

شعرية القص في سرديات حنون مجيد – جبار النجدي
(الخيانة العظمى) إنموذجاً
تتولد نصوص مجموعة (الخيانة العظمى) للقاص حنون مجيد عن بنية التداخل بين السردي والشعري ، وتبعا لذلك فأن (القصص القصيرة جداً) التي تحتويها المجموعة تنتمي الى عالم ما لم يحدث بعد ، فالشخوص يدفع بهم الزمن الشعري خارج علاقاتهم مع زمنه استناداً الى ما تنتجه فاعلية الشعر في المجموعة والتي بمقدورها ان تدفع بالراهن الزمني الى راهن زمني آخر لا يقع على النحو الذي يقع فيه عادةً ، نظراً لأن الشعر هو الاكثر قدرة على تعطيل ممكنات الواقع ، لذلك فأن النصوص لا تبدو على بيّنة من وجهتها ، انها لمحة شعرية يتعذر على المعنى فيها ان يحضر حصوراً كاملاً ، وبهذا النحو فأن قصص المجموعة تشكل جزءاً من اشتغالية الشعر عبر تركيبة تعتمد على عناصر متضافرة من اشتغالات القص والشعر في آن ، لبلوغ نوع من الاتيان لزمن آخر ، وبموجب ذلك فأن النصوص تتغير بتغير مستويات القراءة التي لا تعني البرهنة على شيء بذاته ، بسبب ان النصوص مرهونة بظروفها القرائية ، بمعنى انها لا تؤسس الى شيء حتى لا ترسخه ، ويبدو ان القاص حنون مجيد يبتدع وجوداً آخر لكائن سردي مختلف لا يلازم صورة واحدة ، ويتمتع بفضيلة السبق في القصة القصيرة جداً .
ان الغرابة تكمن في أن القص يمكن ان يمثل شيئاً آخر هو الشعر ، وبالمقابل فأن الشعر يمكن ان يمثل شيئاً آخر هو القص ، في الوقت الذي يمـد القص من نطاق احاطته لدرجة انه يعرض السرد عرضاً شعرياً ، تمتزج فيه صفات السردي بالشعري ، من دون ان تهتز ثوابت القص ومجرياته ، تاركاً لقرائه الكثير من الخيارات التي يجد فيها القارئ الرضا في المعنى الذي يناسبه :
(يرمي العجوز كتابه جانباً ويغير نظارته ويذهب الى الاستمتاع بمباراة كرة تنس للسيدات ، المتنافستان شابتان جميلتان ، في المشهد الفريد ، الفن والجمال في تضافر نادر أخاذ بين ذراع بيضاء تُرفع وأخرى سمراء تتأهب ، وكرة كالبرق المتناوب تُرسل وتعود ويسود الاحتدام ) قصة ( توحد ) .
ان القاص حنون مجيد في قصة ( توحد ) مثلاً يتجاوز قصد النص الذي يتلو في العادة اشكالية العقدة في القصة ، قاصداً النهاية المفتوحة التي لا تنتهي بنهاية القصة بل انها تنتظر شيئاً ملحقاً بها يتجاوز قصد الاتمام ، وبالتالي فأن مغزى القصة او دلالتها تكون دائماً في حوزة زمن قادم ، زمن مشروط بعدم اكتمالها ، ان الدور الجزئي للنهاية في كل قصة ضمتها المجموعة هو في حقيقة الامر دوراً احالياً ، قائماً من وجهة نظر القارئ على قراءة التوقعات والكشف عن المعاني المنطوقة باصوات مختلفة من دون الذهاب الى الاختيار القصدي ، على افتراض ان دلالات القص ليست في النصوص نفسها .
ومن ذلك نتبين ان القصص القصيرة جدا في اشتغالات حنون مجيد ليست جاهزة للتصنيف تماماً ، لما تمتلكه من مسارات توليدية ، بمقدورها التصدي للاشياء التي لا تبقى في موضعها ، لكنها مستعدة للابلاغ عن اية اشارة مرتقبة ، الى جانب ما تضمره من وجود متعلق بما هو غير متحقق ، ان القصة القصيرة جداً في المجموعة تميل من الوجهة الشعرية الى تلخيص حكمة الاجيال عبر استثارة البعد الشعري للسرد :
صافرة اخيرة
( عندما تنطلق الصافرة الأخيرة ويغلق أبوابه ، يمضي القطار ملتماً على جموعه في الوقت الذي يُفرّق فيه شمل مودعيه ) ( قصة القطار ــ المقطع الاول) .
