
مصطفى السنجاري لـ(الزمان ): شعري يمسّد آلام الوطن ويمسح دموع المرأة
سامر الياس سعيد
حينما تلتقيه وتتحدث اليه تلمس ان كلماته تنساب كقصيدة ، وحين تسأله عن عمله كونه يعمل تربويا في احدى مدارس النازحين بمدينة دهوك لا يفصح عن هذا العمل الا ويرفقه بالاعتزاز بكونه شاعرا ..ينحني الشاعر مصطفى السنجاري لآلام الوطن فيخصص قصائده الرئيسية لما يعيشه هذا الوطن من احداث ثم ينعطف بقصائده للمرأة محاولا ان يضع حدا لدموعها وهواجسه الحزينة، وقبل هذا وذاك يرمق ما تعيشه قريته في شرق قضاء سنجار حيث تلون بيئتُها القروية دواوينَه التي كتبها في بداياته الشعرية، وحلقت كلمات قصائده كفراشات تنطلق من اعراسها وافراحها التي عاشتها بشكل جماعي ..السنجاري حلّ ضيفا على (الزمان ) ليفصح في حوار معه عن إبراز ما تواجهه القصيدة من تحديات وكانت هذه الحصيلة :
{ في البداية ،كيف بدا معك نزيف الروح ، وكيف تبلورت لديك القصيدة ؟
– لا أخفي عليك بان البيئة القروية التي انتميت اليها كانت النواة الاساسية لتبلور ملكة الشعر لدي وما زلت مسكونا ببيئة قريتي ديلوخان التي تبعد عن قضاء سنجار بنحو 18 كم شرقا ففيها من الاجواء ما اسهم بولادتي الشعرية واصدار شهادة الشعر عندي خصوصا وان ربيع تلك القرية لا يعرف الافول ، فضلا عن طيبة اهلها وعاداتهم التقليدية الآسرة رغم اختلاف المكونات التي تعيش فيها لكنك تجدهم اسرة واحدة في الافراح، حتى لتخال انك تعيش عرسا جماعيا في حال احتفال بتلك الحفلات الاجتماعية وفي بداياتي التي انطلقت حينما كنت ابلغ من العمر 15 سنة كانت القصائد التي كتبتها في تلك الفترة مرهونة بالزمن واحداثه السائدة .. وعمقت ملكة الشعر نشري لقصائدي في المجلات والصحف المتاحة ومنها جريدة الرسالة الكويتية التي اذكر باعتزاز نشري فيها اول قصيدة عنونتها ب(لقاء)اضافة لجريدة الحدباء الموصلية والتي واكبت بداياتي الشعرية ومنحتني الفرصة الحقيقية للإطلالة على متذوقي الشعر بمدينتي ..
{ وبرايك هل يمر الشعر بمنعطف يهدد زعامته على باقي الاجناس الادبية في غياب المتذوقين والمتابعين مثلما كان الحال قبل عقود ؟
– لا اتفق معك في هذا الطرح لان الشعر دائما ما يواكب الحدث لذلك تجده في اوج ازدهاره لكن لا اخفي انه في المقابل هنالك بعض المعوقات التي ربما تهدد الشعر لاسيما في الدعم او في وجود دور نشر تهتم بإصدار الدواوين والمجاميع الشعرية والتي اجدها تشابه ما تواجهه السينما واعتمادها على شباك التذاكر في معرفة شعبية الفيلم وحضوره لدى المشاهد، و لذلك لا خوف على الشعر الذي يبقى في قمة الاجناس الادبية خصوصا وانني بحكم اشرافي على العديد من المسابقات الشعرية الكبيرة التي جرت في الوطن العربي مصر والمغرب وتونس والامارات العربية في لجان تحكيمها فستجد هنالك اقبال واضح من قبل الشعراء على الظهور وبتميز في ميادين الشعر ..
{ وعلى ذكر المسابقات ، فهل اصبحت الجوائز الشعرية هي الفيصل في اثبات ولادة شاعر جديدة وحضوره البارز في ميدان القصيدة ؟
– لا بالتأكيد ليس للجوائز شأن في ولادة وخلق شاعر، وإن كانت الجوائز تعمل كدعامة لبقاء الشعر في الزعامة. لان بحسب رايي الشخصي فان الشعر يكتب للشعر والشاعر ليس بعداء يشارك بسباق ليحصل في نهايته على كاس او لقب حيث يملك الشاعر القصيدة التي اذا اثبتت جدارتها فإنها قادرة على الفات نظر الكون والتمتع بالخلود في اذهان الاجيال وبحسب فكرتها وكذلك اسلوب طرحها واللغة المعتمدة ..
