة الدراسة الاعدادية ، بل كان كتلة نار وذكاء ، تتوهج فيسلب الالباب ، ويدهش الانظار ، فصاحة وادبا . كان محط اعجاب الجميع ، مثل نقطة دبقة تلوب من حولها الفراشات ، حقا ، انه اصبع سادسا. بعد ان تخرج في الكلية بامتياز، تم تعيينه مدرسا للغة العربية في احدى المدارس الاعدادية ، بعدها تزوج من زميلة له احبها اثناء الدراسة في الكلية ، ثم رزق بطفلين وقرر بعدها ان يستأجر دارا ليستقـــــل عن دار ابيه ، مثله ، مثل اي رجل يحلم بحياة هادئة على وجه البسيطة . انتقل منير الى المنزل الجديد ، وفي رأسه شتى الاحلام بمستقبل جميل . وبعد ان مكـــث شهرين تقريبا ، حتى تفاجأ بزائر غريب، طرق الباب ، ثم لاح وجه مالك الدار ، وبعد مقدمـــة من الاعتذار ، طلب من الاستاذ منير اخلاء الدار لانه تم بيعه لشخص آخر .  تفاجأ بهذا الامر الذي لم يكن في حساباته ، ومع هذا قرر البحث على وجه السرعة عن دار بديلة فهو ملتزم ولا يحب التسويف . وبمساعدة الاصدقاء استطاع ان يجد بيتا بديلا مما مكنه من سرعة  الانتقال وانهاء القلق .وبعد مدة من مكوثه في البيت الجديد ،طرق الباب ، واذا بالزائر ، مالك الدار وبعد ان قدم الاعتذار طلب منه اخلاء الدار للسبب نفسه! أحس هذه المرة بأن الحدث لايمكن ان يكون مصادفة ، ولابد من وجود شخص وراء ذلك ، وان هناك شيئا ما في الافق، ومع ذلك قرر في اليوم نفسه ان يجد منزلا آخر ، وبمساعدة الاخرين الذين، ابدوا استغرابهم للحدث  وبعد جهد حثيث هالك وجد ضالته ، فآثر الانتقال بسرعة ومواصلة احلامه وانهاء الازمة التي ارهقته وعكرت صفو حياته.وفجأة وبعد شهرين ، طرق مالك الدار الباب ، فأنكمش استاذ منير وراء ستار مـــن الخوف ،وبعد ان تلفت حول نفسه ، صرخ :من الطارق  ؟ لاح وجه مالك الدار! وبعد الاعتذار كالعادة طلب منه اخلاء الدار للسبب نفسه. ركل منير الباب ،وبصق علــى الارض بقوة وعناد ،وتمتم مع نفسه:كيف يحدث هذا  ! وتأكد هذه المرة بان الموضوع مدبر وليس عفويا ، فليس من المعقول ان تتكرر هذه الحالة ثلاث مرات بالمصادفة .

في المساء ،قرر الغاء موضوع السكن في دار للايجار والتخلي عنه نهائيا ، وعاد ليعيش في بيت ابيه ليتخلص من هذا الكابوس الذي ارق حياته وسلب استقراره واحلامه ، ولم يستطع ان يزيح الغموض عن هذا الطلسم ويقذف به الى عالم النسيان . بعد عشر سنوات تقريبا،وفي ليلة خريفية موحشة ، طرق الباب،وظهر عند الباب وجه حزين ،سأله: هل انت استاذ منير؟ اجاب: نعم ،قال الوجه الحزين :هناك رجل مريض ،راقد في المستشفى ، ويريد ان يراك قبل ان يفارق الحياة .ثم دس في يده ورقة تبين مكان المستشفـى  وبعض التفاصيل. تـأمل فيها الاستاذ وتمتم مع نفسه من يكون هذ المريض ياترى؟ في الصباح ،حمل في يده باقة من الورد ، ثم اتجه الى المستشفى ،وبعد البحث ، دخل الى الردهة يبحث عنه في الوجوه ، فصاح احدهم بصوت مبحوح: استاذ!. التفت الى جهة الصوت ،وتقدم بخطوات قلقا ومستفهما،خطوة ،،خطوتان،واقترب من الصوت المبحوح ثم نظر الى وجه الرجل . كان ذا وجه شاحب تعلوه الاخاديد ، وفم ذابل ذي اسنان منخورة!   قال المريض للاستاذ: تفضل بالجلوس.. ثم سأله :هل تعرفني  ؟ هل تتذكرني ؟ ردّ الاستاذ بتعجب: من تكون ؟ قال المريض: سأخبرك ولكن ارجوك ان تسامحني  ؟ قال اسامحك عن ماذا ؟  وماذا فعلت انت بي ؟ قال المريض بصوته المبحوح : هل تتذكر قبل عشر سنوات تقريبا كنت كلما تستأجر دارا يأتيك صاحب الدار ويطلب منك اخلاء الدار ، لقد كنت انا الذي يدبر ذلــك،! انتفض الاستاذ وقال بشيء من الحدة: انت،؟ ولماذا؟،،قال الصوت المبحوح : كنت انا في حينها طالبًا معك في الاعدادية وقد كنت انت حينها اكثر مني ذكاء وتميزا ، وكان الجميـع يلوذون بودك ،وكنت محبوب الجميع ،حينها انا كنت اشعر بالحقد والغيرة مما دفعني ان ارتكب هذه الحماقات لاطفىء نار الحقد التي استوطنت روحي ،ارجوك ،ارجوك ،سامحني .انتصب الاستاذ ، وهو يرتعد من الغضب ، ثم قذف بباقة الورد على الارض وصاح: اذن انت وراء ذلك ،اللعنة عليك ،ان الله لم يخلق  بشرا من هذا الطين الملعون ،انت وباء  لافرق بينك وبين الشيطان.أخذ يسحب جسده المنهار بأقدام منهكة ، خافض الرأس ،باحثـا في ذاكرته عن هذا الوجه بين الوجوه التي مرت عبر السنين الغابرة ،ولكن الملامح ، اخذت تختلط مع بعضها بعضا ،ثم لاح وجه مالك الدار الاول ، ثم الثاني والثالث ، واخذت الصور تفقد خواصها ، فلم يعثر على شيء سوى ظل وجه بملامح مشوهة يلوح ويختفي في عتمة الذاكرة، ولم يأبه للتوسلات والصرخات التي كانت تتساقط خلف ظهره ،،ثم غادر المستشفـى ولم يره مرة اخـرى.