ان الشعر يتضح من خلال قراءة ما يخفيه النص الذي يقوم بتشكيل لغته الشعرية مع الابقاء على الشعر ضمن حدود وظيفته في السرد ، على الرغم من ان مفهوم الشعر قد يتجاوز مفهوم القص واللغة ذاتها ، إذ لا يمكن تربية الشعر على عادات ثابتة طالما ان المعنى هو شيء محتجب ويقع ما وراء الشعر الذي يصير سرداً ، ليضعنا في تواصل مع القص الى الحد الذي يشف عما هو مخبوء في الفضاء المنتج للنص ، تجنباً من تسطيح السردي الذي قد نُحرم من شعريته ، ان الشعر هنا يتفرع عن النثر السردي ، لدرجة ان امكانات النثر يمكن لها ان تنتج شعرا ما يجعلها تمريناً لكتابة شعرية والعكس صحيح ، حيث يتشارك السردي والشعري في انتاج النصوص التي تقترن بوظيفة استبدالية تفرضها حالة الازدواج القائمة بين النثر والشعر وهو مثال لشيء يغدو قريناً لضده ، فليس ثمة امحاء للنثرية داخل الشعر او امحاء للشعر داخل النثر ، والدليل هذا المنتج الشعري الذي تقوله النصوص عبر القص والمتمثل بالقدرة الايجازية التي يطرحها ، في حين نرى ان الشعر لا يظهر متجاوزاً لحدوده في سياق القص او ماثلاً في برانية النص القصصي في الآن ذاته .
وبهذا الشرط يكون الحضور الشعري في القص حضوراً واضحاً ومرئياً في احيان كثيرة وفي نصوص عديدة ومهمة مثل ما نقرأه في المقطع الثامن من قصة ( القطار ) :
( لا احد يعلم كم تنشأ في القطار من علاقات ، لا احد يعلم اين يلقي بها القطار في آخر المطاف ) او في مقطع آخر من قصة القطار نفسها ( للقطار محطات كثر يتبادل فيها الركاب مواقعهم فكل يترك للآخر موقعه .. اكثر المواقع وحشة موقع الراكب الغريب ) .
ان مجرى القص في هذه المجموعة يؤمن حضوراً آخر للشعر ، انه باية حال شيء يتعلق بالفعالية الشعرية الفاتنة المتمثلة في الصورة العميقة المتخفية في شخص او مقطع مكاني او ضمير مضطرب مشتقاً من واقعة ما ، تتخذ صورة غير صورتها في اغلب الاحوال بحيث تصبح تجاوزاً للحدود التي تصنعها الواقعة ، والتي تستجيب لتقلبات القصة بتقلب مماثل قابل لان يكون ناجماً عن فكرة قادرة على ان تنتج لحظة شعرية بوسعها ان تمتد الى كل ما لا يتشكل بعد ، عبر الواقعة ذاتها ، ونجد ذلك ماثلاً في قصص اخرى منها قصة ( في الغابة ــ المقطع الثاني عشر ) والمتعلق بمحاولة تصوير شساعة الغابة عبر عين الكاميرا التي لا تنتج بالنهاية سوى صورة بحجم الكف :
( لا جدوى من تصوير الغابة ، ذلك انك بصورتك هذه تكون حددت المطلق بمساحة لن تكون مهما اتسعت اكبر من راحة كفك). ان الشعر في قصص المجموعة لا يعبر عن كفايته في استيعاب اي ظاهرة تصلح لإنتاج قصة قصيرة جداً ، فالأشياء مهما كانت صلابتها لا تعني العصيان على الشعر ابداً ، وبالتالي فان قصص حنون مجيد في هذه المجموعة هي صنيعة البعد الايجازي للشعر الذي بمقدوره استدعاء ما هو عصي وممتنع.