{ وهل الشاعر يمكن له ان يلعب ادوارا اخرى في عصره بالإسهام بقصيدته بتوثيق عصره او ارخنة بعض الاحداث التي يعانيها ؟
-لم لا فالقصيدة هي التاريخ الحقيقي الأصدق لأرخنة الأحداث، والشاعر الحقيقي هو من يمثل عصره فضلا عن كونه مرآة عصره ايضا حيث يعكس ما يعيشه للأجيال اللاحقة خصوصا وان صفحات الشعر لا يمكن تزويرها او العبث فيها ولدينا دلائل في ذلك كما ان القصيدة لا ترتبط بزمن معين. وأنجح القصائد ما استطاعت مواكبة كل الأجيال وكأنها كتبت للتو. وأعتقد بل أؤمن أن فكرة القصيدة هي الاهم حيث تأتي في المقام الاول ومن ثم يحاول الشاعر صياغة تلك الفكرة وقولبتها باي لغة يتقنها لكي تكون مستساغة اضف الى ذلك ان القافية المبتكرة هي من تجعل من الفكرة ناجحة.
{ وكيف يستقبل الشاعر مصطفى السنجاري فكرة قصيدته ؟
– الشعر هو رسالة كل شاعر ومثلما السياسة تملك جدول اعمال فكذلك الشاعر ايضا يمتلك جدول اعمال في نقل افكاره للمتلقي على شكل قصيدة وعادة ما تكون تلك الافكار مناسبة للجيل الذي يعيشه والجيل التالي ومثلما هو معروف فلكل جيل مشاكله وارهاصاته لذلك لابد ان نبعد جيلنا عن سلبياته .. من خلال تناولها في قالب شعري.
{ تحدثت في اجاباتك السابقة عن الاجيال ، فهل الشعر ايضا يرتبط بجيل معين لكل نخب الشعراء ؟
-في اعتباري لا التفت الى زمنية الاجيال ورغم ان المتنبي رحل قبل قرون غابرة لكنك تجده مازال يعيش بيننا وقصيدته مازالت نابضة لذلك فان أكثر الكتابات المعاصرة تصب في قالب الآنية أي بمعنى هي مثل وجبة سريعة مثل الاغاني التي ما تلبث ان يلفها النسيان وانا اعتبر المتنبي قدوة، لأنه مازال يمد الشعر بنبض حي كانه يعاصر الشعراء الذين يتوالون عبر الاجيال ..
{ حينما تعرف نفسك للآخرين كيف تقدم نمط قصائدك واي المحاور التي تتمسك بها في انتاج قصائدك ؟
-انا بطبيعتي الشعرية اميل لمحورين اولهما الوطن كون بلدي في محنة ومنذ نعومة اظافري اجد العراق يعيش حزنا دائميا يرغمني ان اسكب دموعي عليه شعرا لذلك حينما تطل على مجاميعي الشعرية ستجد ان للعراق حيز كبير فيها، ثم تاتي بعده المرأة التي تحتاج الى من ينفض عنها غبار الاهمال والغبن الذي تعيشه واخر دواويني التي اسعى لطبعه وعنوانه ليلى والوطن .. أيهما أيهم؟؟ فيه نحو 70 قصيدة تدور في فلك الوطن والحبيبة الذين يكابدون نفس المحنة ..
{ اخبرتني في لقاء سابق بان بداياتك انبتت قصائد كتبتها باللغة الكردية فهل اتقان الشاعر لأكثر من لغة يمنحه تميز وانفراد خاص ؟
-الكتابة بأكثر من لغة هو زخم يرسخ الشاعر ويمنحه العطاء في انتاجه الادبي ومثلما هو معروف فان اللغة الكردية التي أتقنها باعتبارها لغة أهل سنجار، لها تاريخ عريق في الشعر، كما ان الكتابة باللغة العربية تمنحني بلورة افكاري كون العربية هي لغة الشعر ولغة القران الكريم وهنالك اكثر من مليار ونصف المليار من يستخدم تلك اللغة لذلك اجد ان الدافع اقوى في كتابتي لقصائدي بهذه اللغة مع العلم بانني اسهمت بإصدار اشرطة وألبومات صوتية لفنانين من سنجار في الفترة الممتدة ما بين عامي 1985 حتى عام 1990? ولم يقتصر على اللغة الكردية وإنما اللغة الشعبية الدارجة كتبت أغان لتلفزيون نينوى من تلحين الفنان الكبير زكي ابراهيم وقد أدرجها في كتابه الموسوم الأغاني الموصلية الشعبية. ولكن في بداية التسعينات وجدت أنه علي التفرغ للشعر الفصيح فغيرت اسلوبي لأتمسك باللغة العربية الفصحى في كتابة كل قصائدي ..
{ وهل هنالك مقومات ومعايير يمكن ان يتخذها الشعراء الشباب لسلوك درب القصيدة ؟
– حقيقة لا يحتاج الشعر الى مثل تلك المعايير بل على العكس فان الشعر هو هبة ربانية اذا احسن الشاعر استغلال تلك الملكة ورسالته التي يلتزمها بتهذيب المجتمع فلذلك الشعر لا يحتاج الى مقومات اصلا .. طالما هو شاعر وموهوب ويمتلك ناصية اللغة























